الصراع في منطقتنا سياسي، أولاً وأخيراً. إنه صراع بين قوى الحداثة وقوى التخلف، أيّاً كانت تجلياته. صراع من أجل التحرر، وهو ما دفعنا للجزم في بداية «الخريف العربي»: لا شرعية لثورة فلسطين ليست شعارها. ففلسطين بوصلتنا، لأن الصراع فيها وعليها، وهو صراع مع الاستعمار القديم والجديد.

موضوعنا اليوم مجون القتل الجماعي الذي أقدم عليه حكام مملكة التكفيريين، لكن قبل ذلك أود تأكيد رفضي استخدام مصطلح «إعدام» لأنه تعبير استحدث لتسويغ القتل – قانونياً. وللتذكير، إني ضد حكم القتل مبدئياً، وأعده أمراً مستهجناً وهو انتقام وليس عقاباً للجاني، أيّاً تكن الجريمة.
الآن، من الضروري التمسك بحقيقة أن حكام الرياض من الأعراب أقدموا على جريمة قتل المغدور نمر النمر وزملاء له من المعارضة السياسية، ليس بسبب انتمائه للمذهب الشيعي. لقد قتلوهم لأنه جهروا بمعاداتهم لحكمهم التسلطي المتخلف المعادي للفطرة الإنسانية؛ وكيف ننسى أنهم ارتكبوا مختلف الجرائم بحق سكان جزيرة العرب منذ انطلاق قطعانهم للاستيلاء على معظم أنحائها، طبعاً بمساعدة ودعم كاملين من لندن أولاً ومن ثم من واشنطن.
لذلك فإن الرد على هذا الظلم يجب أن يركز على ضرورة الاستمرار في فضح نظام التكفيريين المتعفن، فهو يقتل المعارضين مهما كان انتماؤهم الديني أو الفكري، ما يجرده هو وكل من يقبل الاستلقاء تحت عباءته، المالية أو الفكرية أو غيرهما، من أي أهلية مفترضة للحديث في أي حقوق.
لا شك لدينا في أنّ الرياض أرادت بقتلها النمر، استفزاز إيران وكل الشيعة ودفعهم إلى ردود فعل طائفية طائشة. لكن الرد من منظور طائفي أمر خطير ويمنح التكفيريين صاعقاً هم في حاجة إليه لتفجير المنطقة، للتغطية على إخفاقاتهم السياسية الخارجية، ومشكلاتهم الداخلية.
زملاء تعرضوا من قبل لتلك المشاكل، لكنني أود التذكير بأخرى لم تُمنح مساحة وهي الصراع العائلي؛ فهل يمكن نسيان إقصاء الملك المغدور فيصل شقيقه الملك سعود! ومن ثم قَتْل الملك فيصل نفسه، ترضية لواشنطن بسبب انتهاكه اتفاق روزفلت-عبد العزيز بخصوص ضمان استمرار تدفق النفط مقابل الالتزام بسيطرة تلك العائلة على الحكم! ثم الصراع الأخير بعد وفاة الملك عبد الله، والآن الصراع الثلاثي بين الملك وولي عهده ونائب الأخير، وهي أمور تستأثر بانتباه دوائر القرار في الغرب وفزعها.
تخبط حكام الرياض وجهلهم، يتجليان أيضاً في عدم علمهم بأن مؤسسها، محمد علي جناح، الذي ما زال رمز الدولة والجيش والشعب، شيعي/ إسماعيلي.
ثمة نقطة إضافية وجب التنويه إليها وهي مشاركة سلاح جو العدو الصهيوني تحالف الرياض العسكري في العدوان على اليمن. فقد ذكرت مواقع غربية متخصصة بالمسائل العسكرية أن أنموذج طائرة إف 16 سقطت فوق اليمن عرض الجيش واللجان الشعبية حطامها على الإنترنت، يمتلكه العدو الصهيوني فقط. لذا يحق لنا الجزم بأن سماح دولة الإمارات «المتنازعة» للعدو الصهيوني بفتح مكتب تمثيل له في أبو ظبي ما هو إلا جزء من صفقة تفضح التحالف بين بعض دول مجلس التعاون، مع أن البعض يفضّل اسم «مجلس التآمر» ودولة العدو الصهيوني، الذي ما عاد خافياً على أحد.
الجانب السياسي في عدوانية نظام التكفيريين يعني أيضاً طرح السؤال عن أسباب استدعاء مرتزقة بلاكووتر «الصليبيين النصارى الكفرة عبدة الصليب» للمشاركة في حملة عسكرية إسلامية [كذا] على شعب مسلم، الذين كلفوا شعب الإمارات المتنازعة أكثر من نصف مليار دولار، إضافة إلى منح عوائل من يقتل منهم التبعية الإماراتية ومعاشات تقاعدية، وغير ذلك من المكافآت. هذا في الوقت الذي تمنع هكذا حقوق و«مكرمات سلطانية»، عن الخبراء والعمال العرب من كافة المجالات الذين كانوا السباقين لبناء تلك الدول وتعليم شعوبها كل شيء، ابتداء من فك الحرف والقراءة والكتابة. بل إنهم يقفلون أبواب دولهم حتى عن اللاجئين الفارين من الجحيم في سورية والعراق وليبيا واليمن، مع أنهم هم من شارك في إثارته واستعاره، وقدموا كل ما لديهم من إمكانات لصنع مآسيهم الحالية وتفاقمها. هو صراع سياسي تحرري، ويجب تقديمه على حقيقته.