تخبرنا نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق الكثير عن الوضع الذي تعيشه البلاد حالياً، والاتجاهات المرجّحة التي ستسلكها في الفترة المقبلة.

أولاً، تُظهر النتائج تراجعاً ملحوظاً في قبول ورضى العراقيين عن الشخصيات النافذة في السلطة، ففي عام 2010، قام نوري المالكي وإياد علاوي بحملتيهما الانتخابيتين، زاعمين أنهما الوحيدان القادران على إعادة النظام والأمن في البلاد. وبدا حينها أن أعداداً كبيرة من الناخبين مقتنعون بذلك، حيث منحوا 622,000 و407,000 صوت لكل منهما على التوالي. وفي عام 2014، حصل نوري المالكي على 721,000 وإياد علّاوي على 229,000 صوت.
ولكن النتائج الأولية لانتخابات 2018 تظهر عدم تمكّن أي مرشح من تخطّي عتبة 100,000 صوت بمن فيهم مرشحون تزعموا قوائم قد حصدت ثمار الانتصار على تنظيم «الدولة الإسلامية». وكان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي أكثر المتأثرين بهذا التطور، فقد خسر قرابة 85% من مؤيديه.
ساهمت عوامل عدة في هذا التطور الجديد، منها العدد الهائل من المرشحين البارزين والمنافسة الشديدة ما بينهم، وعزوف وملل الكثير من العراقيين من السياسيين الذين يطلبون دعماً جماهيرياً، ولا سيما ذوي الأداء الضعيف في مناصبهم.
من مساوئ هذا التطور أن البرلمان المقبل سيضم عشرات الأحزاب الصغيرة، وكثير منها سيحصل على أقل من خمسة مقاعد في البرلمان، ما يعني أن تشكيل معارضة برلمانية متماسكة سيكون أمراً أقرب إلى المستحيل.
ثانياً، تؤكد النتائج أن الكثير من العراقيين يرتاحون في التصويت لبرامج غير طائفية أو تحالفات يقودها مرشحون من مجموعات اثنية وطائفية مختلفة عنهم. فقد ترأس رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، وهو عضو في حزب الدعوة الإسلامية، تحالفاً انتخابياً متنوعاً ضم مرشحين من طوائف عديدة، وبينهم كثر انبثقوا من مكوّنه بالذات. وفاز تحالفه بأكبر عدد من المقاعد في محافظة نينوى مع أنها ذات أغلبية سنية. أما في باقي البلاد، فيبدو أن الناخبين في محافظة النجف (إحدى أهم المدن الإسلامية في العالم) قد اختاروا عضواً من الحزب الشيوعي لدخول البرلمان المقبل.
ثالثاً، تظهر النتائج مرة أخرى محدودية الدعم الشعبي لإيران في العراق. فهناك تحالفان انتخابيان فقط (تحالف الفتح وائتلاف دولة القانون) يحظيان بدعم إيراني معتبر. وقد حصلا معاً على 70 مقعداً (أي قرابة 20 في المئة من البرلمان المقبل). ولكن حتى هذا التفسير يعتبر تبسيطاً واضحاً، لأن أياً من التحالفين لم يقم بحملة انتخابية تؤيد إيران صراحة، بل ركزا معظم خطابهما على ضرورة الإصلاح. وكانت معظم التحالفات الأخرى إما معادية لإيران أو غير مبالية لمصالحها.
رابعاً، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات نسبة 44 في المئة فقط من العدد الإجمالي لمن يحق لهم الانتخاب، وهذا دليل واضح على فقدان ثقة العراقيين بالانتخابات، وبنظام الحكم وقد حصل هذا التغيير بسرعة هائلة. فكثير من المواطنين العراقيين يعتقدون أن الانتخابات ليست غايةً في حدّ ذاتها، وإنما هي مجرد وسيلة لتحسين الحكم والاستقرار ومستوى المعيشة.
ورغم استمرار معاناة عموم السكان من فشل الخدمات، فإن المرشحين الرئيسيين في انتخابات عام 2018 قد انبثقوا من المجموعة نفسها التي قادت البلد طوال السنوات الخمس عشرة الماضية. وبالتالي، لا عجب أن المشاركة كانت فاترة إلى هذا الحدّ. بيد أن المشكلة في المقاطعة هي أنها لا تشكّل بحد ذاتها حافزاً كافياً يدفع الطبقة السياسية في العراق لتحسين أدائها. فبغياب آلية حقيقية للمساءلة وإصلاح للعملية السياسية، تشير جميع الأدلة المتوفرة إلى أن النخب السياسية ستستمر دون أن تكترث بالمقاطعة.

الخطوة التالية
سوف تبدأ عملية طويلة ومؤلمة لتشكيل الحكومة المقبلة بعد تأكيد نتائج الانتخابات. القواعد التي ستحكم هذه العملية محددة في دستور عام 2005، وفي قرار المحكمة الدستورية الصادر في عام 2010. فالمادة 76 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكلف «مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة. ولكن الدستور لم يحدد المقصود بمصطلح «الكتلة الأكثر عدداً»: هل هي أكبر كتلة انتخابية أم أكبر كتلة برلمانية؟ ففي عام 2010، أصدرت المحكمة الدستورية حكماً أثار جدلاً واسعاً بأن التفسير الثاني هو الصحيح.
ونتيجة ذلك أن التحالفات الانتخابية تستطيع الاتحاد لتشكيل كتل برلمانية أكبر مباشرة بعد المصادقة على النتائج لكي تتمكن من تشكيل الحكومة. إن صعوبة هذا النظام تكمن في أنه يفتح الباب أمام عدد غير محدود من الاحتمالات، فالأجزاء المكوِّنة لكل الائتلافات قد تنقسم وتتّحد مع مكونات ائتلافات أخرى. ولا توجد عقوبات أو ضوابط تترتب على تغيير المواقف أو على التباين الجوهري. في الدورات السابقة، طالت مفاوضات تشكيل الحكومة لمدة أشهر بسبب قيام السياسيين بمقايضة المناصب، متجاهلين تماماً الأولويات في السياسات العامة والوعود التي أطلقوها أثناء الحملات.
إحدى المشكلات الرئيسية التي ينبغي على عملية تشكيل الحكومة حلها هي تحديد نوع الحكومة التي يجب تشكيلها أهي حكومة وحدة وطنية أو حكومة أغلبية برلمانية. وكما توضح آنفاً، سيضم البرلمان المقبل الكثير من الأحزاب الصغيرة، ما يجعل تمثيلها جميعاً في الحكومة أمراً مستحيلاً. لذلك، يكون السؤال الحقيقي: هل من الممكن أو المقبول تشكيل حكومة تضم فقط بعض من التحالفات الرئيسية؟ وهل تستطيع بقية التحالفات الانضمام إلى المعارضة؟
من الصعب تخيّل أي من التحالفات الرئيسية وهي تقبل طوعاً استبعادها من الحكومة. في الواقع، تجد أحزاب المعارضة صعوبات جمة في جذب الانتباه إليها، وتجد نفسها غالباً وقد أقصيت عن العملية السياسية تماماً من دورة إلى أخرى. أما في المقابل، فثمة فوائد وفيرة تترتب من الحصول على حقيبة وزارية، منها الحصول على منبر سياسي وأموال طائلة.
ويعتقد الكثير من المحللين، صواباً أو خطأ، أن استبعاد ائتلاف رئيسي استبعاداً كاملاً من الحكومة يزعزع الاستقرار وربما يؤدّي إلى العنف. وبالتالي، قد تكون النتيجة حكومة تجمع كل الفائزين الرئيسيين في الانتخابات ولكنها ستبقى غير فعالة حالها حال الحكومات التي سبقتها. وستكون النتيجة أسوأ بكثير لأن جميع الفائزين الرئيسيين ليسوا أحزاباً، بل ائتلافات مشكّلة من أحزاب وحركات وحتى أفراد، قليلة هي المصالح والأولويات المشتركة بينها. بعبارة أخرى، ستتألف الحكومة المقبلة من ائتلاف مكون من عدة ائتلافات، ما يجعل الاتفاق على برنامج متماسك أمراً مستحيلاً.
هل تستطيع حكومة مسخ كهذه القيام بالتحسينات التي يتوق إليها العراق والتي هو بأمسّ الحاجة إليها؟
* كاتب عراقي