تقف إيران على أعتاب محادثات جديدة للتوصل إلى خطة عمل شاملة مشتركة مع الأوروبيين بعد انسحاب أميركا من الاتفاق النووي. هذه المحادثات من شأنها أن تطلق مرحلة جديدة ستُعَدّ فيها معادلات تؤدي إما إلى المشاركة أو إلى المجابهة السياسية أو تحالفات جديدة على مستوى المنطقة وربما العالم. هذه الجولة التي تبدأ من مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل تختلف بطبيعة الحال عن المفاوضات التي بدأت قبل خمس سنوات بين إيران ومجموعة دول «خمسة زائد واحد». وإذا كان احتواء إيران بذريعة وصولها إلى الأسلحة النووية النقطة المحورية والقضية المهيمنة في المفاوضات آنذاك، فإنّ المرحلة الحالیة ستضم محاولات حول الترتيبات الرامية إلى تطبيق ضمانات من أجل استمرار الاتفاق النووي.

كلما كانت الجولة السابقة تتسم بالغموض عن حصيلتها النهائية في بداية المفاوضات، تكون المحادثات الحالية غامضة في نتائجها والإمكانية العملية في تطبيق الضمانات. كذلك هناك فارق أساسي بين هاتين الجولتين، وهو أن الطرف الأميركي الذي كان أحد الأطراف الأساسية في المفاوضات السابقة قد قلب الطاولة على الجميع في حين أنه يستعين بأداة عودة العقوبات على إيران ليجبرها على أن تعود إلى مفاوضات جديدة لكي يدرك كل ما يتمناه من خلالها.
لكن لا يبدو أنّ أملاً يلوح في أفق مفاوضات أخرى بين إيران ومجموعة تضم إدارة ترامب نظراً لشدة التوتر الذي أوجده الرئيس الأميركي في العلاقات بين الجانبين. ولو لم يستبقِ الاتحاد الأوروبي إيران في الاتفاق النووي لكانت طهران قاب قوسين أو أدنى من الخروج من هذا الاتفاق أساساً، فضلاً عن أن تجلس إلى طاولة المفاوضات مع إدارة أميركية غير محترفة لا تعرف العهود الدولية ولا تلتزم وعودها.
وأما المحادثات الحالية التي تخوضها إيران والدول الأوروبية الثلاث (في مجموعة الاتحاد الأوروبي) فيرتبط مسارها ومستقبلها ونتائجها بمستويات متداخلة ثلاثة يتعلق كل منها بطريقة أو أخرى بالشرق الأوسط، حيث تبقى هذه المنطقة وقضاياها سيدة الموقف، وبإمكانها أن ترسخ الاتفاق بين الأطراف الحالية أو تُخرج المحادثات من مسارها إلى المجهول.
أولاً على المستوى الأمیركي: هذا الطرف الذي انسحب من الاتفاق سيكون له تأثير كبير على مصير المحادثات، إذ يمتلك ترامب الكثير من الأهداف والحسابات، ومن أهمّها أنّ ضغطاً اقتصادياً قوياً على إيران وإعادة العقوبات سيؤديان إلى انقسام داخلي عميق داخل الأوساط الإيرانية وسيجبر هذا الأمرُ إيران على التفاوض وتقديم تنازلات في جميع المجالات التي تهمّها الولايات المتحدة. النقطة الأساسية في هذا الصدد، التي يمكن أن تربط من الجانب الاستراتيجي بين جميع التطورات الراهنة، هي أن الهدف الرئيسي هو خلق «ثلاثي» بين الملف النووي ومسألة الصواريخ الباليستية والوجود الإقليمي الإيراني في الشرق الأوسط.

يتأثر الأوروبيون مباشرة بعواقب التطورات في الشرق الأوسط


على المستوى الأوروبي، أظهر الأوروبيون على مدى الأشهر الماضية أنهم ملتزمون المحافظة على خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، لكن هناك بعض المشاكل منها الضغوط الأميركية على أوروبا. فيجب أن نرى ما إذا كان الأوروبيون قادرين عملياً على البقاء في الاتفاق والاستمرار في الامتثال لالتزاماتهم واتخاذ خطوات عملية لحماية شركاتهم على سبيل المثال والعثور على آلية للحدّ من الانخفاض المحتمل في مبيعات النفط الإيراني والتداعيات السلبية الأخرى. وإلى جانب ذلك، هناك فرصة ضئيلة أمام الفريق الإيراني المفاوض لتقَدُّم المحادثات مع الأوروبيين، كما يجب علیه أن یأخذ الضمانات اللازمة منهم بحیث تكون عملية وواضحة. ونظراً لجميع الظروف والمشاكل، من غير المرجَّح أن يتمكن الأوروبيون من تلبية جميع مطالب إيران من الاتفاق، ولكن التفاوض في ظل الظروف الراهنة هو أفضل وسيلة. ومن الحكمة أن تعلن إيران للعالم أنها تلتزم عهودها في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة، وأنها تفضّل الحوار والتفاهم.
أما على مستوى الشرق الأوسط، فيجب القول إنّ أهمية الاتفاق النووي بالنسبة إلى الأوروبيين ليست لأسباب اقتصادية فحسب، بل لها مبرّرات أمنية، بمعنى أنّ الأوروبيين يتأثرون مباشرة بعواقب التطورات في منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة، كذلك فإنهم واجهوا مشاكل كبيرة في أعقاب التطورات في سوريا وانتشار الإرهاب وموجة الهجرة. وفكرتهم هي أنه إذا بدأت أزمة جديدة في المنطقة في غياب الاتفاق النووي وتضيف إلى الأزمات الحالية، فإن الشرق الأوسط سيواجه أزمة متعددة الوجوه ستصل تداعياتها إلى أوروبا لا محالة.
إنّ انسحاب أمیركا من الاتفاق النووي خلق فرصة جيدة لإثبات استقلال الاتحاد الأوروبي في سياستها الخارجية لكن إذا سعی الأوروبيون لتحويل هذه المحادثات إلى أرضية لكسب النقاط في مجال اهتماماتهم ومن أجل تحقيق أمنهم فقط من دون تزويد إيران بالضمانات اللازمة، وربما لتحقيق اتفاق مكمّل للاتفاق النووي، فمن المستبعد الوصول إلى نتائج مرغوبة. انهیار الاتفاق النووي خسارة من شأنها بالتأكيد أن تزيد من الضغط على كلا الجانبين، الإيراني والأوروبي، في حال أنّ نتيجة المحادثات ستؤثر من دون شك بالمعادلات في الشرق الأوسط.
*خبير في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا