يتابع المغاربة، وكذلك العالم، منذ عدة أسابيع، أطوار حملة المقاطعة الشعبية التي استهدفت شركات بعينها، انطلاقاً من العالم الافتراضي، وذلك احتجاجاً على الغلاء المعيشي، وأشياء أخرى. بدأت الفكرة بسيطة، لكن سرعان ما أصبحت شغل الناس وحديثهم. ليست هناك إحصائيات دقيقة لعدد المقاطعين، لكن شركات مستهدفة تحدثت عن خسارة ٥٠ في المئة من حجم مبيعاتها، أي نصف عدد المستهلكين. هكذا أضحى المستهلك معادلة صعبة يحسب لها المنتج ألف حساب: يستعمل حق الفيتو، فيقاطع. يصرح المستهلك في حالة كهذه للمنتج: «نقودي في جيبي، وبضاعتك عندك، وأنا مقاطع!». كيف نجبر المرء على الشراء!

انطلقت حملة المقاطعة الشعبية في بدايتها من غرف عمليات مجهولة المصدر، تعمل على شبكة فيسبوك ويوتيوب: نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، موقع كفاح وموقع جدل وغيرها... وتعمل هذه المواقع على شاكلة الإعلام الحربي: تنشر تقارير مختصرة، لا يمكن التحقق من صحتها، لكنها، معدة بشكل احترافي، وهو ما يشير إلى وقوف جهة ما خلف المسألة. تمكنت تلك التقارير، من الانتشار بسرعة البرق. واستهدفت أحد أكبر رجال الأعمال والسياسة في المغرب، وتناولت ثروته، وأشياء أخرى. من له مصلحة في استهداف الرجل؟ أيتعلق الأمر بتصفية حسابات سياسية؟ تشير أصابع الاتهام مباشرة إلى الكتائب. يُذكر أن مناوشات سياسية قد نشبت بين حزب الأحرار وحزب العدالة والتنمية خلال مشاورات تشكيل حكومة بن كيران الثانية. وقد نشر موقع كود وقتها (15/10/2016)، خبراً عن مصدر من قيادة العدالة والتنمية، يقول إن رئيس الحكومة المعيّن السيد عبد الإله بن كيران قد اتصل بأحد قياديي حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أبلغ بنكيران بغضب قيادة الحزب من استهدافهم من قبل كتائب تابعة للعدالة والتنمية». نتذكر أيضاً الحديث عن البلوكاج ومقاطعة حكومة بن كيران. لكن الخبر لا يذكر شيئاً عن طبيعة هذه الكتائب؟ ما طبيعتها، ومن كونها وجهزها سياسياً وإعلامياً؟ لا أحد يعرف. انتهت المناوشات، بعد تنحي بن كيران، وتشكيل حكومة المصباح في حلتها الجديدة. من له مصلحة في كشف الحساب! هل يكون طرف ثالث قد دخل على الخط؟ لا أحد يعرف.
في ظروف كهذه، اكتشف المغاربة سلاح المقاطعة وطوروه، وجربوه على أهداف واقعية. ألهم هذا الأسلوب الحضاري والسلمي الكثير من شعوب العالم: فقد أحجم أشقاؤنا المصريون عن استعمال مترو الأنفاق، مباشرة بعد الغارة البالستية التي استهدفت أسعار التذاكر. هكذا أصبح المواطن، بضربة زر يستطيع أن يسمع صوته دون حاجة للهتاف.
تبنى المغاربة أسلوب المقاطعة عنواناً للمرحلة لأنهم سئموا الوعود الكاذبة، ويئسوا من انتظار غودو. أعادت ثقافة المقاطعة للناس الثقة في أنفسهم، فبدأوا يدركون قيمة وحدتهم، وقدرتهم على صنع المعجزات، بعيداً عن الأحزاب السياسية، وخطاباتها الجوفاء. وهكذا صار لحملة المقاطعة في وقت قياسي جمهور عريض تبنى المقاطعة ونهجها. وبدأ، كتاب وفنانون، وسياسيون يحلمون بمحاربة الفساد، يلتحقون بصفوف المقاطعة... وانضم رئيس الحزب المغربي الليبرالي، الوزير محمد زيان، المعروف بمواقفه إلى كتلة المقاطعة.
هل تستطيع لعبة العالم الافتراضي أن تؤثر في المشهد السياسي؟ طبعاً لا، لا يصح إلا الصحيح. تتشكل الحكومة الحالية من أحزاب متعددة المرجعيات: نجد الليبرالي واليساري جنباً إلى جنب مع التقدمي والشيوعي واليميني والتاجر والإسلامي، في تناغم قلّ نظيره. لا يهمّ تباين المواقف، فالاختلاف رحمة. والواقع، فإن خطاب الأحزاب السياسية لم يعد منذ مدة طويلة يغري حتى منتسبيها: فحسب الأرقام التي تنشرها «OJD المغرب» فإن سقف مبيعات بعض الجرائد الحزبية لا يتعدى ١٠٠٢ نسخة يومياً، بينما مبيعات جريدة حزب آخر، لا تتعدى ٤٩٩٣ نسخة يومياً، وهكذا دواليك. حين يسألهم المواطن «لِمَ لا تَفُونَ بوعودكم؟»، يجيبون بكل صلافة: «نحن لا نملك عصا سحرية!». وإن احتجّ الإنسان أخرجوا عصيهم وضربوه، هو المخلّ بالقانون. لهذا لجأ الناس إلى العالم الافتراضي وهتفوا بصمت: لا للغلاء. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الدور الشعبي والسياسي لتلك الأحزاب قد انتهى.
في تلك الأثناء، حافظت الصحافة «الرسمية» على حيادها في موضوع المقاطعة الشعبية، وبقيت على مسافة كافية للأمان، طمعاً بأموال المعلنين. وحده موقع «اليوم ٢٤» ظلّ وفياًَ ومخلصاً للشعب. يذكر أن هذا الموقع هو أول من طرح للنقاش قضية زواج السلطة والمال.
أسهمت عوامل عديدة في انتشار فكرة المقاطعة: في تصريح لمسؤول بإحدى الشركات التي جرت مقاطعة منتجاتها، نعت الأخير المقاطعين بالخونة: فكان كمن يلقي الزيت على النار! وهو ما سبب خسائر للشركة. لن تتوقع ردّ فعل المغربي، إذا نَعَتّهُ بالخائن... يتصرف في حالة كهذه بجنون. وما هي إلا لحظات حتى طلع شعب الأسود وخرج للثأر: انتشر هاشتاغ «خليه يروب» ملحناً على شاكلة وصلات فكاهية، ونكات أيضاً! ترى من أين يستمد هذا الشعب قوته؟ كيف يعيش المغاربة؟ هل يعانون حقاً من الغلاء؟
وبينما كان مدير تلك الشركة يعتذر، خرج وزير من داخل مجلس الشعب (البرلمان المغربي)، ووصف المقاطعين، بالمَداوِيخ، وكأن تهمة الخيانة لا تكفي. أهاج تصريح الوزير، دون أن يقصد ذلك، فلول المقاطعين. ساعد التصريح، بنحو كبير، في ثورة المقاطعين. ففي وقت قياسي، تعاظم الحشد وازداد، وشرع المقاطعون تلقائياً في تنظيم صفوفهم. وكشف الستار عن أغلبية شعبية جديدة. انبثقت من رحم العالم الافتراضي. وبدأ الناس يعلنون بافتخار: «نعم، أنا مشارك، في حملة مقاطعون، ضد الغلاء...». وتمكنت الحركة تلقائياً من تنظيم نفسها ولو افتراضياً، ضمن حزب شعبي أطلق عليه اسم ساخر: «حزب المداويخ». ما سرّ الالتفاف الشعبي حول فكرة واحدة؟ لا أحد يجبرك على أن تقاطع... كما فعل أهلك، لا بد أن تفعل. يخضع الفرد هنا لسلطة الجماعة. هل تكون المقاطعة طريقاً للتحول؟ لا أحد يعرف.
وأخيراً صدر بيان رسمي للحكومة وجاء فيه: «(...) لدينا معطيات تكشف وتؤكد أننا كنا أمام ترويج معطيات أو مزاعم غير صحيحة. وتُبيّن حجم الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها الفلاحون في عموم البلاد... نعم، يتعلق الأمر بشركة واحدة، لكن إذا امتدّ، نحن إزاء ٤٦٠ ألف فلاح (...) سنكون إزاء تحدٍّ كبير على مستوى الاقتصاد الوطني (...) ومن شأن استمرار المقاطعة أو تعاظمها أن يعرضهم لخسائر جسيمة». وأكد في هذا الصدد «أن ترويج ادعاءات وأخبار زائفة وغير صحيحة مخالف للقانون، ولا علاقة له بحرية التعبير، سندرس مراجعة القانون الحالي، لأن القبول بترويج أخبار غير صحيحة تمسّ باقتصاد البلد وبسمعة البلد، لا يمكن أيّاً كان أن يقبل به (...) إننا نعتبر هذه المقاطعة خاصة بالنسبة إلى هذه المادة، أنها اعتمدت معطيات في أغلبها غير صحيحة». وتبيّن وتجلى أن الشركات التي استهدفتها المقاطعة لا تربح سوى هامش ضئيل، لا يتعدى أربعين سنتاً في الليتر، فضلاً عن تكلفة الإنتاج والنقل وعلاوات العمال، وهلمّ مصاريف. لا يجوز لنا إذن أن نقارن بين سعر الحليب في المغرب وسعره في البلدان الأخرى، لأن السعر يرتبط بعدة عوامل، منها الطبيعية والمناخية، والسقي وغيره... وجرى الحديث عن حملة حكومية هدفها التواصل وكشف الحقيقة، عبر شبكات التواصل.
لا أحد يستطيع التكهن بما ستؤول إليه حملة المقاطعة الشعبية. هل تُغلَق الحسابات المروجة للشائعات الكاذبة؟ هل يُقاضى فيسبوك ويوتيوب لدعمهما غير المقصود لحملة المقاطعة؟ هل تؤثر المقاطعة الشعبية سلباً في الاقتصاد الوطني؟ هل تظهر قوانين جديدة تنظم قواعد التظاهر الافتراضي؟ هل تذهب الحكومة إلى مساعدة الشركات ودعمها بشكل أو بآخر؟ هل يرى النور قانون خاص بالأحزاب الافتراضية؟ ما سرّ تذمّر الحكومة من المقاطعة الشعبية؟ هل المقاطعة الشعبية جريمة؟ وأخيراً: هل يقبل المقاطعون بإلقاء سلاح المقاطعة؟
هل تسفر الحملة عن ظهور تكتل شعبي جديد؟ ما سبب التفاف الناس حول فكرة واحدة، أَلَّفَت بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بهذا الشكل؟ ما الذي جمع بينهم؟ أن يستعيد الفرد ثقته بنفسه وثقته بالآخرين، هو في حد ذاته انجاز نوعي. يشير النقاش الشعبي الدائر الآن، رغم طابعه الطوباوي والحالم، إلى ضرورة حزب الشعب: حزب يراقبه الشعب، ويتحمل مسؤوليته الشعب، وينتخبه الشعب، حزب شفاف لا وقت له للحملات الانتخابية، حزب يهرع الشعب للانضمام إليه لأنه حزبهم، يعمل من أجلهم، منهم وإليهم، حزب يملك عصا سحرية، ويصنع المعجزات... تلك أضغاث أحلام ليس إلا.
هل تتواصل الحكومة مع المغرر بهم داخل لعبة «العالم الافتراضي»؟ هل تنجح في إنهاء المقاطعة؟ هل تدخل في حوار مع الأغلبية الشعبية الجديدة، التي اختارت خيار المقاطعة؟ هل تصدر قوانين افتراضية، تنظم حق التظاهر، داخل العالم الافتراضي؟ هل يصدر قانون ينظم الأحزاب الافتراضية؟ هل تؤثر المقاطعة الشعبية إذا استمرت على الاستثمار في المغرب؟
تستدعي الأعمال حسابات دقيقة، بينما السياسة تستدعي القفز على الحبال. هل تشهد الأشهر القادمة بداية تحول في المشهد السياسي المغربي؟ هل يترك رجل الأعمال السياسة ومشاكلها، كما فعل رجال أعمال أغوتهم لعبة السياسة فخرجوا منها بخفي حُنين. السياسة والأعمال خطان متوازيان لا يلتقيان، وإذا التقيا انفجر العداد. هل تستمر السياسة في إغواء العباد؟
* كاتب ومترجم مغربي