كان لينين واعياً، قبل وبعد انشقاق البلاشفة والمناشفة في مؤتمر «حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي» المنعقد في آب 1903، في أن الهدف هو الوصول إلى أهداف ثورة 1789 الفرنسية، أي ثورة وطنية ــ ديموقراطية، التي هي بورجوازية سياسياً ــ حقوقياً، ورأسمالية في العلاقات الاقتصادية، وذلك كمدخل للسير نحو الاشتراكية؛ كان خلافه مع المناشفة ليس حول الهدف، وإنما حول حامل وقائد هذه الثورة، التي رأى لينين أن البرجوازية الروسية، بخلاف الفرنسية، عاجزة عن القيام بهذه الثورة بحكم تبعيتها للحكم القيصري المستند إلى بنية اجتماعية ما قبل رأسمالية، وبحكم تبعيتها أيضاً للبرجوازيتين الإنكليزية والفرنسية الحليفتين للقيصر الروسي.

لذلك دعا لينين إلى «ديكتاتورية العمال والفلاحين الديموقراطية» كأداة لتحقيق ثورة روسية على طراز ثورة 1789 البرجوازية الفرنسية بقيادة حزب الطبقة العاملة الذي يقود تحالفاً عريضاً من الفلاحين وكل الفئات الراغبة في التغيير، من أجل الإصلاح الزراعي وضرب وإنهاء العلاقات الما قبل رأسمالية وكل تمظهراتها الاجتماعية والقانونية والتشريعية، من أجل إنشاء مجتمع حديث عصري يدخل روسيا في الحضارة والتمدن و«المجتمع المدني».
عندما بلور لينين هذه النظرة، أساساً عبر كتاب «خطتا الاشتراكية الديموقراطية في الثورة الديمقراطية» عام 1905، كان هناك شخص قابع في السجن إثر فشل ثورة 1905 اسمه ليون تروتسكي يكتب من هناك كراساً (صدر عام 1906) تحت عنوان «نتائج وتوقعات»، قدم فيه رؤية مضادة للبلاشفة والمناشفة تقول إنه لا يمكن الفصل بين مهام الثورتين الديموقراطية والاشتراكية، وإن هاتين الثورتين متداخلتان ومتشابكتان في سلسلة تربطهما، في لحمة تنفيذية قيادة حزب الطبقة العاملة لهما، عبر ثورة واحدة اسمها «الثورة الدائمة».
لهذا عندما قدم لينين تصوراته، بعد ثورة شباط 1917، في «موضوعات نيسان» (1917) التي يتخلى فيها عن منظورات كتاب 1905، اتهمه بعض مندوبي مؤتمر الحزب البلشفي المقدمة «الموضوعات» أمامه، بـ«التروتسكية»، لما دعا إلى تداخل الثورتين الديموقراطية والاشتراكية في ثورة واحدة وعبر قيادة واحدة، وهو ما مارسه مع تروتسكي (المنضم في تموز 1917 إلى الحزب البلشفي) بعد ستة أشهر في ثورة تشرين الأول 1917، مع أن من الضروري هنا القول إن نظرية لينين حول «الإمبريالية»، المقدمة في كتاب 1916، هي الأساس في تصورات «موضوعات نيسان» وذلك لما أتاحت نظرية «تفاوت النمو» الانطلاق إلى نظرية «الحلقة الأضعف في سلسلة الإمبرياليات»، والوصول إلى نظرية «إمكان قيام ثورة اشتراكية في بلد واحد ومتخلف»، لو تم استغلال مسألتي الأرض والسلم في زمن الحرب العالمية الأولى، ولكن من دون أن يكون الانطلاق الأولي سوى نحو مهام برجوازية محضة تحت قيادة حزب الطبقة العاملة إثر استيلائه على السلطة، كي لا تكون ثورته «اشتراكية» في المهام في لحظة الانطلاق الأولي، وإنما من حيث التوجه العام والهدف والأيديولوجيا.
لم يكن أنطونيو غرامشي مخطئاً عندما قال إن «ثورة أكتوبر» هي «ثورة ضد كتاب رأس المال» («الأمير الحديث»، دار الطليعة، بيروت 1970، ص 143)، وقد كانت سياسة «النيب» في عام 1921 تعبيراً عن وعي «ما» لذلك عند البلاشفة، إذ كان لينين صريحاً في أنها تعني «رأسمالية الدولة»، ثم كي يكون هناك تنظير اقتصادي واضح حيال هذا عند المفكر الاقتصادي البلشفي الأبرز، وهو يفغيني بريوبراجنسكي في كتابه «الاقتصاد الجديد» عام 1926، لما كتب الكلمات التالية التي يعي فيها صاحبها بأن الدولة السوفياتية ستمرّ بمرحلة «التراكم الأولي» التي سيرسم فيها مساراً إجبارياً أمام هذه الدولة تضطهد عبره الفلاحين والحرفيين وأصحاب الإنتاج البضاعي الصغير.
إذ قال: «لسنا ندري مبلغ الدمار الذي سوف يصيب بلداناً أخرى تنتصر فيها ديكتاتورية البروليتاريا على إثر الحرب الأهلية، لكن بلداً مثل الاتحاد السوفياتي، باقتصاده المدمّر والمتأخر بشكل عام، يجب أن يمر بمرحلة تراكم أولي يستحوذ فيها بحريّة على الموارد التي توفرها الأشكال الاقتصادية العائدة إلى ما قبل الاشتراكية... وعلى كل حال فتلك هي المسألة التي تواجه الاتحاد السوفياتي اليوم» (يوجد نص طويل من كتاب بريوبراجنسكي ضمن مجموعة «مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية»، دار الطليعة، بيروت1971، ص. 33 ــ 103، ص43).
كان بريوبراجنسكي وقت صدور هذا الكتاب في صف تروتسكي الداعي إلى التشدد اليساري ضد الفلاحين، فيما كان بوخارين على اليمين، وبينهما ستالين في الوسط، قبل أن ينتقل الأخير مع «التجميع الزراعي» (الكلخزة) في آذار 1929 إلى تطبيق ما دعا له بريوبراجنسكي وتروتسكي، ولكن بعد إبعاد خصومه في الحزب على اليمين واليسار. هنا، لا يمكن تفسير ديكتاتورية ستالين دون انهيار تحالف العمال والفلاحين خلال عقد العشرينيات، ودون الدمار الذي حاق قبل ذلك بالطبقة العاملة الروسية التي فنيت عملياً بحكم خراب الصناعة الذي أتى نتيجة الحرب العالمية الأولى ثم عبر ثلاث سنوات من الحرب الأهلية (1917 ــ 1920).
عملياً، قاد اضمحلال قوة الطبقة العاملة إلى جعل الفلاحين القوة الاقتصادية الأبرز في المجتمع السوفياتي، لهذا كانت «مسألة الفلاحين» هي القضية الأبرز أمام البلاشفة في عقد العشرينيات، الذين أصبحوا عملياً، مع خراب الصناعة وفناء الطبقة العاملة، قوة سياسية فوقية غير مستندة إلى قاعدة اجتماعية تحتية. لذلك كان اللجوء إلى العنف والديكتاتورية حلاً منع فقدان البلاشفة للسلطة، وهو ما تم عبر «الكلخزة» لتحجيم الفلاحين اقتصادياً وإجبارهم على التحول (بعشرات الملايين منهم الذين نقلوا إلى المدن من أجل تحويلهم إلى عمال صناعيين) إلى وقود بشري لثورة صناعية قادها ستالين خلال الثلاثينيات، في طريق مختصر ولكن عنيف وشبيه بما حصل للطريق الغربي نحو الرأسمالية عبر الحكم المَلكي المطلق (هنري الثامن في انكلترا الذي فصل كنيسة إنكلترا عن روما وأمّم ممتلكات الكنيسة والأديرة عام 1534، ثم لويس الرابع عشر في فرنسا في الربع الأخير من القرن السابع عشر)، ثم عبر الديكتاتورية الفردية (كرومويل في إنكلترا 1653 ــ 1658، ثم نابليون بونابرت 1799 ــ 1815 في فرنسا).
عام 1918 كتب لينين: «إن رأسمالية الدولة خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى الواقع الراهن في جمهوريتنا السوفييتية» («المختارات»، المجلد 3، الجزء 2، دار التقدم، موسكو 1971، ص 228). لم يستطع الاتحاد السوفياتي منذ «ثورة أكتوبر1917» حتى الانهيار والتفكك في 1991 تجاوز حالة «رأسمالية الدولة» إلى الاشتراكية، وإنما كان «اقتصاد السوق» هو لاحقها ومرحلتها اللاحقة ونتيجتها، وقد بيّنت تجربة 1917 ــ 1991 السوفياتية أن الشيوعيين قد استطاعوا عبر إقامة نموذج فعّال من «رأسمالية الدولة»، مع أشكال معينة من «التشريك الاجتماعي»، تحقيق ممهدات وأسس الثورة البرجوازية بمعانيها التكنولوجية ــ الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ الثقافية، بكفاءة عالية فاقت البرجوازيات الغربية التي تطلب منها ذلك زمناً أطول وكانت متمتعة بظروف أكثر راحة. وقد كان ما حصل في زمن «البيريسترويكا» (نيسان 1985 ــ آب 1991) تعبيراً عن وجود توازنات اجتماعية سوفياتية، في ظل اختلال التوازن الدولي لمصلحة الغرب، أصبحت تميل أكثر باتجاه «اقتصاد السوق» ومتطلباته السياسية والأيديولوجية.
* كاتب سوري