«أقصفوا المركز الحزبيّ!»

من شعارات الثورة الثقافية

انطلق فضولي في مسألة «الثورة الثقافية»، وانفتاحي على احتمالية أن تكون «السردية العامّة» التي توارثها جيلنا عن الحدث ليست دقيقة وأنّني، ربما، قد أكون خُدعت، حين قرأت عَرَضاً أنّ ماو ـــــ في أيّامه الأخيرة ـــــ اعتبر أنّ الثّورة الثقافية كانت الإنجاز الأهمّ له في حياته. ليس توحيد الصين وطرد اليابان والغزاة، ولا انتصار 1949، ولا حتّى بناء الدولة الصّينيّة الجديدة، التي استبدلت امبراطوريةً عمرها ألفي عام، بل «الثّورة الثقافية» تحديداً.
بالنّسبة الى آلان باديو، فإنّ الأهمّيّة الرئيسيّة لـ«الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى» تتمثّل في كونها، أقلّه في بداياتها، قد تجلّت كثورةٍ حقيقيّةٍ «من تحت»، رسمت نموذجاً لأشكال التنظيم و«الابداع السياسي» في عصر الحداثة كما أنّها كشفت، في تعثّرها وفشلها، عن حدود «الدولة الحزبية» والعوائق أمام إصلاحها ــــــ وعن صعوبة التصدّي لهيمنة فكرة «الطريق الرأسمالي» بين النخب الحاكمة، حتّى في بلدٍ «اشتراكي» (كما يلفت باديو، في محاضرته عن الموضوع في نادي باريس للكتّاب عام 2005، فإنّ كلمة «ثقافية» هنا لا تحيل الى «الثقافة» بالمعنى التخصصي، أي الآداب والفنون ومجالات المثقّفين والكتّاب، بل إنّ معناها في الأصل الصّيني هو أقرب الى كلمة «حضاريّة». أي أنّ ميدان التغيير المقصود هو الايديولوجيا وتحويل العقليات الموروثة وأشكال السّلطة في المجتمع).
يعتبر باديو أنّ الثّورة الثقافية كانت «ثورةً» حقّاً لمدّة سنةٍ ونصفٍ تقريباً، في فترةٍ تمتدّ بين 1966 و1968، تحوّلت بعدها الى مراوحة و«حرب مواقع» لا يمكن أن تُحسم بين الثوريين والمحافظين، وبخاصّةٍ بعد ضرب «الحرس الأحمر» (الذي أنشأه الطلّاب الماويون ليكون قبضةً ضاربة لهم)؛ وقد استمرّت هذه الحال حتّى موت ماو سنة 1976 وعودة طاقم ليو شاوكي ودِنغ شياوبِنغ الى الحكم وتتويجهم منتصرين. ولكن من الأساسي هنا، قبل أن ندخل في مصائر الثورة الثقافية وتقييمها، أن نشرح قليلاً عن مفهوم باديو عن «الثورة»، وما يجعل التجربة الصينيّة متميّزة في هذا المضمار.

عن ماهيّة «الثورة»
في العديد من كتاباته، يحاجج باديو بأنّ المعيار الأساسي للفعل «الثوري» هو ليس في خروج أعدادٍ من النّاس الى الشّارع وتحشيدهم، فهذا قد يكون مجرّد شغب أو مظاهرات مطلبية؛ ولا في الاستيلاء على مؤسسات الحكم وتغيير السياسات، فهذا لا يعدو أن يكون انقلاباً أو اصلاحاً؛ المعيار المركزي للثّورة عند باديو، وأهمّ عوارضها وديناميّاتها، هو في ما يسمّيه ظهور «الابتكارات السياسيّة»، وتحديداً في خلق حالةٍ تنتج باستمرار هذه «الابتكارات»، وبشكلٍ عفويّ وديمقراطي. ماذا نعني بذلك؟
حتّى نبسّط المسألة، فلنأخذ مثال الثّورة الفرنسيّة. حين يقوم الملك، خلال أزمة مؤتمر 1789، بمنع ممثّلي «الطّبقة الثالثة» من الدخول الى قاعات «فرساي» والمشاركة في المؤتمر، فيهرع النوّاب الى ملعب تنسٍ في القصر، ليقرّروا بأنّهم أصبحوا «مجلساً وطنيّاً» يمثّل الشّعب، وأنهم سيقرّون دستوراً، فهذا الفعل مثالٌ على «ابتكارٍ سياسيّ». حين يقوم الثوريّون الفرنسيّون، بعدها بقليل، بتعيين عمدةٍ لباريس (وهو منصبٌ لم يكن موجوداً أصلاً)، وكومونة في المدينة، وتأسيس «حرسٍ وطنيّ» في العاصمة، واعتبار أنّهم يملكون مصدر شرعيّةٍ يتيح لهم خلق هذه المؤسسات ومعها مفهومٌ جديدٌ عن السّياسة، فهذا مثالٌ على «الابتكار السياسي» الذي يأخذك من طورٍ تاريخيّ الى طورٍ آخر (وفي ايران فإنّ نظريّة ولاية الفقيه، التي أنتَجت مفهوماً جديداً بالكامل عن الشرعيّة والسياسة ومصدر السّلطة، هي تحديداً ما جعل تجربة ايران «ثورة»، بالعكس تماماً عن سرديّة مثقّفي طهران التي تعتبر أن ولاية الفقيه قد «سرقت» الثورة منهم).
لقد شهدنا في الصّين، بحسب باديو، مرحلةً «تاريخيّة» مشابهة في الأشهر الأولى للثورة الثقافية، مباشرةً بعد اقرار «النقاط الـ16»، التي يبدو أنّ ماو قد كتبها بنفسه، والتي أطلقت شرارة الثّورة. طلب ماو من الطلّاب والعمّال أن يتنظّموا بأنفسهم، في جامعاتهم ومصانعهم ومراكز عملهم، ومن خارج الإطار الحزبي، وأن ينشئوا منظّماتهم وينتخبوا ممثليهم بأنفسهم وينتزعوا السّلطة إن لزم الأمر. أعلن ماو أنّ التجربة الاشتراكية في خطر وأنّ تصحيحها لن يكون الّا بثورةٍ داخليّة «من تحت»، لا تخاف من النقد والمواجهة، وأنّ هؤلاء الطلّاب والعمّال اليساريين هم وحدهم من يمكنه أن يمنع سقوط الصّين في يد «أنور السّادات». بدلاً من نظرية «حكم الطبقة العاملة» ــــــ التي يمثّلها الحزب والذي تمثّله، بدوره، «الطليعة»، حرّكت الثورة الثقافية، من تحت، ملايين الماويين المتحمّسين: انتخبوا ممثّلين ومجالس عبر تنظيمٍ عفويّ، انشأوا كومونات وسيطروا على مدنٍ وجامعات وبلديات عبر «وضع اليد»؛ اختبر العمّال مفهوم «الادارة الذاتية» وأصبحت تنظيماتهم هي التي تقرّ السياسات وشروط العمل، وليس الكادر الحزبي أو مدير المصنع أو التعاونية، الذي جرى كشف فساده وقسوته أمام الجميع، وفضحه وتقريعه علناً من قبل العمّال، بل وإهانته وضربه في كثير من الحالات (يقول باديو إنّ «طقس الإهانة» هذا لم يكن تفصيلاً، بل هو مستوحىً مما كان يفعله الشيوعيون خلال الحرب، حين كان يتمّ استعراض الاقطاعي السابق أمام فلّاحيه، الذين يسردون مظالمه وجرائمه في حقّهم، ويجري إذلاله وهو يتوسّل العفو، قبل أن يعود «مواطناً» مثل غيره. حالة الكادر الحزبي هي كحالة الارستقراطي، يحاجج باديو، لا يمكن للصيني العادي بأن يتغلّب على رهبته منه، وأن يشعر بأنّه قد صار فعلاً مساوياً له وخارج سلطته، لولا هذا «الطّقس»).
انتشرت هذه الحركة بسرعةٍ، بين 1966 و1967، من الجامعات الى المعامل (بعد أن كان الحزبيّون يأملون بأن تظلّ حدثاً «طالبياً»، محصوراً في الحرم الجامعي)، ثمّ بدأت عمليّات «الاستيلاء» على السّلطة والمصادمة، وهو ما توّجته الكومونة في شانغهاي. هنا، فهم «المركز الحزبي» بأنّ لا أمل من احتواء الثورة وبدأ بمواجهتها. كانت للحزب ايضاً قدرة تحشيدٍ كبيرة، بينما أنصار ماو لا يملكون سوى التنظيم الذاتي والحماسة. انشأ جناح ليو ودِنغ ميليشيات لهم في الرّيف، وتنظيمات عمّاليّة مناصرة للقيادة الحزبية؛ واجهوا الحرس الأحمر وقاموا ايضاً بـ«الاستيلاء» على مصالح ومدن، وقد وصل التصعيد الى أقصاه خلال المواجهة في ووهان وغيرها، حين بدأ عدد الضحايا بالتصاعد وأصبحت الحرب الأهلية احتمالاً قائماً.

لماذا فشل الماويّون؟
لدينا هنا تفسيران، من مصادر متعاطفة مع الماوية، عن تعثّر الثورة وشللها. عند باديو، كانت المشكلة الأساسية بنيويّة، يحتويها «بيان النقاط الـ16» الذي أطلق الثورة، والذي كان ــــــ في رأي باديو ــــــ يقوم على تناقضٍ جوهريٍّ كفيلٍ بوأدها في مهدها. لم يكن ماو ساذجاً، هو يعرف أنّ حالة الثّورة لا يمكن أن تجري من غير عنفٍ ومخاطر وتطرّفٍ وغلوّ. لذلك، هو دعى الثوّار الى عدم الخوف من المواجهة، أو حتى من الصدام العنفي إن لزم الأمر. ولكنّه لم يكن قادراً (أو راغباً)، في الوقت ذاته، على المخاطرة بسلطة الحزب والتضحية بـ«المؤسسة». كان ماو يريد لمؤيديه وللجماهير، عبر الثورة، أن يكسروا احتكار الحزب للسياسة، ولكن من دون أن يكسروا الحزب نفسه، فاتّخذ اليمين «المركز الحزبي» متراساً، وأوصل الثورة الى طريقٍ مسدود.
الجزء الأكبر من محاضرة باديو هو عبارة عن تحليلٍ مفصّل للنقاط الـ16، يستخرج من خلاله هذا التناقض الذي شكّل في رأيه سقفاً للثورة ومقتلاً لها. قام ماو عبر البيان الشهير، فعلاً، بإعطاء الثوريين إذناً بتشكيل تنظيمات (وسلطات سياسية) على نحوٍ حرّ طالما أنها ديمقراطية ومنتخبة، وأعطاهم مناعةً في ذلك الفعل (حين أشارت النقاط بوضوح الى عدم وجوب اعتراض الثوريين أو استخدام الجيش ضدّهم)؛ ولكنّه في الوقت ذاته أصدر قاعدة هي أنّ «أغلب كوادر الحزب جيّدون»، أي أنّ أي تغييرٍ لا يمكن أن يطال تشكيلة الحزب الأساسية وغالبية قادته (من هنا جاءت عادة «جلسات النقد الذاتي» و«إعادة التأهيل»، التي سرعان ما تحوّلت الى طقسٍ صوري تمارسه السلطة لإعادة تنصيب أفرادها). طالب ماو الثوريين بالانتقاد والمجاهرة، ولكنّه أضاف شرطاً، بأنّ نقد قياديّ بالإسم يجب أن توافق عليه هيئة حزبية من مستوىً مماثل، أي أننا نعود الى تحكيم الحزب. ثمّ مع وضع الجيش خارج عملية «الثورة» وإعطائه حصانة، فظلّت «الأداة القمعية»، بتعبير باديو، أقرب الى الحزب والسّلطة، التي همّها الاستقرار ومنع الحرب.
أمّا الباحث وليم هِنتون، فهو يسرد تفسيراً «سوسيولوجياً» عن أصول الانشقاق السياسي وعن فشل الثورة. الحزب الشيوعي الصيني، يقول هِنتون في بحثٍ عن ماو (مونثلي ريفيو، ايلول 2004)، هو فعلياً حزبان تكوّنا في وقتٍ متزامن خلال فترة الصّراع مع الوطنيين. الحزب الأوّل، ويتزعّمه ماو، كان الحزب «العلني» في المناطق المحرّرة، وكان يحكم أقاليم ويحشد الفلّاحين، ويقيم سياسات اصلاح زراعي وتعاونيات وتصنيع (والكثير منها كان ناجحاً للغاية)، وهذا الحزب كان له طابعٌ «بروليتاريّ». الحزب الثاني هو حزب ليو ودِنغ، وهو كان «الحزب السريّ» الذي يعمل في مناطق سيطرة الوطنيين، وبخاصة في المدن الكبرة كشانغهاي وكانتون وبين المثقفين والناشطين المسيّسين، وهذا الحزب كان له ــــــ بحسب هِنتون ــــــ طابع «برجوازي». كان من الطبيعي، يضيف هِنتون، أن يسيطر جناح ليو تنظيمياً على الحزب الشيوعي وأن يمتلك الأكثرية بين الكوادر، وذلك ليس فقط لتكوينه النخبوي ومهارة أعضائه وكفاءتهم، بل لسببٍ أهمّ يتعلّق بالحوافز والطبيعة البشرية.
مع تحوّل الثّورة الصينية الى سلطة، يحاجج هِنتون، ومع تحوّل «الطليعة» الحزبية الى نخبة حاكمة، كان المسار الطبيعي للأمور هو في أن يزداد حجم جناح دِنغ وليو ونفوذه تدريجياً، وأن يتحوّل الماويّون الجذريّون الى أقليّة. الفاسدون وأصحاب الامتيازات يتكاثرون على طريقة الزومبي، فكلّ فاسدٍ يحوّل خمسةً من حوله الى شيءٍ يشبهه، والعكس ليس صحيحاً؛، لذلك ــــــ كما تقول شخصيّة في فيلم زومبي شهير ــــــ «هم الأقوى (بنيوياً)، وهم سينتصرون في النهاية». يذكر هِنتون مثلاً أنّه، في السنوات التي سبقت الثورة الثقافية وبعد تسليم ماو الحكم لدِنغ وليو وانلاي، كانت كتابات انلاي منتشرةً بين الكوادر أكثر بكثير من كتابات ماو، ومن بين منشورات انلاي الشهيرة كتيّب عن «كيف تكون شيوعيّاً جيّداً» (هو في الحقيقة، يضيف هِنتون، دليلٌ عن «كيف تصبح حزبياً مطيعاً»).
هذه النّخب لا تكتفي بتعزيز مواقعها وصفوفها، بل هي تذهب الى حدّ تخريب أيّ بديلٍ اشتراكيّ ومقاومته حتّى يبدو «الطريق الرأسمالي» هو الوحيد والمنطقي بالنسبة الى العقلاء (وهو، تحديداً، سلوك الكثير من النخب التي أشرفت على هدم الاشتراكية في بلادنا: نشر الفساد ووقف الاستثمار في القطاع العام، حتى تصبح الدولة والاشتراكية في أذهان الناس نظيراً للفشل والحرمان وانعدام الفعالية). بعد أن وصل البلد الى شفير الحرب الأهلية، وأبدى الكوادر استعدادهم للمقاومة الى النهاية، سأم أكثر الصينين من اضطرابات «الثورة»، حتّى استقبلوا بارتياحٍ عودة الاستقرار وضرب اليساريين وتتويج دِنغ من جديد. يتّهم هِنتون دِنغ بأنّه، مثلما تصدّى للثورة الثقافية عبر مواجهتها من يمينها وإدارة حرب مواقعٍ ضدّها، فهو كان يخرّب سياسات ماو (حين كان ساعده الأيمن في الخمسينيات) عبر التطرّف يساراً حتّى تستحيل ورطةً أو فشلاً ــــــ يسرد مثالاً قيام ماو بالتلميح، قبيل موجة الهجوم على «اليمينيين» في الخمسينيات، بأنّه قد يكون في الوسط الثقافي والاكاديمي الصيني 4 الاف «رجعيٍّ» على طريقة نخبة بودابست، فيقوم دِنغ باستهداف نصف مليون.
الثورة فشلت، عند باديو، لأنّها لم تذهب بعيداً كفاية ولكنّها، بالنسبة الى هِنتون، قد ناءت ببساطةٍ تحت ثقل العقليات القديمة والمصالح المكرّسة وقوّة التراتبيّة والسّكون والتعطيل (inertia)، التي لم تتمكّن تنظيمات الشباب الماوي والعمّال من زحزحتها (والماويون، على افتقارهم للسلطة، عانوا من تشرذمٍ، ومن تصادمٍ بين بعض اليساريين وتطرّف البعض الآخر). الدّولة الصينية الامبراطورية، بتراثها البيروقراطي الممتدّ أكثر من عشرين قرناً، تمظهرت على شكل حزبٍ وانتصرت في نهاية الأمر.

خاتمة: ماو حيّاً اليوم
ما يجعل هِنتون يتأسّف على فشل محاولة ماو «التصحيحية» ليس فقط (على طريقة باديو) لأنّ ذلك قد حرم الاشتراكية من روحٍ جديدة، وحرم العالم من تجربةٍ ونموذجٍ واحتمالات مبتكرة في التنظيم ومفهوم «الادارة الذاتية» والديمقراطية الفعليّة، بل لأنّه يخشى من أنّ «الطريق الرأسمالي» ــــــ الذي أطلقه دِنغ ــــــ سوف يعيد الصّين الى حالة الضّعف والدّونيّة. يعتبر الكاتب، مقتبساً ماو، أنّ «الرأسمالية نفسها لن تسمح (للصين) بالطريق الرأسمالي»، فهي تحطّم أيّ محاولةٍ مستقلّة، حتى ولو كانت بالشروط الرأسمالية، تنشأ خارج طوعها. تخصيص الاقتصاد الصيني لم يؤدِّ فحسب الى إفقار الريف ودفع مئات الملايين من المزارعين «الفاشلين» و«الفائضين» الى الهجرة صوب المدن، ليكونوا وقوداً للتراكم الرأسمالي فيها؛ بل هو سيؤدّي في نهاية الطريق ــــــ يتنبّأ هِنتون ــــــ الى أن تخسر الصين سيادتها الاقتصاديّة، ويصبح مصيرها رهناً بقرار البنوك العالمية وبيوت التجارة، وأن تأخذ مركزا دونيّاً (كما في الماضي) تجاه اليابان والغرب. هكذا تكون النتيجة سلبيّةً على الصّين وعمّالها وعلى شعوب الجنوب ككلّ.
توفّي وليم هِنتون عام 2004، قبل مجيء شي جنبينغ الى الحكم وضربه لبقايا جناح دِنغ وليو، وخوضه حملةً هائلة ضد الفساد في الحزب مستعيداً شعاراتٍ ماويّة. وقد رحل هِنتون قبل أن يشهد الأزمة المالية في الغرب واستمرار صعود الصّين اقتصادياً وتكنولوجيّاً. قد يتبيّن أن هِنتون قلّل من قدرة الدّولة الصينيّة على التنمية بشكلٍ مستقلٍّ وتجنّب الوقوع في فخّ التبعيّة، وقد يتبيّن أن مسار جنبينغ مختلفٌ عن أسلافه. الّا أنّنا، حين نتكلّم على «فشل» الثورة الثقافية، يجب أن نحدّد معنى الفشل. ثورة ماو الأخيرة لم تنتج يوتوبيا اشتراكيّة في وقتها، هذا صحيح، ولكنّ السّرديّة المقابلة عن فشل الثورة وانتصار الرأسماليين ليست صحيحةً بالكامل ايضاً. حين سألت عن الموضوع، قال لي علي القادري ــــــ بلغتِه «البنيويّة»، التي لا تخلو من غموضٍ ورموز ــــــ ما معناه أنّ ما زرعه ماو لن يتبلور بالضرورة في سياقه المباشر ولحظته، بل ستكون له أصداء في مراحل مستقبليّة ومفاعيل لا يمكن لأحدٍ التنبّؤ بها.
على الأقلّ، إن كنت تعتبر أنّ عودة دِنغ الى الحكم ودخول الصّين موجة «الاصلاح والانفتاح» هو منتهى الهزيمة، يكفي أن تراقب ما جرى في الاتّحاد السوفياتي، حيث انهار كلّ شيء واستسلم «الحرّاس» بالكامل. حين تقرأ عن طبيعة النّخبة الصّينيّة التي واجهها ماو وأدّبها (تمّ «تقريع» دِنغ، مثلاً، خلال الأحداث ونفيه الى الريف لسنوات)، وتقارن مسارها في «الانفتاح» بمسار مثيلاتها في مختلف الدّول «الاشتراكية»، تكتشف بأنّ ما أنجزه ماو لم يكن منع الصّين من التحوّل يميناً، بل في إبقاء التحوّل على الحدّ الذي وصل اليه. لولا محاولة ماو اليائسة لإطلاق ثورةٍ ضدّ حرّاس الهيكل، والآثار المستمرّة لتلك الحركة، فإنّ الصّين كانت مهيّأة لأن تسبق الاتحاد السوفياتي الى مصيره البائس، لتكتمل الهيمنة الغربيّة؛ ولكان العالم بأسره سيدخل في مرحلةٍ أشدّ ظلاماً وقسوة من ايّ شيءٍ عرفناه.