نستعير عنوان كتاب الصحافي والباحث البريطاني الشهير الراحل باتريك سيل (صدر عام 1988)، للإشارة إلى المرحلة الراهنة، المستمرة والمتفجرة، من هذا الصراع الذي تصاعد خصوصاً، بغزو العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة وبعض حلفائها، في أوائل شهر نيسان من عام 2003.

خضع الشرق الأوسط لاحتلال واستعمار مباشرين على امتداد قرون طويلة، كان آخرها الاحتلال العثماني الذي امتد لنحو 500 سنة. تبدُّل التوازنات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، أحلَّ السيطرة البريطانية والفرنسية مكان السيطرة العثمانية لنحو أربعة عقود كانت نهايتها، عملياً، في غزو مصر عبر ما عرف بـ«العدوان الثلاثي» عام 1956. تكسّر ذلك العدوان على صخرة صمود الجيش والشعب المصري. عاندته، أيضاً، التوازنات التي انبثقت من الحرب العالمية الثانية لتُحلَّ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وريثين جديرين للإمبراطوريات القديمة (كلٌ لأهدافه وعلى طريقته)، وأبرزها بريطانيا وفرنسا، في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص.
المشروع الصهيوني في فلسطين، الذي كان إحدى أدوات السيطرة على الشرق الأوسط، والذي نشأ في كنف ورعاية الاستعمار البريطاني وبدعم من الاستعمار الفرنسي، لم يسقط بانهيار النفوذين البريطاني والفرنسي. هو واصل الحصول على الدعم غير المحدود وغير المشروط من القوة الاستعمارية الصاعدة في العالم، وهي الولايات المتحدة الأميركية، وتمكّن من نيل اعتراف غير مبرّر من قبل الاتحاد السوفياتي، القوة الكبرى الثانية في العالم، في مرحلة ما بعد هزيمة النازية والفاشية.
افتقر الوضع في الشرق العربي بنحو خاص، إلى أدوات حماية وقوة داخلية محلية خاصة به. لم يسمح تطورُه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري، إلا عبر محطات محدودة، بمحاولة امتلاك زمام أمره. أبرز تلك المحاولات التجربة الناصرية التي سعت، تباعاً، إلى بلورة عملية تحرر متكاملة، ببعدين اقتصادي وسياسي، وبأدوات تعبئة ومواجهة ذات مدى عربي قومي، ومدى تحرري قاري عبر تحالفات «مؤتمر باندونغ»، ودولي عبر صفقة كسر احتكار السلاح وعبر علاقات مستحدثة مع الشرق الاشتراكي... وبالتالي التوجُّه لبلورة خيار مستقل عن القوى الاستعمارية القديمة والجديدة. انتكست التجربة الناصرية في عدوان عام 1967. انهارت برمتها على يد الرئيس أنور السادات، خصوصاً مع توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» مع العدو الصهيوني، برعاية أميركية مباشرة، عام 1978.
منذ ذلك التاريخ تمزق الموقف العربي وتعطلت الأطر التي كانت تنظم الاتفاق والخلاف بين دوله وحكامه، وخصوصاً «جامعة الدول العربية». انهيار الاتحاد السوفياتي، بدءاً من أواسط الثمانينيات، ترك على مسار القوى التحررية، على امتداد العالم وبشكل خاص في منطقتنا، آثاراً أكثرها مأساوي. بالارتباط بذلك كانت اتفاقيتا «وادي عربة» و«أوسلو» مع العدو الصهيوني بضغط وتدخّل أميركيين، فيما واصلت القيادة السورية برئاسة حافظ الأسد رفض توقيع معاهدة مماثلة نظراً لاختلال التوازن مع العدو الصهيوني، واكتفى الأسد باتفاقية فصل القوات، ساعياً إلى بناء توازن مختلف على المستويات كافة. استفاد الرئيس السوري، بنحو خاص، من دوره ونفوذه في لبنان للتأثير في مجمل مشهد الصراع، وخصوصاً مع العدو الصهيوني، حيث أمكن في امتداد هذه السياسة، وبسبب نشوء المقاومة في لبنان، بدعم سوري وإيراني وسوفياتي، تحقيق نجاحات متفردة، أُرغمت بسببها إسرائيل على الخروج مهزومة من لبنان من دون قيد أو شرط.
مع انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، باتت واشنطن القوة العظمى الوحيدة في العالم. صاغ «المحافظون الجدد»، بغطاء الرئيس جورج بوش الابن، خطة متكاملة لوضع القوة في خدمة الهيمنة الاقتصادية والسياسية. في هذا النطاق جاء العدوان على العراق واحتلاله، بشكل شبه منفرد ومن دون موافقة دولية. عدم نجاح هذه الخطة وإخفاقها في كل من العراق وأفغانستان، ومن ثم نشوء مراكز منافِسة على المستويين الاقتصادي (الصين) والعسكري روسيا (دول البريكس)، وكذلك تمادي الأزمات والتناقضات... أطلقت عملية ما زالت تتواصل حتى اليوم على مستوى العالم عموماً. الشرق الأوسط هو نقطة الصراع الأشمل والأكثر تفجراً في هذا السياق: على الثروات والنفوذ والمواقع الاستراتيجية. نشأت في مجرى ذلك «قوى عظمى» إقليمية تحاول أن تشقّ لنفسها مساراً شبه مستقل، رغم أن دور الولايات المتحدة ما زال الأبرز والأكثر تأثيراً. أما الدور الروسي، فقد نجح في الانتقال من الدفاع في الداخل (في مواجهة تدخلات واشنطن) إلى مبادرات ومعارك هجومية لتقليص النفوذ الأميركي على مستوى العالم عموماً...
الشرق الأوسط يشهد الآن هذا الطور من الصراع الدولي المتداخل مع صراع النفوذ الإقليمي. ورغم أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما قد اتجهت نحو أولويات أخرى، إلا أن إدارة ترامب الحالية تطور الآن نهجاً أكثر نشاطاً وعدوانية جرى ويجري التعبير عنهما بأمرين بارزين: الانسحاب، قبل أيام من الاتفاق النووي الإيراني الموقع في تموز 2015، والاعتراف، بعد أيام بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني (نقل السفارة).
علامات الخطورة في هذا الوضع متعددة وبالغة التأثير. أولها تشظي الوضع العربي وتعاظم الخلافات والصراعات والحروب وتماديها بين أطرافه، ما يجعل هذا الوضع مأساوياً ومكشوفاً إلى الحد الأقصى. ثانيها ازدياد الصراع المغذى بالعصبيات والمذهبيات، بعد انحسار موجة التطرف والتكفير الدمويين، ما سيؤدي إلى تدهور أخطر بتشويه الصراع وصرف الأنظار عن خطر العدو الصهيوني وتحويله إلى «صديق» وشريك في المواجهة. ثالثها ازدياد النفوذ الخارجي، الإقليمي والدولي، في صراع باهظ التكلفة بكل المقاييس البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ما سيؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى العودة بالمنطقة عشرات العقود إلى الوراء، مع استنزاف ثرواتها ودمار عمرانها وتفكك نسيجها الاجتماعي والسكاني...
يحاول العدو الصهيوني جني أكبر مكاسب ممكنة في ظل دعم أميركي مفرط وغير متوازن أو متزن! هو يواصل اعتداءه على الشعب الفلسطيني وحقوقه كما لم يحصل من قبل. كذلك هو يمارس، الآن، تدخّلاً عدوانياً وقحاً في سوريا مرشحاً لاستدراج تدهور قد يصبح في منتهى الخطورة. كل ذلك فيما يستشري العجز والانقسام العربيان ومعهما الخسائر من كل نوع في معركة سيتوقف الكثير من مصائر وخرائط دولنا وشعوبنا على نتائجها: ما بان منها وما هو متوقع، وكلاهما مأساوي!
مواصلة مواجهة مؤامرات القوى الاستعمارية والصهيونية هو أولوية كبرى تستدعي توسيع المشاركة في المعارك ضمن سعي مسؤول لتطوير الخطط والاستراتيجيات، كما تستدعي التخلص من أخطاء وسلبيات متعددة لا يستفيد منها إلا المستعمرون والصهاينة وأدواتهم في المنطقة.
* كاتب وسياسي لبناني