الجميع يتراهنون، يتشاتمون، يقصفون... ويتقاسمون جثة المواطن السوري. والمواطن السوري يقف وحيداً مذلولاً، منتظراً نهاية الحفلة... والحفلة لا تنتهي.

كانت الحرب في سوريا بالوكالة. الآن أضحت حرباً مباشرة. لم يعد للدول الإقليمية والدولية أي خجل عندما كانوا يحمّلون وسيطاً سورياً السلاح ومعه مطامحهم ومصالحهم. اليوم، حملوا عتادهم الجهنمي وجاؤوا إلينا بأنفسهم، بدباباتهم، وجنودهم، وصواريخهم، وطائراتهم... وأيضاً بمجموعات سورية لزوم الديكور. فصائل مسلحة لم تعد سورية! وجيش سوري لم يعد صاحب الكلمة في شؤون بلده!
ناضل السوريون ستة وعشرين عاماً لينهوا سلطة الاحتلال الفرنسي لبلدهم، وإذا بسلطة البعث وديكتاتورييها يجلبون لنا سبعة احتلالات دفعة واحدة، في أقل من ستة أعوام! مرحى. مرحى لكم من القلب، من القلوب، من قلوب مئات آلاف الأمهات الثكلى، وملايين الأطفال الايتام!

تكتيك روسي
تقدمت المجموعات المسلحة على الأرض منذ عام 2012 إلى نهاية 2015، وسيطرت على معظم الأراضي عندما دخل الطيران الروسي على خط المعارك وراح يقلب الآية، فأصبح المتراجع متقدماً والمتقدم متراجعاً. وخلال أشهر تقدمت فصائل الجيش السوري وإيران وقوات حزب الله على الأرض، بتغطية جوية روسية كثيفة، وراحت تستعيد المناطق الواحدة تلو الأخرى، وهذا ما دفع الدول الكبرى إلى أن تدرك أن لا حل عسكرياً في سوريا، وأن ابتلاعها كاملة أصبح مستحيلاً، فاضطرت إلى قبول تسوية تتقاسم فيها مع الدول الأخرى المكاسب! فعملت على إيجاد صيغة للحل السياسي على خلاف سياستها السابقة، فعقد مؤتمر فيينا1 وفيينا2. نتج منهما اتفاق روسي ــ أميركي ــ أوروبي ــ إقليمي على بدء مفاوضات بين الجانب الرسمي السوري وقوى المعارضة الخارجية والداخلية الموافقة على الحل السياسي...
كان التكتيك الروسي جليّاً: المرونة مع كافة الأطراف لكسب الوقت، وفي الوقت نفسه الاستمرار في القصف والتقدم على الأرض! بحيث إن لحظة التفاوض الجديّة عندما تحين لن تجد قوى المعارضة والدول الداعمة لها كثير أوراق لتتفاوض عليها!
وهذا ما تم فعلاً. ثماني جولات تفاوضية في جنيف حصيلتها صفر. والجيش السوري وحلفاؤه أصبحوا منتشرين على 60% من الأراضي السورية... وتعنُّت الجيش السوري في التفاوض لا يُخفي أسبابه، فهو حصيلة خروجه من عنق الزجاجة، ومن تقدمه العسكري المتعاظم في مختلف المناطق.
غير أن التكتيك الروسي الذي أفاد منه الروس والنظام وكل الحلفاء يبدو أنه سيرتدّ على سوريا ومستقبلها ووحدة أراضيها وبالاً! لماذا؟ لأن الحلف المقابل بقيادة الولايات المتحدة عندما تبيّن له الفخ الروسي، وأن إمكانية استعادة الفصائل المسلحة زمام المبادرة أصبحت مستحيلة لجأ الى الورقة الأخيرة في يده، وهي تقسيم سوريا، بحيث يقتطع شرق الفرات له ولحلفائه ولأدواته من القوى الكردية، (من دون أن ننسى سيطرته على مناطق في الجنوب والشرق) تاركاً ــ ليس عن طيب خاطر بالطبع ــ أغلب سوريا غرب الفرات للجانب الروسي ومعه النظام وحلفاؤه الآخرون. وليست الضربة الأميركية البريطانية الفرنسية الأخيرة (14/4/2018) لمواقع سورية باستخدام قضية الأسلحة الكيميائية إلا تذكيراً بأن الروس لن يُسمح لهم بالمضي في قضم الكعكة وحدهم، وأن حصة الغرب عموماً يجب أن تبقى محفوظة مهما حصل!
ولم تكن تركيا الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، والحليف المستجد ــ وربما المؤقت ــ لروسيا الاتحادية بعيدة عن تلك الرؤية، فدخلت بقواتها الى شمال سوريا متذرعة بمحاربة «الإرهاب»، وجلّ همّها إفهام الولايات المتحدة والقوى الكردية أن إنشاء كيان كردي شرق الفرات خط أحمر، لأن ذلك يمس مصالحها القومية العليا. فهذا الأمر لو حصل فسيرتدّ عليها قلاقل لا تنتهي مع وجود 22 مليون كردي بين مواطنيها، وربما يسوقها الى حرب شبيهة بحربها على حزب العمال الكردستاني، في نهاية السبعينيات من القرن الفائت، والتي كانت حصيلتها هزيمة الحزب، وتدمير خمسين قرية كردية وتهجير أهلها الى سوريا والى الداخل التركي. من جهة ثالثة عزّزت بريطانيا وفرنسا وجودهما العسكري المباشر في منطقة الجزيرة وأنشأتا لنفسيهما قواعد ومطارات جديدة، وتعملان على توسعتها باستمرار، وزيادة عديدها.

تحالف جديد؟
بينما تتحـول سوريا الى أرض مقسّمة فعلاً، والى أوضاع سياسية وعسكرية مترجرجة بين قصف روسي، وقصف أميركي وإسرائيلي، ومصالحات هنا، وحشر لعشرات الآلاف من عناصر المجموعات المسلحة وعائلاتهم في إدلب وجرابلس، واجتياح تركي لعفرين وجوارها... يحدث كل هذا في الوقت التي تظهر فيه علامات تشكّل حلف إقليمي جديد، شعاره المعلن إيران ونفوذها في المنطقة، وغايته الحقيقية بسط السيطرة الأميركية على المنطقة، وتأبيد وجود إسرائيل بالقوة العارية. يتشكل هذا الحلف من الولايات المتحدة الأميركية بالطبع، ودول الخليج وعلى رأسها العربية السعودية، وإسرائيل، وأكراد شرق الفرات. وتبقى تركيا في موقع متردّد بين تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة وتضررها من سياساتها، وبين تحالفها الجديد مع روسيا الذي أمّن لها موقع قدم عسكرية على الأرض السورية مباشرة!
وليس خافياً على المتتبع أن الضربة الأخيرة في منتصف الشهر الفائت ومن ثم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وأخيراً الهجوم الإسـرائيلي على مواقع إيرانية ومواقع حزب الله في سوريا (10/5/2018) مؤشرات مؤكدة على قيام هذا الحلف وانتقاله من حيّز الفكرة الى حيّز التطبيق العملياتي.
من جهة أخرى، من الواضح أن الولايات المتحدة تريد تعزيز نفوذها بأقل الخسائر الممكنة، لذا تلوّح بسحب قواتها وإحلال قوات سعودية وخليجية مكانها! بمعنى أنها تريد أن تجني الأرباح وتدفّع الدول الأخرى الخسائر! لكن الغالب أن ذلك لن يحقق لها أهدافها، «فلكي تصنع العجة لا بد من كسر البيض». لذا، لنوطّن النفس على أن الاحتلال الأميركي باقٍ الى أمد غير معلوم.

مائدة الذئاب
الحقيقة أن استعانة المعارضة المسلحة منذ نهاية 2011 بالخارج تمويلاً وتسليحاً، وإقدام النظام على السلوك المشين نفسه، أدى الى ما نحن عليه! فالسوريون اليوم ــ سلطة ومعارضة ــ لا يملكون شيئاً من رسم مصير بلادهم، فمصيرها تقرره الدول الكبرى وتسهم فيه دول الإقليم، وليس أمامهم أمام هذه الخريطة من توزع النفوذ إلا الإذعان لمخطط هذه الدول الكبرى أو تلك. هذا ما جنته سوريا من سياسات القمع والاستبداد والنهب والقهر والإذلال، على مدى أربعين عاماً؛ هذا ما جنته من التعاطي المنحط مع أهالي درعا (...). «ذلك الغيم أتى بهذا المطر»! فالحكام الذين يستمرئون قمع ونهب وإذلال مواطنيهم يأتيهم يوم يصبحون فيه نعالاً عند الدول الكبرى. والكارثة ليست هنا! الكارثة أنهم يجرّون معهم بلاداً بأكملها نحو الهلاك!

(افتتاحية «الآن»، الناطقة بلسان حزب العمل الشيوعي في سوريا)