إنهم فئة من الفلسطينيين لا يعترفون بحقائق التاريخ، ويريدون قلب حقائقه وفق عجزهم ورؤاهم غير الصحيحة! يراهنون على العدم في انتزاع حقوقنا الفلسطينية! هم يدركون في دواخلهم أننا أمام عدوّ استثنائي بين الأعداء في اقتلاعه لشعبنا من أرضه، وإحلال المهاجرين المستوطنين محلّه، ديدنه اقتراف المذابح بحق شعبنا وأمتنا وصولاً إلى ممارسة حرب الإبادة الجماعية بحقهما. عدو شرِه «شايلوكي» في أطماعه في الأرض الفلسطينية والعربية، يصنع حقائقه على أرض وطننا بالقوة المسلحة، بينما تنادي هذه الفئة بنهج المفاوضات (فالمفاوضات حياة) وفقاً لوجهة نظر هذه الفئة!

قد أثبت هذا النهج عبثيته وعقمه، واستعمله العدو مجالاً لابتزاز الفلسطينيين ودفعهم نحو المزيد من التنازلات عن حقوقهم المشروعة. نحن لا نشكل استثناء في تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية؛ كلّ هذه التجارب كانت المقاومة المسلحة نهجها الرئيسي في التعامل مع أعدائها. انصاع أعداؤها لأصحاب الأرض مضطرين خانعين وحملوا عصيّهم على كواهلهم وانصرفوا خاسئين ذليلين من الأراضي التي احتلّوها.
يتوجب أن تكون هذه التجارب نبراساً لهذه الفئة، ومنارة هادية لشعبنا البطل، الذي يقدّم التضحيات منذ عشرينيات القرن الزمني الماضي، ومنذ أيام كانت الذكرى الـ88 ليوم الثلاثاء الحمراء، حين أعدمت سلطات الاحتلال البريطاني الأبطال الثلاثة: عطا الزير، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، هؤلاء الشهداء الذين أتقنوا «حبر التفاهم بين أشياء الطبيعة والإله... كما أتقنوا لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة». شعبنا كان ولا يزال وسيظلّ رائداً بين الشعوب المغتصبة أرضها في تقديم التضحيات في سبيل وطنه! في كلّ مراحل التاريخ، سبق قياداته وكان معلّماً لها، البعض استفاد من دروسه والحقائق التي أفرزها بدماء شهدائه، وإعاقات جرحاه، واعتقال أسراه، ومعاناة تهجيره، وسرقة أراضيه، وهدم بيوته وخلع أشجاره... والبعض يصرّ على نهجه الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هو نهج خادع للنفس وللآخرين الذين يراهنون على سراب التسوية العادلة مع هذا العدو الذي تفوّق على الأساليب النازية والفاشية وعلى مذابح هولاكو وغيره من طغاة التاريخ.
إننا أمام عدوّ يحاول نفينا، يحاول محونا من الأرض كما الذاكرة، غير مدرك أن الجذور الفلسطينية العربية الكنعانية اليبوسية الأصيلة «قبل ميلاد الزمان رست»، وأنه بمغتصبيه من المستوطنين وحركته السياسية الرجعية والسوبر فاشية المحتوى، سيكون هباءً في العملية التاريخية وعلى صفحات الزمن، وفزّاعة ورقية ليس إلا، مهما عظمت قوته، ومهما بلغ استكباره وإنجازاته التي حتماً وفقاً للسيرورة التاريخية ستكون قصيرة المدى كما كلّ الأنظمة الفاشية على مدار التاريخ.

المرتعدون من الرصاص لا يأنفون عن اختراع الأكاذيب بحقّ التنظيمات المقاتلة


نعم، إننا أمام فئة تكره حتى اللون الأصفر، لأنه يذكّرها برصاص المقاومة. البعض منها أنشأ «مبادرات» حزبية وتاريخه في كره الرصاص معروف! هذا البعض هو الذي أسس لتقسيم فلسطين ونادى بالأخوة الفلسطينية ــ الإسرائيلية! هذا البعض ومعلّموه الأشاوس لا يدركون حقيقة الصهيونية ولا إسرائيل! هذا البعض افترض حقائق مزيّفة ليس لها في الواقع حياة، وإنما أراد تغطية عجزه بافتراض حقائق مستحيلة التحقيق! هذا البعض سوّغ في مرحلة سابقة نهج المفاوضات مع دويلة الكيان الصهيوني اعتماداً على معاهدة «بريست - ليتوفسك» التاريخية التي وقّعت في 3 آذار 1918، بين جمهورية روسيا السوفياتية الاتحادية الاشتراكية ودول المركز على رأسها ألمانيا لتُخرج روسيا من الحرب العالمية الأولى، ثم بعد أن قويت شوكة روسيا أبطل لينين هذه الاتفاقية.
في الحالة الفلسطينية، أنتجت المفاوضات العبثية «اتفاقات أوسلو» الكارثية على القضية الفلسطينية والشعب والحقوق الوطنية الفلسطينية. رغم ذلك، ما زال هذا البعض الفلسطيني يرتعد من لون الرّصاص معتقداً أن نهجه المقيت كفيل بإرجاع الحقوق إلى أصحابها.
قديماً اختصر شاعرنا الفذّ الشهيد عبد الرحيم محمود معادلة مقاومة الاحتلال بقصيدته التي يقول فيها (وقد زاوج بين القول والفعل، فحمل سلاحه واستشهد): «سأحمل روحي على راحتي... وألقي بها في مهاوي الرّدى، ونفس الشريف لها غايتان... ورود المنايا ونيل المنى، لعمرك إني أرى مصرعي، ولكن أغذّ إليه الخطى». الشاعر الشهيد يمثّل شعبنا الفلسطيني وكفاحه على مدى التاريخ.
المرتعدون من الرصاص لا يأنفون من اختراع الأكاذيب بحقّ التنظيمات المقاتلة، فأحد هؤلاء المرتعدين من اللون الأصفر اتّهم تنظيماً فلسطينياً بأنه يتلقي أموالاً من «جهات مشبوهة» لتخريب الساحة الفلسطينية ووعد بكشف وثائق تثبت ادّعاءاته! بداية، نتحداه كشف وثائقه! ثانياً معروف عن هذا التنظيم أنه عانى ويعاني طوال سنوات وجوده من أزمة مالية خانقة نتيجة حصاره، حتى أن حصته المالية من «منظمة التحرير» يحاصر بها ولا تصرف له!
للعلم هذا القيادي لم يقرأ علم النفس، اعتمد في اتهاماته على التعامل مع هذا التنظيم كأنه نكرة، بينما هو المعروف بنظافة يد قياداته في الأوساط الجماهيرية الفلسطينية والعربية. الاتهامات اعتمدت على التزييف والتهويش واختلاق وجود وثائق لم يكشفها! وهذا في علم النفس يدعى مبدأ «تدعيم الأقوال الكاذبة»؛ هذا القيادي يقع خارج إطار الجغرافيا والتاريخ، كما خارج الزمن الفلسطيني المقاوم.
* كاتب فلسطيني