اتهم بعض حلفاء حزب الله المحليين قيادته باعتماد ضوابط مثالية في العديد من قراراتها التي تخص الشأن الداخلي، معتبرين أن تلك الضوابط غير مبرّرة وتشكل قيداً على تحرر القرار ومرونته، وتكبّل القدرة على الاستدارة حين يكون الظرف حرجاً أو القوى الضاغطة ذات وزن راجح. من جهة أخرى، يتفاوت النقديون في مقالتهم بين من يرى في هذه المثالية غطاءً يخفي مشروعاً سياسياً، ومن يعمل على تفريغ الصورة المثالية من محتوياتها، إما من خلال الادعاء النظري بأن المثالية حالة خيالية غير ممكنة، أو من خلال التركيز على العثرات وجعلها في مصافّ صورة كلية، أو من خلال الاستناد إلى لحظات التأزم الداخلي والاحتكاك العنفي التي دفع إليها وصنعها بيده.

مدارسة المسار التاريخي تخرج بنا إلى إحصاء بصمات وآثار في الواقع التاريخي كان آخرها، وربما أخطرها، الحرب السورية، حيث وفِّق الحزب إلى نيل أوسمة مفردة في مواجهة الغزو الصهيوني واستباق الغزو التكفيري. قدماه ثابتتان إذاً في ميدان الواقع، خصوصاً ما يتعلق بالصراعات الخارجية، لكن رزمة من المواقف والسياسات أخذت البعض إلى استخدام نعت المثالية واللاواقعية في ما يخصّ سياسات الداخل.
لنتفق أولاً على أن المثالية لا تعني إلغاء الذات السياسية، بل تعني التوقف عند التحفز والقدرة وكبح المطامح بما يتيح التأني في النظر إلى الوقائع، والمثالية تعني التضحية دون طلب مقابل، ولا تعني قبول التآمر مع العدو على المقاومة. والمثالية لا تعني عدم وجود عوامل مساعدة على التضحية، بل استخدام هذه العوامل لتيسير جهد التضحية، بدلاً من استخدامها في التنمّر على الآخرين. والمثالية لا تعني عدم الاستفادة من التضحيات والجهود، ولكن تعني مراعاة حقوق الآخرين وحساسيتهم والتحرك تحت سقف حفظ البيت الوطني. والمثالية لا تعني عدم التحالف مع من لديهم مشكلات في الماضي، ولكن تعني عدم التحالف مع من ليس لديه استعداد للتخلي عن هذا الماضي. وهي لا تعني ألّا نستفيد من عوامل القوة، بل تعني النظر إلى المصلحة العامة بالتوازي مع المصلحة الخاصة. وهي لا تعني السكوت عن كل أخطاء الآخرين، بل تعني النظر إلى المصلحة العامة بالتوازي مع المصلحة الخاصة حين تناول تلك الأخطاء. ولا تعني ترك التصدي للقيادة الاجتماعية النموذجية، بل العدالة والمداراة في ذلك السبيل. وهي لا تعني عدم وجود مبررات عقلانية لوقف الطموح عند الحدود الواقعية، ولكن تعني القدرة على الانضباط عند توافر القدرة على سحق الخصوم. والمثالية أولاً وآخراً، هي امتلاك ثقافة عمومية تتيح للجماعة أن تتحمل هذه المواقف والسياسات رغم التفاوت القهري بين البيئات والشخصيات والرؤى داخل الجماعة نفسها، بمنتميها ومؤيديها.
البرنامج العملي الذي يسير عليه الحزب يعطي أولوية أساسية للأمان السياسي والاجتماعي الذي يُعَدّ المقدمة التي لا مفرّ منها لأي تقدم أو تطور لأي بلد أو وطن، وهو الشرط الضروري للوصول إلى مرحلة تعود فيها طموحات وأحلام بناء دولة ذات شخصية معنوية فعلية أمراً ممكناً، ويحاول تحقيق هذا الشرط من خلال الاستجابة لمجموعة من التحديات أهمها: 1) الأمان الوجودي 2) حياد السلاح 3) الخطاب السياسي 4) عقلانية الحلول 5) نموذج النزاهة 6) خصوصية الهوية 7) توازن الحلفاء والشركاء.

1) الأمان الوجودي هو شرط بديهي لأي تطلع يخصّ الحياة البشرية، فلا أمان لمن لا وجود له، فأي دولة لا تُحترَم حدودها وتُحفَظ سيادتها وتُحمى ملكيتها على ثرواتها، يبقى من العبث السؤال عن أحوالها التفصيلية وحلول مشكلاتها الجزئية. يتولى الحزب بعقيدة توجب عليه الدفاع عن الدولة بما هي مصلحة للإنسان وحق له، وبما له من قدرة وخبرة، إلى حد دفع البعض إلى السؤال عن مكانه في النظام السياسي، إذ يمارس دور البديل الدولتي في حراسة الأمن القومي، على أن السلوكيات والأدبيات المعتمدة حاولت قدر الإمكان توسيع مساحة المشاركة مع الأجهزة الحكومية، بما ينطوي على ذلك من تأثير متبادل قهري لا مفر منه، وحاولت كذلك تضييق نطاق ولغة التصدي إلى الحد الضروري، مع احتفاظ كل أجهزة الدولة بديناميتها المستقلة والمعتادة.
آلت سرديات انعدام الحاجة للحماية وعدم وجود تهديد، ووجود بدائل أقل كلفة (المجتمع الدولي، مفاوضات السلام...) إلى التفكك والتلاشي، وغدت أقرب إلى المخيلة الأسطورية بفعل دلالات التجربة والزمن، ونالت مقاربة المقاومة سمة الواقعية، التي تعترف بأن دورها المتسع ليس معتاداً في نظام الدول، إلا أنه سبب لبقاء الحدود والسيادة والثروات، فهو يتضخم في بعض اللحظات والمساحات على حساب الدولة، بهدف حماية وجودها.

يرى البعض أن امتلاك الموارد البديلة يساعد في ممارسة النزاهة السياسية


نرى المثالية هنا من حيث قيام طرف بالدفاع عن الدولة، فيما يتولى كثيرون في الداخل استهدافه والتطرف في مهاجمته، ونرى الواقعية في ضرورة القيام بالدفاع عن الدولة كشرط للدفاع عن النفس، وفي كيفية إدارة العلاقة الثنائية بين المقاومة والدولة، تحت شعار المعادلة الذهبية.

2) حياد السلاح في الداخل وعدم استخدامه وعدم التهديد بذلك هو العنصر الثاني في بناء الأمان السياسي والاجتماعي. صحيح أن كل الأطراف تأخذ في الحسبان القدرة العسكرية للحزب عند مقاربتها للعلاقة به، إلا أن ذلك أحد أسباب تجنيب البلاد الحرب الأهلية في ظل توازن قوى مكسور لمصلحة المقاومة بشكل حاسم، وإن كان البعض يعتبره معطلاً للدولة، بمعنى تقييد حرية الأطراف المختلفة في ممارسة لعبة الصراع، مستدلين بتجربة السابع من أيار 2008، التي استُخدِم فيها السلاح بنحو استباقي وحاسم ومحدود، إلا أنه في النهاية أدى إلى تغيير الموازين والمثاقيل السياسية بنحو نهائي وبعيد المدى، ولم يُستخدَم السلاح بما يمتلك من فائض قدرة، بل بنحو محدود وموضعي ومؤقت، وضُبط ضمن نطاق منع الحرب الأهلية وتفادي الاقتتال مع الجيش الذي كانت تدفع إليه قوى الداخل، في حين أن الفائض يكفي لقتال إقليمي يمتد من الحدود الشرقية وحتى جرف الصخر كما تبين لاحقاً، وقد كان من المبررات لهذا الضبط تحييد الداخل من الصراع المسلح كضرورة للدفاع عن الدولة من خارجها. وفي النتيجة، يراهن الجميع بمن فيهم الخصوم، حتى من دبر قرار الخامس من أيار، على عقلانية القرار وانضباطية التحييد، وهم يمارسون عدائيتهم المعلنة للمقاومة ضمن الدائرة الديموقراطية الطبيعية، أو ضمن الدائرة الأمنية والاستراتيجية.

3) الخطاب السياسي مفقود في لبنان ومستبدَل به الخطاب الطائفي والشخصاني، وهذا الخلل يمنع قيام الدولة والهوية الوطنية التي تشكل مبتدأ الحقوق وشرعة المسؤولية العامة، فالإنسان يتحمل مسؤولياته في نطاق مشاعره الهوياتية، سواء كان عاملاً في القطاع العام أو الخاص. لذا، نرى أن الهويات الطائفية الطاغية على الهوية العامة هي أحد أسباب الفساد والإهمال الفردي والجماعي. يقدم الحزب نفسه بهوية دينية واضحة، لكنه يتفادى بدقة الدخول في صراع هويات طائفية، على الرغم من مشاركته الفاعلة في الحرب السورية التي أُلبِسَت اللون الطائفي منذ البدايات وما قبلها، ويحافظ على لغة هادئة قد تكون حادة وغير قابلة للنقاش، إلا أنها تحافظ على خيط ممدود مع غالبية القوى، وإن من حيث العبارة التي لا تؤدي إلى التنازل عن المضمون.
هذه اللغة التي تعطي للحزب هامش مناورة واسعة وإمساك بخيوط وفرص متفاوتة ومتنوعة، ينبغي أن تشكل في النظرة الكلية موئلاً لتأمل اللبناني في إمكانات وطن، على الرغم من أن حجم الحزب وقدرته تثير مخاوف كثيرين، قد يتأملون يوماً ما في التوازن القائم بين حجمه ولغته، ويعيدون النظر في حجم مخاوفهم، وآخر النماذج الماثلة أمامهم خطاب ما بعد الانتخاب، الذي قد يوصف بالمثالية لشدة واقعيته وتواضعه، بالمقارنة مع الخطابات الأخرى.
4) عقلانية الحلول للمشكلات المعقدة أسلوب يحاول الحزب اعتماده، فهناك بين يدينا مشكلة موضوعية وحلول موضوعية، ومن ثم نبحث ونتداول في العوائق والمتطلبات السياسية، فلا يُلغى التصور الموضوعي، بل يجري الانطلاق منه. وثمة اعتقاد واضح بأن القرارات الاستراتيجية مبنية على أسس موضوعية، ولذلك يُبدى الاستعداد للنقاش والبحث العلمي حول تلك القرارات. يناقش البعض في عقلانية التفرد بالقرار العسكري والدخول في معارك مصيرية دون تحصيل التوافق الداخلي، فيما يناقش آخرون في مصير البلاد، في حال انتظار التوافق وعقلانية انتظار مماثل في لحظات مصيرية. يمكن النقاش في تطبيقات ومواقف مختلفة، إلا أن المهم هنا هو إدخال المقاربة الموضوعية إلى التداول السياسي والمحافظة عليها في القضايا والجدالات محل الخصام والاختلاف، كنقطة مركزية في مسار بناء أي عقد اجتماعي يتخطى الأزمات البنيوية الكامنة في أي مجتمع تعددي متجذر في نزاعاته. لا شك في أن تأثير هذه المقاربة محدود حتى الآن، ويمكن بعض النقديين وضعها في سياق استخدام المقاربة العقلانية لتبرير التموضع السياسي، إلا أنها المقاربة الأمثل في دائرة الممكن السياسي، وهي متاحة للنقاش العلمي والموضوعي حين تتوافر الظروف السياسية المناسبة.

5) نموذج النزاهة السياسية الذي سعى الحزب إلى تقديم نفسه من خلاله كلفه البقاء خارج الدولة لأكثر من عقدين من الزمان، انتهت بخروج القوات السورية، وبدء أول مشاركة في الحكومة على مستوى وزراء. ليس ثمة جماعة تستطيع إغلاق بيئتها إغلاقاً محكماً ونهائياً أمام الانحرافات الفردية، وحزب الله ليس استثناءً في هذا المجال، إلا أنه استثناء في انضباطه كجسم سياسي، وإحجامه عن استغلال وتوظيف حجمه وتأثيره. لا شك في أنه بذلك يحافظ على جسم المقاومة نقياً من أوبئة الفساد المستشرية في بنية الدولة، لكنه يقدم تضحيات يصنفها البعض في خانة المثالية السياسية التي تؤدي إلى حيازة الآخرين لحصة المقاومة في المؤسسات الرسمية. النزاهة غير المطلقة، التي قدمها الحزب في تجربته، والتي تشوبها بنظر البعض واقعية التحالف والتفاهم والتعاون مع بعض الجهات المنخرطة في اقتسام الجبنة الرسمية، تشكل نقطة ضوء للمستقبل، بأن النزاهة، حتى النسبية، ممكنة عملياً، رغم تعارف مجتمع سياسي على تبادل المنافع خارج القانون، أو احتكارها بالالتفاف على القانون والدهاء في تركيبه.
يرى البعض أن امتلاك الموارد البديلة يساعد في ممارسة النزاهة السياسية، وهذا صحيح، غير أن «الواقعية السياسية» المتعارف عليها في عالم اليوم تساوي الانتهازية واستخدام الموارد المتوافرة لتحصيل موارد إضافية. وبالتأكيد يحصل الحزب في مقابل التخلي على مصداقية شعبية وسياسية تزيد من وزنه وتأثيره، دون أن يوظف ذلك في نيل المكاسب وإن بطرق خفية عن الجمهور.

6) خصوصية الهوية الدينية التي تشكل مصدر مشروعية للحزب، وبقاؤها فاعلة في زمن العولمة وتفكك الهويات الخاصة، لم تدفع الحزب إلى ممارسة الانغلاق على الذات أو ردّ الفعل الرهابي تجاه الآخرين، بل حافظ على معاييره الثقافية التي يعتبرها مرتكزاً لا غنى عنه للحفاظ على روح المقاوم، دون أن يفرض في بيئته الخاصة حتى تطبيق تلك المعايير، بل هو يشتغل من خلال ترويج فكرته بالوسائل الاتصالية، وقد اعتبر البعض أن هذا الترويج هو ممارسة لسلطة دينية على اعتبار وجود سلطة مماثلة تخلفاً سياسياً في المعيار الغربي، ولكن القيمة الاستراتيجية التي تقدمها تلك الثقافة لا تقارن بما يعتبره البعض تضخماً لثقافة مختلفة، ونحتاج للتأمل في قيمة هذه الثقافة وفائدتها الاجتماعية والسياسية وتحديد مستوى حرصنا عليها بغضّ النظر عن انتمائنا إليها، ونتعامل معها من منظار حفظ ثقافة محلية في زمن التفكك، كإرث ثقافي ذي فوائد شاملة وأساسية وتراث يحفظ الجذور والانتماء. الجمع بين ثقافة عميقة شديدة الرسوخ، تدفع المنتمي إليها إلى بذل روحه والتزام تعاليمها التفاصيل والجزئيات كما في الكليات، وبين التواصل والمشاركة مع ثقافات متأثرة بالليبرالية التفكيكية بنسب متفاوتة، تخولها الترويج لهذا النقيض الثقافي ضمن الشرائح المختلفة في بيئة المقاومة، هذه المرونة تقدم فكرة ممكنة لوطن يجمع ثقافات جذرية إلى ثقافات متكيفة مع بيئة العولمة، وحلاً لمشكلة صراع الهويات دون اللجوء إلى علمانية شاملة، أو إلى مسخ الهوية الإسلامية. هذه المقاربة تصلح للتعميم على الحركات الإسلامية في العالم العربي التعددي ثقافياً.

7) التوازن بين حلفاء الإقليم وشركاء الوطن هي النطقة الأخيرة التي سنناقشها هنا، وهي تحتل مساحة أساسية في الجدال الداخلي، حيث يعتبر الحزب أن حرية البلاد واستقلالها سياسياً واقتصادياً يستحيل تحققها دون حضانة ودعم إقليميين، في مقابل حجم القوى الطامحة والطامعة بلبنان. فيما يرى الآخرون أن الحزب يشكل بذلك رأس جسر لنفوذ القوى التي تدعمه، بما يذكر بالجدال التاريخي القائم في لبنان، مع فارق أن تلك القوى الداعملة للمقاومة لم تنل حتى الآن أي مكاسب اقتصادية مباشرة كثمرة لنفوذ الحزب المتنامي وانتصاراته المتتالية، رغم استفادتها الكبرى من المشاركة الفعالة لحليفها اللبناني في صراعات المنطقة وحسم المواجهة مع إسرائيل والتكفيريين، إلا أن الضابطة الأساسية الحاكمة منذ انطلاقة الحزب هي استثمار استراتيجي للإنجازات في الحروب الدفاعية التي تخوضها المقاومة، دون أي توظيف أو مكاسب محلية في الداخل اللبناني، على أن الإنجازات الإقليمية تضعف الداعمين الإقليميين للقوى المحلية اللبنانية المناوئة للمقاومة بطبيعة الحال، وهذا ما يغذي الانقسام الداخلي ويديم ارتباطه بالصراع الإقليمي.
وبالنتيجة قدمَّ الحزب أولوية البقاء والدفاع عن الوجود على ضرورات التوافق الداخلي، محاولاً التخفيف قدر الإمكان من الآثار الجانبية لتحالفاته الخارجية، دون أن ينجح في تلافي استغلال البعض لهذه الإشكالية، الناشئة من طبيعة موازين القوى الإقليمية والدولية.
في الخلاصة، إن المثالية التي يتهم بها بعض الحلفاء والمؤيدين أداء الحزب هي في الحقيقة واقعية سياسية، منطوية في برنامج بعيد المدى، يرتكز على أساس المساهمة الحقيقية في بناء مقومات سياسية ونفس-اجتماعية، تفتح المجال لتحسين ظروف الدولة التعددية، من خلال إرساء مجموعة من المبادئ الضرورية. هذه التجربة المنضبطة هي المخرج الوحيد للأزمة اللبنانية التاريخية، بانتظار نضج المنافسين والخصوم وفهمهم لهذا النموذج.
* باحث لبناني