إن حالة المساكنة الطويلة بين الإخوان المسلمين والوهابية (إخوان قطر وتركيا ومصر من جهة والسعودية من جهة أخرى) انتهت إلى غير رجعة. تجاوز الخلاف بين المتخاصمين كلّ الخطوط الحمراء، وبدأ الغرف من عمق الفضائح ووصل إلى حد الفجور والشتم والمسّ بالأعراض والاتهام بالعمالة للأميركيين والصهاينة.

تجلى هجوم «الإخوان» تجاه ابن زايد وابن سلمان ووالده بالاتهام بعظائم الأمور، كالتسبب بالحرب على الإسلام وحصار المسلمين ومنعِهم من مناسكهم، بالإضافة إلى علمنة البلاد والانقلاب على حكّامهم الشرعيين وتأمين البدائل عنهم، وهو صحيح في معظمه. في المقابل، تردّ الإمارات والسعودية باتهام قطر أنها بوابة التآمر على الخليج بمساعدة تركيا و«الإخوان» وإيران، والمضحك أن قطر، الغاطسة حتى أذنيها في التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، تتهم الإمارات والسعودية بالعمالة والتطبيع أيضاً.
هذه الاتهامات الصحيحة في معظمها تدفعنا لمتابعة الحرب بين «الإخوان» وبين الوهابية التي ستكشف ما تبقى من «قطبات» التآمر المخفية في مشروع تحطيم الدول العربية (سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر)، لذا الكلّ مدعو للمتابعة والمشاهدة ولمعرفة مزيد من حلقات الدسّ الخفي التي قامت بها دول النفط والغاز العربي.
من يتابع الحراك المشتعل في السعودية ودول الخليج بدقة، سيلاحظ الفرز المستمر الحاصل داخل المنظومة الدينية السعودية ذاتها، وانشقاقها إلى أقسام متنافرة ومتصارعة:
دعاة ورجال دين محاربون من علماء الوهابية ومن السلطات الحاكمة، يُنظر إليهم بعين الشك والاتهام والعداوة. هؤلاء من حرّضوا على الثورات والجهاد في سوريا.
علماء وهابيون تقليديون يحرّمون الخروج على الحاكم، علت أصواتهم بعد وصول الحراكات إلى أعناق حكّامهم، فيما لاذوا بالصمت تجاه التحركات في ليبيا واليمن وسوريا، ويمثّلهم مفتي المملكة وخطباء الحرم وكل الجهات المرتبطة مباشرة بهم.
علماء قلة وقفوا مع تحريم الدماء المسلمة بالإجمال وضد سفكها (سنة وشيعة)، لم يتحركوا في بداية الأزمة ولا ندري إن كانوا يحاكمون الواقع بشكل رجعي، يصدرون الفتاوى بخصوص الظواهر الفاقعة التي يرصدونها من قتل وتخريب وتهجير واستباحة تامة لدماء المسلمين ولأرزاقهم، ونذكر منهم الشيخ المغامسي الذي يرى أن الحرب بين المسلمين محرمة وأن السلم والصلح أولى، والشيخ خالد الشايع الذي أقرّ قبل سنتين أو أكثر بحرمة الدماء في سوريا، وأن الدولة السورية لم تمنع المسلمين من الصلاة.
التغييرات الراديكالية في المجتمع السعودي التي استهدفت المؤسسة الدينية على يد محمد بن سلمان، علّقت عليها صحيفة «فايننشال تايمز» ــ محقةً ــ بعد اعتقال سلمان العودة: «آل سعود يعتبرون الإسلاميين، منذ فترة طويلة، أكبر تهديد على سلطتهم». ولم يتبق للمملكة إلا أن تشعل النار في قطر حتى تكتمل حلقة النيران والحروب في كامل محيطها الإقليمي والحيوي.
الحاصل حالياً بين دول الخليج من تمترس وفرز يُنبئ ببداية تداعي الصورة الرومانسية لــ«مجلس التعاون الخليجي» الذي لا يتذكر الخليجيون من إنجازاته إلا برنامج «افتح يا سمسم» وصور القادة على كراسيهم المزخرفة في اجتماعاتهم.
وفي متابعة للمشهد، نجد أنه بعد تداخل النفوذين الإيراني والتركي مع النفوذ الأميركي تعرّت كلّ حالات النفاق في العلاقات بين دول الخليج. وانكشفت الحالة الابتزازية الفاضحة للدور الأميركي في الخليج والذي لا يمكن التعويل عليه في بقاء الأنظمة واستقرارها في سنوات الغليان المنتظرة. ما يحدث في السعودية يدل بوضوح عن حالة قلق وتصدع تصيب العقول المغامرة والمقامرة. اليوم وصلت كرة النيران والأحقاد إلى أراضي المملكة بعد أن أكملت دورتها في بلدان الجوار وبدأت تنزع ما كان يبدو أنه متجذر وثابت ومصان بالوثائق والعهود من عشرات السنين.
أورد الكثير من التقارير الصحفية والتحقيقات الأجنبية تسريبات لمعلومات عن دور مثبت لدول النفط العربي في تمويل الإرهاب العالمي، وبشكل خاص الإمارات والسعودية وقطر، إضافة إلى دورها في تمويل «بلاك ووتر» وصولاً إلى دورها في دعم حركة الاستيطان في فلسطين. دول الخليج التي تموّل كلّ مشاريع الولايات المتحدة في المنطقة تخضعها الأخيرة لبازار مزايدات بهدف الحصول على وكالتها الحصرية في المنطقة، ويبدو أنها وقعت على المحمدين، ابن زايد وابن سلمان.

■ ■ ■

ذكر وزير ألماني في خطاب لافت أن العرب يشكلون 5% من سكان العالم ويستهلكون 40% من السلاح العالمي ويشكلون 60% من اللاجئين، وأن السعودية هي ثاني أكبر مستورد أسلحة، ودولة صغيرة بحجم حي صغير كقطر تستورد عشرات الطائرات الحربية الأميركية تحتاج سماء أكبر من قطر وتحتاج إلى قدرات بشرية لاستخدامها قد تعجز عنها كبرى الدول. هذه الأسلحة لا تُستخدم سوى في تأجيج كرات النار والأحقاد الطائفية والمذهبية في محيط المملكة. ويحار المتبصّر كيف أن هذه القيادات الشابة قد وصلت لاستنتاج أنها عندما تشعل الحرائق في كامل محيطها (العراق وسوريا واليمن وقطر وإيران) ستظل آمنة مطمئنة، وأنها بذلك لا تزرع الأحقاد في الأجيال المقبلة وأنها لن تفقد شرعيتها الدينية والأخلاقية التي أضحت رقيقة مثل «بشوت الأمراء» لا تستر أجساد البشر، ولا تقيهم من برد أو حر.
ذلّ وانبطاح وتظاهر بالفرح والنشوة أمام الغرباء الغزاة، في مقابل تجبّر وغطرسة وسادية إجرامية يمارسونها أمام الأخ الجار والقريب الشقيق، «قوّادٌ» كهؤلاء وتبذيرٌ لمقدراتِ الأمةِ كهذا، يحتاجُ إلى حجْرٍ شعبي عاجلٍ عليهم بسبب السفه وفقدان الشرعية والمسؤولية، وإلا فستلومنا الأجيال وسيحاسبنا التاريخ.
* كاتب سوري