الولايات المتحدة على رأس دول العالم التي خاضت وتخوض حروباً عدوانية تخلّلتها جرائم حرب وإبادة بحق ملايين البشر وانتهاكات فظة لا حصر لها لحقوق الإنسان، ناهيك عن مئات الألوف من المصابين والمعوقين، عدا عن اسننزاف ثرواتها والدمار الهائل الذي خلّفته وتخلّفه تلك الحروب المتواصلة منذ نحو سبعة عقود، وإن كانت الحروب العدوانية الأميركية تعود لتاريخ أسبق منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وبالتالي، فإن العقيدة العسكرية الأميركية لا ترتكز على مبدئية إنسانية وطنية صادقة، بقدر ما تقوم على الانصياع والانضباط لأوامر القيادة العسكرية والسياسية لزج العسكريين والمجندين في تلك الحروب تحت شعارات هلامية مُضللة لا يعي المُجنّد أو العسكري المنتسب للجيش حقيقتها، ولا يحق لمن يعيها مناقشة أمرها مع قادته أو عدم الانصياع للقرار وعصيانه. ولعل أبرز نموذج يحضرنا ما جرى على سبيل المثال لا الحصر، لبطل الملاكمة العالمي الراحل محمد علي كلاي جراء رفضه العلني المشاركة في الحرب العدوانية لبلاده على الشعب الفييتنامي الفقير أواخر ستينيات القرن الآفل، وعلى الرغم من أن تلك الحرب كانت من الحروب التي فجّرت احتجاجات سياسية وشعبية واسعة داخل الولايات المتحدة.

ومن المفارقات الغريبة أن الذين نجحوا في التهرب من تلك الحرب الظالمة القذرة لبلادهم على فييتنام بأي حيلة كانت، تظل اللعنة تطاردهم وكأنهم ارتكبوا خيانة وطنية عظمى أو فضيحة عندما يترشحون لتولي مناصب في الإدارة الأميركية وغيرها من مؤسسات الدولة وعلى الأخص الانتخابات الرئاسية، وإن لم يكن تهرب معظمهم لأسباب مبدئية إنسانية.
قبل فترة قليلة، نُظّمت في واشنطن مسيرة دراجات نارية لقدامى المحاربين قُدرت بعشرات الألوف وتنتهي المسيرة التي ترفع شعاراً واحداً متكرراً منذ 30 عاماً «لن ننسى أبداً»... ويا للمفارقة، عند نُصب الرئيس والرمز الوطني أبراهام لينكولين! من بين المشاركين في المسيرة مجندون أعربوا عن سرورهم للحفاوة الشعبية ـــ على حد تعبيرهم ـــ التي قُوبلوا بها من الناس المصطفين في الشوارع التي مروا بها بدراجاتهم النارية، وسبق للعديد منهم المشاركة في حروب عدوانية ظالمة في فييتنام وأفغانستان والعراق وغيرها.
وعلى جدار حديقة «مال» الذي مرّت به المسيرة دُونت أسماء 60 ألف قتيل في حرب فييتنام، وكلهم شٰركاء في جريمة العدوان على شعبها واحتلال وطنه، ومنهم من ارتكب جرائم حرب واغتصابات وتعذيب وشارك في إلقاء قنابل مُحرّمة دولياً كالنابالم على البشر المسالمين والحيوانات ورش مساحات شاسعة من غابات البلاد بمادة ما تُعرف بـ«العامل البرتقالي» المبيد لأغصانها؛ ولا يزال المصابون المتبقون على قيد الحياة يعانون من آثار تلك الأسلحة الفتّاكة إلى يومنا هذا. أحد المتحمسين والذي يشارك في المسيرة السنوية للمرة الثالثة عشرة (جاك ريد ريتشارستون 73 عاماً) لا تزال عائلات المفقودين في فييتنام تنتظر معرفة مصيرهم، هل لا يزالون أحياء أم أمواتاً، وسنظل نستمر في تحركنا بلا يأس وكلل.
لكن ما لا يتذكره ريتشارستون ورفاقه المشاركون في هذه المسيرة السنوية منذ انطلاقتها الأولى 1988، ماذا عن المفقودين الذين فُقدوا ولا يُعرف مصيرهم داخل أوطانهم وهم يخوضون معارك تحرير وطنهم من دنس الاحتلالات الأميركية لكُل البلدان التي نُكبت شعوبها بحروب أميركا الإمبريالية الظالمة عليها وهم بمئات الألوف؟ ولا تزال الإدارات الأميركية المتعاقبة ترفض بعنجهية مجرد تقديم الاعتذار اللفظي لشعوبها، دع عنك التعويضات المستحقة المالية التي يُفترض أنها لا تسقط بالتقادم.
* باحث سياسي بحريني