تقديم

لم تختلف كثيراً بين منطقة وأخرى إيحاءات شعارات كبار المرشحين المرفقة بصورهم المُوحية بوعود أو بالمطالبة بوفاء مواليهم المفترضين في محمياتهم السياسية بالولاءات خلال حملاتهم لانتخابات 2018. فأغلبهم اضطر، على الرغم من ممارسته الزعامة الضاربة خلال عقود زبائنية توارثها في الحكم عن ولي أمر عائلي أو ولي أمر سياسي ـــ إقليمي. ومع ذلك، ظل الزعماء يتوجّسون ويقلقون من هواجس فلتان بعض الناخبين «الشطار» من يد مفاتيحهم في نظام انتخابي يُسهّل لهم، بفعل ما لحظه أوصياء التشريع البرلماني في الديموقراطية التوافقية من «تزيين لظلمهم في قانون الانتخاب لعام 2018» من خلال إعطاء الناخب أو الناخبة فرصة لصوت تفضيلي، ولو من داخل اللائحة المُفضلة حصراً، من الخروج على وعود مفاتيحهم بما يُؤدي الى خرق لمحميات زعامتهم. آه، متى يسمح المستضعف المُهان لنفسه ولعائلته بـ«بتذوّق طعم الكرامة» فيكبُر وتكبر معه، لمجرد أنه تجرأ على أن يُخالف، ولو سرّاً، وراء العازل في قلم الانتخابات، تصويتاً فُرض عليه من مفاتيح أقربين أو أبعدين تصويتاً «يستحقره؟» طوال أربع سنوات متجددة أحياناً كثيرة بالظلم والعدوان.
آه، لو يُدرك الشريف المعوز أنه في هذه الساعة وحدها يشغُل بال تُجار الذل والفساد ويُعطي المقاومة شرفاً تستحقه في فضح ديموقراطية الفساد وتحدّيها.
من المألوف في مجتمعنا اللبناني، كما في كل المجتمعات، وجود اختلاف في إيحاءات الكلام والمشاعر الكامنة في مفاهيم ولهجات التخاطب بين جماعات المناطق، ولا سيما الريفية منها، حيث تُغلّب الولاءات القرابية في العائلات الممتدة خاصة. هذه الولاءات التي تعمل الزعامات على تشبيكها في منطقتها الانتخابية بفعل تبسُّطها في مُداهنة بسطاء الناس أو، إذا اقتضى الأمر، إرهاف تحسس المرشحين «المهضومين بتواضعهم» مع المراهقين وأخذ الصور «السلفي» معهم، فيضمنون بذلك «تعلُّق» بُسطاء محميتهم بزعامتهم وافتداءها بالروح والدم مكايدة لـ«شُطار» في حزب طائفي آخر في زُقاق آخر مقابل. وتتردد في الكثير من الشعارات على امتداد الطرق، وفي غياب أي اهتمام بالكلام المكتوب تكثر تعهدات وعود المرشحين الى جانب مطالبتهم ناخبي محميتهم بـ«الوفاء» الذي سبق وحصّلوه أو ينتظرون وعوداً لتحصيله، تقابلها تأييدات يعلقها المفاتيح وتدور حول بذل للتأييد بالدم والقلب والروح.
وتُغرق الماكنات الانتخابية جدران الطرق في منطقة ثالثة بشعار «المصالحة» الملتبس المقاصد. فهو شعار يمكن أن يُفهم على أنه تكريم لها، كما يمكن أن يُفهم على أنه يُضمر وعيداً داخل نخبة سياسية في طائفة أقلوية لأنه يُذكّرها بحدث سياسي سبق وآلمها مطلوب ألّا تنساه وأن تعمل على ضمان عدم انجراف عوامها واقتصار تصويتها على مرشحين من طائفتها معارضين لزعامة المنطقة من طائفة أخرى. وجدير بالذكر أن الإطباق على أصوات عوام الدائرة لدى أي زعيم طائفي مرشح على رأس كتلة، لا يقتصر هدفه في الانتخابات البرلمانية على شرعنة تحاصصه السلطة والثروة وحسب، بل يحرص على رفع أرصدته التمثيلية في الدول الإقليمية أو الغربية التي ارتهن لها لتمدّه سياسياً و/ أو مالياً في منافساته لتجديد زعامته مع كامل مرشحي كتلته. وفي هذا السياق، برز خلال الحرب الداخلية الخارجية تزايد خروج النخب السياسية للطوائف عن حدود الولاء دولة الاستقلال لترتبط سياسياً بزعامات طوائف حاكمة في دول أُخرى تتعهد إمدادها، فتستثمر بالمقابل الأهمية الاستراتيجية لموقع الدولة اللبنانية وتعدديتها.
هكذا تعددت ارتهانات زعامات الطوائف التي تسلمت دولة الاستقلال وتعددت في ظلالها ارتهانات وسائل الإعلام المروجة لصيغة الديموقراطية البرلمانية «التوافقية» وللخطاب الطائفي الذي سبق وروّجت لمفاهيمه في الخطاب السياسي للموالاة، كما للمعارضة، وتحكمت في تحريك اختلافات عوامها التي تزيد في إفقارها فتزداد عوزاً لإغاثتها ولخدماتها الحياتية.

ساهم التفريق المتراكم في تحوّل ثلثَي الطلاب إلى المدارس الخاصة المُطيّفة


وفي مثل هذا السياق، ترسّخ في الإعلام والخطاب السياسي عن الأوضاع اللبنانية منذ أكثر من قرن فهماً أيديولوجياً مؤولاً لها في بداهات، كان أبرزها:
بداهة مفهوم الطائفة الذي كان يعني، قبل القرن التاسع عشر، اجتهاداً في الدين، وفي ظل العثمانيين والتدخلات الأوروبية لحماية الطوائف التي تساندها لشرعنة تدخلاتها، أصبح مفهوم الطائفة يعني عصبية مذهبية سياسية. وقد لحق بهذا الاختزال السياسي للمفهوم توافق ميثاقي توزع بموجبه زعماء المذاهب صبيحة الاستقلال مناصب رئاسات كل من الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب. وأصبح التوزع المذهبي لهذه الرئاسات مضموناً بفعل الإقرار الميثاقي بالتحاصص الذي تشرعن بموجبه تدخل الكيانات الطائفية الإقليمية في ترسيخه ورعايته. وأتاح لرعاة كل طائفة أن يكون لمؤسساتها المذهبية المركزية قوانينها الخاصة المتعلقة بالأحوال الشخصية، ولمدارسها الحق في إضافة مواد خاصة بديانتها إلى البرامج التي تقررها الحكومات في التعليم والتربية. وهذا ما شرعن لها ممارسة طقوسها فترسخت غربة الطلاب بعضهم عن بعض. غربة تسهل معها تنمية الارتياب والاستعداء وتزيد في خطورة استغراباتهم المتبادلة كونهم لا يتعرفون في مدارسهم المذهبية ولا حتى في المدارس الحكومية، المُطيّفة الإدارات والتعيينات، إلى عروض موضوعية عن المذاهب المختلفة لأهاليهم وعن المبررات الموضوعية التاريخية لتعايشها. وساهم التفريق المتراكم بعد مرور أقل من نصف قرن على الاستقلال إلى تحول ثلثي الطلاب في لبنان إلى المدارس الخاصة المُطيّفة إجمالاً وإلى المدارس الخاصة المعتمدة لبرامج الحكومات الأجنبية، ومنها الفرنسية التي تساهم حكوماتها في تغطية نسب من أقساط الطلاب الوافدين إليها للحصول على شهادات تضمن دخولهم إلى جامعات أجنبية تمهّد لهجرتهم إذا لم يتوفر لهم الوصول إلى وظائف قلّما تتوفر من دون تدخل المقررين في الحكم.
يُضاف إلى ذلك تواطؤ الحكومات اللبنانية في تهميش مدرسة الدولة عن طريق إسهامها في تغطية نسبة من أقساط أبناء موظفيها. وهذا ما جعل المدرسة الحكومية تُهمّش وتبتعد عن أهدافها العلمانية المقتبسة عن الانتداب الفرنسي في بناء الجمهورية الذي كان انتداباً اشتراكياً علمانياً في فرنسا الثلاثينيات من القرن الماضي ومورس في لبنان انتداباً استعمارياً على طوائفه.
وقد أدت هذه التشريعات المسهلة لتوسع التعليم الخاص، والديني منه خاصة، حتى بات يقوم على تربية ثلثي طلاب لبنان تُساهم الحكومة بدفع الأقساط المدرسية لحوالى ربع المسجلين فيها من أبناء موظفي الإدارة العامة.
ومن البداهات المفاهيمية المركزية الغالبة والمُروّجة في الإعلام والخطاب السياسي عن لبنان حول صيانة توحُّد الطوائف وتعايُشها في الدولة المتحاصصة بين زعاماتها وبين البعض من مرجعياتها الطائفية «المباركة» في الداخل كما في الخارج، فهي لم تكن في أعماق الواقع إلّا صيانة كانت تتجدد غالباً في المناطق اللبنانية المختلطة قبل زمن حكومات الاستعمار والانتداب والاستقلال، بفعل الضرورة الموضوعية للتخالط في قرى الأرياف، كما في أسواق المدن منذ مئات السنين قبل أن تجيء تلك الحكومات لتحمله مضموناً يُشير الى مجرد تجاور حذر واندماج تحكمه العلاقات الظرفية للأنظمة الإقليمية الحاضنة لزعامات طوائفه.
بداهة مفهوم الديموقراطية التوافقية، وهي في الواقع اللبناني بداهة مفهوم الديموقراطية الطوائفية القائم على توازن التحاصص الطوائفي للسلطات في الإدارة الحكومية توازناً تُشرعنه تعاهدات ميثاقية رعتها حكومة الانتداب الفرنسي على حساب الطابع المدني لروح الدستور المستوحى من الدستور الفرنسي العلماني. وتراكمت قدرات الزعامات على تزييف هذه الروح: فيُلاحظ أن مثل هذه الديموقراطية تتيح فرصاً أكبر لمركزة السلطة الزبائنية داخل الطائفة. هذه السلطة التي يُوفر لها النهج الزبائني الكثير من ولاءات النفعيين المتعهدين، وترهيب الناخبين أمام أقلام الاقتراع. وهذا ما حرص عليه أكبر أقدم رؤساء البرلمان عندما أصر على رفض مبدأ التصويت في مراكز السكن والإبقاء عليه في مراكز القيد وذلك تمكيناً للمفاتيح من المحاصرة الأهلية للناخب أمام قلم الانتخاب في قريته التي هجرها أو نزح عنها، فبات يتمثّل حيث لا يعيش ويعيش حيث لا يتمثّل.

بداهة التوحد والتفرد في بداوة تحديث الدولة
في ظل تزايد عجز الدولة عن حماية مستويات سيادتها في السياسة وفي الاقتصاد والأسواق، أدت الآثار التفاعلية Effets multiplicateurs إلى تنافر زعامات الطوائف المتعارضي الولاءات الإقليمية والدولية إلى استقرارات مترجرجة في الدولة، وترسخت في الثقافة السياسية وفي الإعلام اليومي ترصدات اضطرابات التحالفات الخارجية على الإدارة السياسية. وعلى هذه الترصدات اليومية والضرورية، يستند السياسيون والإعلاميون في إدارة التوافق والتنازع بين القوى السياسية في لبنان. ويميل المحللون غالباً إلى ربط استقرار الوضع السياسي بتوازن المصالح والعلاقات بين تلك القوى الخارجية. وينقسم اللبنانيون عبر وسائل إعلامهم حول «بداهة» حضور الشركاء الخارجيين وتأثيرهم في أمن الدولة وسيادتها، ويصبح الوضع في لبنان وتركيب الحكومات فيه رهين الدول «المُفضلة» دائماً بتمويل العجوزات الناجمة عن فساد زبائنية الحاكمين باسم الطوائف أو تلك الناجمة عن تدميرات تقوم بها إسرائيل لتتعهد دول الخليج بالتعويض عنها، ويبقى الوضع في لبنان رهين الدولة الفرنسية التي لا تضحي بالتخلي عن المزايا الجيوسياسية لموقع التعددية اللبنانية ولا عن الاحتضان الثقافي الذي بدأته في الأوساط المسيحية، وانتهى ليشمل أغلب زعامات المسلمين.

بداهة الولاءات الإقليمية في التعددية التوافقية
يبرز الحضور الخليجي السياسي في بداهة تزكية الترشيحات إلى جانب الزعامة السنية الأولى التي تدعم الولاء لها في شوارع العاصمة في مواجهة الحضور الشمولي للنظام الإيراني. ويظهر هذا الولاء للحضور الخليجي محدوداً في بعض من الحارات، بالمقارنة مع الحضور الإيراني المتقدس ببطولات المقاومة وصور الشهداء والأعلام التي تتولى تعليقها منظمات حزبية، تُضاف إليها تعليقات تجار متنفعين يُوالون الزعامة الأوسع تمثيلاً في الأوساط الشيعية. ويذهب مسؤولو التنظيمات الحزبية وتجار الولاءات في الإكثار اللافت في المواسم الانتخابية من صور زعيم الكتلة في المواقع والمفارق الرئيسة دون سواه ممن لم يكلّ عن ترشيحهم في كتلته، على اعتبار أنه هو الذي جاء ويجيء بـ«كفاءاتهم» إلى البرلمان وهم يرون ما يرى.
* أستاذ جامعي