مع نشوء الدولة القومية وانتشارها في العالم، أصبح لكل دولة مجتمع موحد بفعل القانون، وبفعل ترسيخ مفهوم المواطنة والمساواة. إلا أن بعض الاختلافات الاثنية العميقة ظهرت في بعض دول أوروبا القومية كبلجيكا وسويسرا مثلاً، ما استدعى تقديم نظريات حول «مجتمعات» مختلفة في إطار دولة واحدة. ومنذ تصدي ارند ليبارت (1) لهذه الإشكالية الأوروبية في سبعينيات القرن الماضي، حاول الأكاديميون عندنا اقتباس ما قاله ليبارت وتطبيقه على المثال اللبناني، ومن ثم التوسع في الحديث حول المجتمع «المتعدد» في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي (2003)، وسورية ما بعد الحرب الكونية عبر إرهاب معولم (2011).

بالطبع يعمل الكيان الصهيوني على ترسيخ فكرة «تعددية المجتمع المشرقي» من أجل اندثاره وعدم إقامة دولة قومية/ وطنية هي بمثابة قبلة الموت لـ«إسرائيل»، وتبنّت التيارات اليمينية نظرية «الخصوصيات المجتمعية» لتخلص إلى حتمية الكانتونات الطائفية، وكانت البداية في لبنان، لأن هذا الكيان الذي تم اختراعه عام 1920 قابل لتأويلات من هذا النوع، ومن ثَم، تمّ إسقاط هذه النظريات التفتيتية على العراق وسورية.
لكن الواقع يخالف نظرية «الخصوصية اللبنانية»، فليس في العالم اليوم دولة واحدة تستطيع أن تقول إنها قائمة على اثنية خالصة أو دين واحد. كل الدول خليط من الأديان والاثنيات، والولايات المتحدة الأميركية هي من أكثر الدول، إن لم تكن الأكثر اختلاطاً للأديان والمذاهب والأعراق بنسب تفوق كثيراً النموذج اللبناني، ومع ذلك هي مثال الدولة القومية/ الوطنية. «الخصوصية» إذن ليست في الاختلاف الديني أو الإثني، بل في هيكلة النظام الطائفي اللاوطني.
هذا يقودنا إلى موقف بعض الكتاب الذين يدافعون عن هذا النظام ويصفونه بأنه نموذج «الديمقراطية التوافقية»، بينما أجد هيكلية الدولة اللبنانية عنصرية ولا ديمقراطية، فهي تفرق بين المواطنين بناء على دينهم، لا بل تضع أدياناً في تراتبية أعلى من أديان أخرى!
الديمقراطية تعني حرفياً، حكم الشعب لا حكم الطوائف، وتعني أن الشعب هو مصدر السلطات بمعزل عن دينه أو عرقه أو جندره، وله حرية القرار في اختيار مصيره. ما نجده في الديمقراطية على الطريقة اللبنانية، إلغاء لمواطنية الفرد ذلك أن شرط الانتماء الديني يسبق الهوية الوطنية، فلا يحق للبناني/اللبنانية أن يدلي بصوته في الانتخابات النيابية، وأن يختار من يشاء إلا إذا كان مسلماً أو مسيحياً. بعبارة أخرى إذا قرر المواطن أن يتحول إلى الدين البوذي أو الهندوسي، أو أن يفصل بين الدين والدولة، أو أن يكون ملحداً: في كل هذه الحالات، لا يعتبر مواطناً/مواطنة لبنانياً، ما يؤدي إلى أقسى حالات القمع والإقصاء وتجريد الشخص من هويته الوطنية، فأي ديمقراطية هذه؟
إذا قارنا وضعنا في لبنان مع وضع إيران لوجدنا أن هذه الأخيرة تتقدمنا بأشواط بالرغم من استهزاء قسم من اللبنانيين بالنظام الإيراني، فإيران دولة قومية/ وطنية قبل أن تكون إسلامية، وهي حقاً «جمهورية»، ذلك أن كل إيراني، ودون أي استثناءات مذهبية أو عرقية له حق الانتخاب، أي له حق تقرير مصير شأنه العام، لأن إيران تنظر إلى نفسها كشعب لا كطائفة، وهذا الشعب قرر في غالبيته عام 1979 أن تكون جمهوريته إسلامية، بينما لا نقبل نحن لا بجمهورية ولا بديمقراطية، مع ما تعنيه الديمقراطية من حكم الشعب لا حكم الطوائف.
العملية السياسية برمتها قائمة في لبنان على الركيزة الطائفية، وحتى القانون النسبي الذي تمت الموافقة عليه أخيراً، ليس قانوناً نسبياً مبنياً على تمثيل الشعب، بل تمثيل الطوائف.
لا تستطيع المقاومة التقيّد بهذا النظام العنصري على المدى الطويل للأسباب التالية:
أولاً، بالرغم من أن حزب الله هو الركيزة الأساسية للمقاومة إلا أن هدفه وطني لا ديني، ألا وهو تحرير الأرض من الاحتلال «الإسرائيلي»، لذلك يشترك معه ويؤازره مواطنون من طوائف وأعراق مختلفة. وكلما كبر هذا التيار واتسع سيبعد الحسابات الطائفية لأن مصلحة الجميع من دون أي استثناء هي في المحافظة على الأرض وعدم التخلي عنها.
ثانياً، لأن العدو هو الكيان الصهيوني الطامع ليس فقط في أراض لبنانية، بل في الجولان السوري، وصولاً إلى العراق ونهر الفرات، أصبحت المقاومة شاملة لمنطقة الهلال الخصيب. فاحتلال سورية من قبل «إسرائيل» أو أدواتها يمثل تهديداً للبنان، والعكس صحيح، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العراق. إذاً، الواقع السياسي والجغراسي يحتم على المقاومة أن تتخطى ذاتها وتلتقي مع عناصر أخرى للدفاع عن أراض تريدها «إسرائيل». ولأن «إسرائيل» تريد تدمير دول الهلال الخصيب لا تستطيع جيوش المنطقة أن تدافع وحيدة، فالمقاومة الشعبية في وضع كهذا أساسية لأن هدف «إسرائيل» وأدواتها القضاء على المجتمع والتراث الوطني وإحياء حروب داخلية تقوم على البغضاء الطائفية والعرقية، فالمعركة ليست معركة جيوش بل معركة حياة شعوب أو موتها. لقد استوعبت غالبية كبرى من المواطنين والمواطنات معنى المقاومة في تقرير مصيرنا كشعب من دون أي تمييز، وظهر ذلك جلياً في نتائج انتخابات المجلس النيابي اللبناني. فمن بين كلّ الأفرقاء، حازت المقاومة على كتلة تؤازرها هي لا طائفية ولا عرقية، بل وطنية صرف، وهذه هي الحاضنة الأساسية التي تحمي المقاومة من استفرادها كطائفة معزولة.
ثالثاً، ونتيجة هذه الحاضنة الوطنية، أصبح من الممكن للمقاومة أن تبادر إلى إصلاح إداري في هيكلية الدولة لن يتوقف فقط على محاربة الفساد، بل سيمتد للتخطيط لمجتمع أفضل عنوانه الاعتماد على الكفاءة لا المحسوبيات. ولقد عبّر
رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ هاشم صفي الدين عن هذا الوضع حين وصف النظام اللبناني بـ«المهترئ وغير القابل للإصلاح. ومن يعتقد أن بإمكانه أن يحدث تغييراً جذرياً للتخلص من الفساد المستشري فهو مخطئ. ومن يعد الناس بذلك فإنه يعدهم بما لا يقدر عليه، طالما أن هناك نظاماً طائفياً يقوم على المحاصصة، وإنتاج زعامات فاسدة تشرع الفساد».
من هنا، نستطيع القول إن هذه المقاومة بتلاوينها وجمهورها لا تستطيع أن تتقوقع ضمن المندرجات الطائفية التي فرضها الغرب الاستعماري منذ مئة عام خدمة لـ«إسرائيل»، بل ستفرض إيقاعاً جديداً في طريقة حكم لبنان، خاصة أن رئيس الجمهورية عازم على تحديث الدولة.
القبول بالآخر المختلف، والمساواة في المواطنة، والاتكاء على مبدأ العدالة ودولة القانون، ورفض التمييز الطائفي والعرقي، كلها عناوين يتطلّع إليها شعب قاوم الاحتلال بنسائه ورجاله ليحصل على حياة لائقة يعتز بها.
المرجع
(1) Arend Lijphart, Democracy in Plural Societies. Yale University Press, 1977.
* أستاذة جامعية