تناول الإعلام عموماً مسألة ترشُّح البعريني الأب (وجيه) والابن (وليد) أحدهما ضد الآخر في عكار بمنطق تفكير سطحي وفضائحي: الابن ضد أبيه، «وليد البعريني يضرب بيت أبيه!»، «الابن يدفن الأب سياسياً». هذا النمط من التفكير ينطلق من أُمِّيّة، بل قل من سخافة الوعي السوسيولوجي للصحفي، وينتهي بنشر تسخيف الوعي السياسي عند القراء والعامة. ولا عجب في ذلك، ما دام قد تبيّن أن الوعي السياسي العملي لسياسي على سوية ثقافية جد متواضعة (البعريني الأب والابن) أدهى من العقل الصحفي، ومن عقل مرشحين على سوية علمية وسوسيولوجية، كما كانت الحال في «لائحة القرار لعكار» التي شارك فيها البعريني الأب.

كان المفروض بأعضاء لائحة «القرار لعكار» رفض مشاركة مخايل الضاهر في اللائحة (مروان بوحيدر)

في هذا التفكير تختفي عن عين الباحث الصحفي بواطن الأمور، أي حقيقة محركاتها الاجتماعية والسياسية. وتظهر الأمور وكأن هناك مأساة عائلية في سياق سياسي ما يجعل فهم السياسة على أنها «ما إلها رب»، ولا تخضع لقواعد، بدل البحث في مسببات الحدث السياسي. هذا مع العلم أن الوعي السياسي هو على الدوام، وخصوصاً في المرحلة الراهنة، ميدان المعركة الأهم التي على المفكرين والإعلاميين خوضها: معركة الأفكار.
فكيف نفهم مسألة ترشح الأب والابن، أحدهما «ضد» الآخر؟ وما معنى انقلاب عائلة البعريني، بعصبها المركزي، من موقع سياسي (لنقل تسهيلاً للتحليل 8 آذار) إلى موقع يبدو نقيضاً (المستقبل، 14 آذار)؟ ونبادر هنا فوراً للقول إنه لا يوجد في هذا المسار فضيحة، ولا خيانة ابن عاقّ لأبيه. بل هو مسار طبيعي في سياق ثنائي: أولاً، عملية انتقال طبيعية لقيادة عائلة البعريني من الأب إلى الابن (شرعية التوريث السياسي والزعامة)؛ ثانياً، التحول السياسي العام في لبنان نحو المركزية الطائفية الحادة، واتساع اندراج برجوازية (رأسمالية) سنّة عكار في الحريرية السياسية.
أولاً، شرعية التوريث السياسي لمصلحة وليد البعريني: بمرض النائب السابق وجيه البعريني سعى إلى تهيئة ابنه البكر، وليد، إلى قيادة العائلة منذ بضع سنوات، وترشيحه للانتخابات. وهذا ما عبّر عنه البعريني الأب في بيان له أمام وفود شعبية، «فوضت إليه (إلى وليد) التجارة والسياسة وأورثته قاعدة شعبية، ولكنه أراد أن يختصر كل شيء ويحرق المراحل، الأمر الذي أدى إلى خلافات داخل المنزل، وهو ما دفعني إلى محاولة الإمساك بالأمور ومنع تضعضع العائلة...». وعليه، تقدم الأب بترشيح نفسه لتهدئة الأمور داخل العائلة والمحافظة على وحدتها. لكن وليد البعريني الشاعر بأنه هو الوريث الشرعي والطبيعي، على اعتبار أن انتقال الرئاسة في العصبيات القرابية تكون من الأب إلى الابن الأكبر. وهذا ما كان يسعى إليه البعريني الأب، خصوصاً أن لوليد الدور الكبير في إدارة الاقتصاد والسياسة في العائلة وحراكها. وبما أنه يستند إلى حقه باعتباره وريثاً شرعياً، خصوصاً مع تفاقم مرض والده الذي بات في عجز عن ممارسة القيادة السياسية ومتطلباتها الجسدية في الحركة والتفاوض والنطق؛ وبما أن له مكانة كبيرة في العائلة من خلال مصاهرته لزعامة جب كبير داخل العائلة، فإنه أقدم على الترشح وأصرّ على مواجهة المعترضين عليه داخل العائلة، ولو استمر والده مرشحاً، معولاً على عجز الوالد عن مغالبته داخل عموم عائلة البعريني بالذات، وعلى أمل الحصول على رضاه لاحقاً. كذلك لحسابه أن عائلة البعريني ستقف إلى جانبه بغالبيتها، وسترفض حصول شرخ كبير داخلها قد يؤدي إلى خسارة طرفي العائلة المقعد النيابي. وهذا ما حصل.
ثانياً، المركزية الطائفية واندراج سنّة عكار في الحريرية السياسية:
قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، كان لعكار استقلالية واسعة في القرار السياسي تُمسك به قيادات محلية عكارية معظمها من عائلة المرعبي، وهي أكبر العائلات السنية عدداً في لبنان. ولكن التحول العام في الاجتماع السياسي اللبناني، مع مطلع التسعينيات الماضية، وبانهيار قيادات العصبيات السياسية العائلية المحلية، وسقوط القوى التغييرية في ظل سلطة الوصاية السورية لمصلحة بناء مركزية في تطييف الاجتماع السياسي بإدارة وإشراف الرأسمالية المعولمة الوافدة من المهاجر العربية والغربية، كل ذلك جعل القيادات العكارية خاضعة للقيادة المركزية للطائفة السنية: الحريرية كقيادة للسنية السياسية.
تمكنّت عائلة البعريني بقوتها الذاتية، واستناداً إلى دعم سوري واضح من الوصول إلى المجلس النيابي منذ عام 1991 (بالتعيين) ثم بالانتخاب (1992)، واستمرت محافظة على موقعها النيابي حتى استشهاد الرئيس رفيق الحريري. ومن المعروف أن الشهيد الحريري عرض قبيل استشهاده على وجيه البعريني الدخول في محالفة انتخابية معه (2005)، وعُرض عليه أيضاً ترشيح ابنه وليد عام 2009، ولكنه رفض في المرتين. أدرك الرئيس سعد الحريري أن عائلة البعريني تشكل القوة الوحيدة الجدية غير التابعة له في عكار. إنها الحالة السُّنية الجماهيرية الوحيدة التي تمانع في وجهه. ولذلك سعى إلى استيعابها والتواصل الاجتماعي معها، خصوصاً مع بروز وليد البعريني، والتلميح مرة والتصريح في أخرى بأن يكون البعريني حليفاً لتيار المستقبل. واغتنم أحمد الحريري مناسبتي عزاء لدى عائلة البعريني (2015) للقيام بزيارتين للعائلة، وبصحبته كل نواب تيار المستقبل وكادرات التيار في عكار. بالطبع يندرج ذلك في سياسة تيار المستقبل باستيعاب أكبر قوة سُنية عكارية ممانعة له.
في المقابل، أدرك البعريني أن مستقبل العائلة السياسي سيكون أفضل، وعودتها إلى المجلس النيابي أضمن، باندراجها في تيار المستقبل. وبعفوية كلية أدركت قيادة العائلة (خاصة مع وليد) أن اصطفافها السياسي السابق ولّى زمانه ولم يعد له فاعلية في المحافظة على الحضور السياسي للعائلة. ففي جو من التمركز الطائفي في عموم لبنان، وفي جو من خسارة القوى المراهنة على تحالفها مع سوريا المنهارة اليوم، وخسارة القوى المراهنة على تحالفها مع الثنائي الشيعي، وجدت قيادة العائلة مصلحتها السياسية في الاندراج في السنية السياسية، أي الحريرية. وهذا ما حصل.
هل خان وجيه البعريني حلفاءه في لائحة «القرار لعكار»؟ صدرت مواقف جدية تتهم البعريني الأب بخيانة حلفائه في لائحة «القرار لعكار». وجاء اتهام مباشر في بيان بلسان أرقى مرشح في اللائحة، إميل عبود. فما قيمة الاتهام وما مدى صوابيته وجوازه؟ اكتسح وليد البعريني معظم جمهور عائلة البعريني وأنصارها. ولا يعني ذلك تآمر والده على شركائه في اللائحة. ولكنه قد يعني عجزه الفعلي عن تجيير جمهور العائلة الذي بات يتحكم بسلوكه ابنه وليد. فلائحة «القرار لعكار» كان يرأسها شخصان: مخايل الضاهر ووجيه البعريني، وهما عاجزان جدياً عن القيام بمهمات ممارسة حملة انتخابية. فضلاً عن أن ليس من المنطقي وليس من المقبول أخلاقياً أن نطلب من رجل مريض، كوجيه البعريني، أن يخوض معركة انتخابية بوجه ولده، في وقت من المعروف فيه أن جمهور عائلة البعريني إلى جانبه. كذلك ليس من المنطقي أن تُخاض معركة انتخابية في لائحة يرأسها مخايل الضاهر المريض جداً والغائب عن ساحة العمل الاجتماعي العادي منذ سنوات، والذي لم يقدم للّائحة غير 653 صوتاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى وجيه البعريني الذي لم يستطع أن يقدم إلى اللائحة غير 665 صوتاً.
كان المفروض بأعضاء لائحة «القرار لعكار» رفض مشاركة مخايل الضاهر في اللائحة. أما بالنسبة إلى وجيه البعريني، فكان المطلوب عدم التحالف معه مطلقاً، وعدم التعويل على مشاركته، وعدم الضغط عليه من هنا وهناك، وتوفير نزاع نفسي لديه. كان المطلوب من أعضاء اللائحة، ولا سيما إميل عبود، احتساب مدى قدرة الرجل وهو في وضع صحي سيئ على تغليب التزامه الموقف السياسي التضامني مع حلفائه ليس على عاطفته، فحسب، بل وعلى مصلحة العائلة واحتمال خسارتها المقعد النيابي في حال تشتيت أصواتها. وهذا ما لم يحصل، فجرى اتهام وجيه البعريني بالخيانة.
* أستاذ جامعي