يظهر الجهل المتداخل بالتواطؤ مع العدوان التركي والإيراني على أنهار العراق في كلام المبررين الذين يكررون من دون ملل حججاً ثلاثاً لا أساس لها: الحجة الأولى هي قولهم إنَّ المشكلة هي مشكلة «شحة مياه مؤقتة» من أسبابها التجاوزات الداخلية على المياه والتي تقوم بها أطراف محلية في المحافظات العراقية، كما كررت ذلك بحماسة النائبة شروق العبايجي، ثم كررت هذه المزاعم قبل أيام قليلة، أمينة العاصمة السيدة ذكرى علوش، بحضور وزيري الموارد المائية والكهرباء في مؤتمر صحافي عقد أخيراً في بغداد، مثلما كرّرها غيرهما من كتاب وناشطين في الصحافة وعلى مواقع التواصل إضافة إلى ساسة من أحزاب واتجاهات شتى.

والحجة الثانية، هي قول المبررين «إن نقص المياه سببه مناخي يتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري المناخي، وارتفاع معدل درجات الحرارة في العالم التي تؤدي الى مواسم جافة أو شحيحة الأمطار والثلوج». وهذه ظاهرة حقيقية ولكنها جزئية ولا تؤدي إلى جفاف أنهار عملاقة دائمة الجريان كدجلة والفرات والنيل، وهي ظاهرة عالمية وليست خاصة بالعراق فقط، كما أنها خارج السيطرة المباشرة للبشر، بل وقد تؤدي إلى العكس في بعض مناطق العالم فتنتج عنها اضطرابات جوية وتساقط أمطار فيضانية غزيرة وثلوج كثيرة.
والحجة الثالثة، هي مسؤولية الدولة العراقية عما حدث لأنها تترك المياه تذهب هدراً إلى الخليج ولا تقوم بواجباتها في مجال استغلال المياه استغلالا أمثل.
للرد على هذه الحجج، أسجل في البداية أن أحداً لا يمكنه رفض حجة إهمال الدولة والأنظمة العراقية المتعاقبة، والدفاع عن هذا الإهمال الذي يصل إلى مستوى خطير ومدان، ولكنه ليس السبب المباشر في المأساة التي نعيشها اليوم.
إن السبب الرئيس في ما يحدث للرافدين هو في السدود التركية العملاقة بنسبة تتراوح بين 80 و90% والمشاريع الإروائية الإيرانية بنسبة تتراوح بين 10 و20%، قياساً إلى نسبة الوارد المائي إلى العراق من الدولتين الجارتين، ولكن تركيز النقد على العامل الداخلي العراقي، والسكوت عن العدوان الخارجي الذي هو السبب الأصلي والرئيس هو خطأ كبير، بل هو، بصراحة، عمل مشبوه يراد به تبرئة المسؤول الأول عن مأساة الرافدين وتركيز الكلام على من سهَّل له ارتكاب عدوانه المتمثل في حبس مياه النهرين ورافدهما خلف جبال من الاسمنت المسلح والمتمثلة بمئات السدود والمشاريع في تركيا وإيران.
إنَّ بعض هؤلاء المبررين، وليس كلهم، يتهمون كل من يدعو إلى الدفاع عن أنهار العراق ووجوده الجغرافي والتاريخي والبشري بكل الوسائل بأنه «ثورجي» أو متطرف أو مثير للذعر... الخ. وهذا ليس اتهاماً جديداً، وعليهم أن يتذكروا بِمَ كان يوصف أمثالهم من المدافعين عن المعتدين والغزاة والمحتلين طوال تاريخ العراق، ولكنني لن أذكرهم بهذا الوصف الذي يقال عادة عنهم، لأنني أنظر الى الخلاف مع غالبيتهم كخلاف في الرأي سببه الجهل بالمعطيات أو سوء الفهم، أو بسبب طريقة ملتبسة في التفكير تحتكم دائماً إلى الآراء المسبقة والطريقة العشائرية المنحازة في التحليل والتفكير. أما الأقلية المشبوهة والعميلة صراحة لتركيا وإيران ضد مصالح العراق والتي تبحث عن مبررات جاهزة ومتهافتة للعدوان فلا يشرفني الحوار والخلاف معها أصلاً.
ولكني سأعمد إلى دحض وتفنيد هذه الحجج والخرافات المشبوهة للرأي العام ولأصحاب المصلحة الحقيقية في الدفاع عن عراقهم وأنهارهم قبل أن يستيقظوا ذات يوم هم وأبناؤهم وأحفادهم، فيجدوا أنفسهم في عراق بلا رافدين ولا نخيل فيستحقون لعنة التاريخ والأجيال القادمة لأنهم لم يدافعوا عن هذه الهبة الرائعة التي هي بلاد الرافدين كما ينبغي.

يشكّل بناء السدود العملاقة من دون تنسيق مع دول المصبّ عدواناً صريحاً


أولاً: نذكر «جماعة الاحتباس الحراري وقلة الأمطار»، بهذه الحقائق والوقائع لكي يرتدعوا قليلاً ويفكروا بها أمام ضمائرهم:
ــــ إن ظاهرة الاحتباس الحراري لا تعمل في العراق فقط، وداخل حدوده الدولية، بل هي ظاهرة عالمية لها تأثيرات محسوبة وهامشية ولم تؤدِّ إلى اندثار أنهار دائمة الجريان وعملاقة كدجلة والفرات والنيل... الخ. والسؤال الذي يفضح هذه الحجة هو ويدحضها تماماً هو: لماذا يستمر نهر النيل بالتدفق في حين توقف نهر دجلة عن الجريان، وانخفضت مناسيب الفرات الى أقل من النصف، مع أن دجلة والفرات والنيل تقع جميعاً في إقليم مناخي واحد ومتشابه؟
ـــ إذا كانت ظاهرة الاحتباس الحراري تعمل في العراق إلى درجة تجفيف أنهاره، فلماذا تزدحم مئات السدود التركية بالمياه العذبة لتوليد الطاقة الكهربائية والزراعة الكثيفة التي تريد تركيا عبرها، كما صرح أردوغان، التحوّل إلى دولة عظمى وأكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم وعلى حساب جوع وعطش العراقيين والسوريين؟
ثانياً: أما الجماعة المنادية بخرافة «التجاوزات العراقية الداخلية» فنذكرهم بالآتي:
ــ إن التجاوزات الداخلية مهما كان حجمها، لم ولن تؤدي إلى جفاف أنهار العراق لا في الماضي ولا في الحاضر، ولكنها تؤثر على توزيع مقادير المياه التي تسمح تركيا وإيران بدخولها من مياه الى العراق وهذه المقادير انخفضت إلى النصف وما دون النصف تقريباً - في الفرات خصوصاً - قبل سنين عديدة.
ـــ حين تنخفض مناسيب المياه إلى درجة التجفيف، كما يحدث هذه الأيام، فالناس تتجاوز حصص بعضها، وحتى تتقاتل فيما بينها للبقاء على قيد الحياة، أو للحفاظ على المزروعات والممتلكات الحيوانية وغيرها، وهذه تصرفات بشرية طبيعية في أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية، وعليه، لا يمكن اعتبار نتائج العدوان الخارجي في داخل العراق سبباً له. وحين يحدث ذلك فالسبب، تكراراً، هو في إقامة مئات السدود التركية والإيرانية وقطع الروافد كما حدد الخبراء والمتخصصون.
ثالثاً، وأخيراً، بالنسبة لمن يكرر، بجهل أو بقصد، الحجة التركية الشهيرة والساذجة التي تقول إن العراقيين يتركون مياه شط العرب تذهب هدراً إلى الخليج العربي من دون أن يستفيدوا منها، أما تركيا فتريد أن تستفيد من أنهارها وهذا من حقها، بالنسبة لهذه الحجة أقول:
ــ انظروا إلى جميع أنهار العالم الكبرى على خريطة العالم أمامكم، ستجدون أنها جميعاً، إلا ما ندر، تصب في البحار والمحيطات. ولم يكن شط العرب العراقي - والذي تنازل نائب الرئيس العراقي، صدام حسين، عن نصفه الشرقي لإيران الشاه بموجب اتفاقية الجزائر سنة 1975 - استثناء لهذه الظاهرة، فراح يصب في الخليج العربي دون غيره من أنهار العالم. وإن هذه الظاهرة تحدث، ليس بسبب خطأ عراقي، بل نتيجة نظام هايدروليكي طبيعي لا دخل للإنسان فيه. وها هو نهر النيل يصبّ منذ بدء الخليقة في البحر ولا أحد يلوم مصر على ذلك، أو يعتبره مبرراً لكي تبني أثيوبيا سدودها على منابع النيل.
وأسجل بهذه المناسبة، أن القيادة الأثيوبية أفضل وأكثر إنسانية ودبلوماسية متحضرة ألف مرة من القيادة التركية لأنها تتشاور وتفاوض مع مصر والسودان قبل أن تبدأ بناء سدها الوحيد «سد النهضة»، أما تركيا فقد رفضت وترفض وبعنجهية أي مفاوضات أو تنسيق أو تشاور مع العراق وسوريا منذ أن بدأت بإنشاء شبكة سدودها في السبعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم. وهي تحتج بحجج عنصرية أنانية تقوم على اعتبار النهرين نهرين تركيين عابرين للحدود وأن المياه التي تتركها تصل إلى العراق هي هدية أو صدقة، وليسا مجريين مائيين دوليين، بخلاف ما تقوله وتنص عليه «معاهدة القانون الدولي للمجاري النهرية لأغراض غير ملاحية» النافذة والتي تلزم جميع الدول المتشاطئة على أي نهر في العالم بحمايته والعناية به والانتفاع المتبادل والعادل بمياهه!
ــــ إن بناء السدود العملاقة دون تنسيق وتشاور مع دول المصب، عدوان صريح. وإن انصباب الأنهار في البحار والمحيطات حالة هايدروليكية طبيعية خارج سيطرة البشر، ومن يريد أن يعالج المشكلة عليه أن يضع يده على المشكلة نفسها لا على النتائج. والمشكلة هي بناء مئات السدود في منابع النهر دون تنسيق وتشاور من قبل تركيا مع الدول المتشاطئة معها، وهما سوريا والعراق. علماً أن عدد السدود التركية الصغيرة والكبيرة والمتوسطة هو سبعمائة وأربعون سداً، بحسب الباحث العراقي المتخصص فؤاد قاسم الأمير، وهي قريبة من هذا الرقم باعتراف الإعلام التركي. ففي صحيفة «تركيا بوست» نقرأ المعلومات التالية: «أما بالنسبة للسدود في تركيا فقد وصل عددها إلى 579 سداً تم إنشاؤها لأغراض إمدادات المياه والري وتوليد الطاقة المائية والتحكم في الفيضانات، وتبلغ القدرة التخزينية الإجمالية للسدود الكبيرة (208 سدود تقريباً) حوالى 157 كيلومتراً مكعباً تقريباً، بينما تصل القدرة الإجمالية للسدود كاملة حوالى 651 كيلومتراً مكعباً (651 مليار متر مكعب)، يُضاف إلى ذلك أن هناك 210 سدود تقريباً قيد الإنشاء في مشاريع مائية تسعى تركيا إلى تشييدها قريباً». أما سد أتاتورك العملاق، الذي أُنجز سنة 1992 دون تشاور أو تنسيق مع العراق وسوريا، فنعلم أن مساحة بحيرة المياه العذبة المحتجزة خلفه تتسع لـ48 مليار متر مكعب، وهذه الكمية تساوي حاجة العراق لمدة عام كامل من المياه تقبع خلف سدّ تركي واحد فيما العراقيون يواجهون مصيراً مأساوياً هم وأنهارهم!
ــ من متعلقات هذه الحجة حول الهدر العراقي المزعوم، مشروع بناء سد على شط العرب. وأعتقد أنه يبقى مشروعاً عراقياً قابلاً للإنجاز، رغم أنني لا أعتقد بفائدته بعد أن جفت أنهارنا في الشمال ولم يعد يصل الى البصرة قدر مهم من ماء النهرين منذ زمن طويل. والخلاصة هي أن حجة هدر المياه في الخليج حجة ساقطة عملياً ومنطقياً، يكررها الإعلام التركي وبعض الجاهلين في الإعلام العراقي. هي حجة ساقطة ومنتهية ليس اليوم بل منذ عشرين عاماً حين كفَّ شط العرب عن استقبال المياه العذبة، وبدأ اللسان الملحي بالصعود من الخليج شمالاً ودمر الزراعة في محافظة البصرة، وأصبحت مياه الخليج هي التي تصب في شط العرب فالرافدين وليس العكس. والسبب في ذلك هو سدود تركيا من جهة وقطع إيران لروافد دجلة وشط العرب وخصوصاً نهر كارون الذي كان يزود شط العرب بثلث مياهه قبل أن تحوّله إيران إلى داخل أراضيها وتقطعه تماماً عن العراق من جهة مقابلة.
وأخيراً، أطرح هذه الأرقام أمام المبررين والمدافعين مباشرة أو بشكل غير مباشر عن العدوان التركي والإيراني على أنهار العراق وعلى المتشدقين بالإسلام ومبادئ حسن الجوار في إيران وتركيا:
ـــ إن حاجة العراق الفعلية وكحد أدنى لتأمين مياه الشرب وجزء من الزراعة بين خمسين ومائة مليار متر مكعب من المياه سنوياً، في حين تحتجر تركيا من مياه الفرات 651 مليار متر مكعب أغلبها لتوليد الكهرومياه التجارية.
ـــ قطعت إيران قبل أكثر من 15 سنة، اثنين وأربعين رافداً عن دجلة من بينها أنهار كبرى كنهر كارون عن شط العرب، وقبل أيام، ومع قطع تركيا لمياه نهر دجلة عادت إيران لقطع مياه الزاب الصغير الذي يصب في دجلة وكأنها في سباق مع تركيا على تدمير على العراق ومحو أنهاره من الوجود.
أختم بهذا الخبر الرهيب الذي سمعته من قناة «روسيا اليوم»، ومفاده أن مصادر عراقية برلمانية متخوفة من هجرة قريبة ومتوقعة لسبعة ملايين نسمة من أماكن إقامتهم بسبب جفاف الأنهار وبحثاً عن المياه لهم ولماشيتهم!
* كاتب عراقي