القانون الإسرائيلي الجديد الذي يمنع تصوير الجنود هو إدانة للجنود الذين أصدرت لهم القيادة الإسرائيلية أمراً بإطلاق النار «للقتل»، على كل شيء يتحرك، وعلى كل طفل وامرأة ورجل. القانون يدل على إفلاس أخلاقي «رغم أنف نيكي هيلي، ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة»، التي تعدّ الفلسطينيين إرهابيين ومعتدين لأنهم ضحايا العدوان الإسرائيلي ويطلبون حماية الأمم المتحدة.

رفض الولايات المتحدة قرار منح الفلسطينيين حماية دولية، هو بحد ذاته اشتراك أميركي عملي في المجازر التي يرتكبها جنود الاحتلال ضد أطفال فلسطين ونسائها ورجالها، وهو اشتراك من دولة عظمى في جريمة العصر ضد الأخلاق وحقوق الإنسان والعدالة والأمن الدولي.
لنفترض جدلاً أن مصوراً تابعاً لصحيفة «نيويورك تايمز» التقط صورة لجندي إسرائيلي يطلق النار على طفل فلسطيني، ونشر هذه الصورة على صفحات صحيفته. القانون الإسرائيلي يرى المصور مجرماً «وليس الجندي القاتل»، ويصدر عليه حكماً بالسجن من 5 إلى 10 سنوات كما ينص القانون، كما تحاكم الصحيفة لنشرها الصورة ويحكم على مديرها المسؤول بالسجن من 5 إلى 10 سنوات، فماذا يقول توماس فريدمان في هذا الأمر؟
وأنا أخاطب فريدمان، الذي أعرفه معرفة جيدة وأذكره بأيام حصار ودك بيروت حين كان هناك، هو وخطيبته، يتابع عدوان إسرائيل على بيروت ولبنان ويكتب لـ«نيويورك تايمز»، وساعدناه لنقل الحقيقة إلى العالم، خاصة في ما يتصل بدور السعودية في تلك الغزوة الإسرائيلية الفاشلة على لبنان، ونال توماس «جائزة البوليتزر». ماذا يقول فريدمان في استهداف الأطفال وقتل الممرضة المسعفة رزان النجار؟ ماذا تقول الصحافة الأميركية في هذا القانون، وماذا تقول أوروبا؟ أين هم المدعون أن حرية الصحافة مقدسة؟ يصمتون أمام إسرائيل! لماذا؟
تسجل إسرائيل بموافقة الحكومة على قانون «منع تصوير الحقيقة» سبقاً، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي شرّعت حماية المجرم والتغطية على الجريمة. شرّعت إسرائيل حماية الذين يقتلون الأطفال الفلسطينيين والمدنيين العزل، ومنعت نشر ما يصور من وثائق بالصورة المباشرة لعمليات ارتكاب الجرائم والمجرمين الذين ارتكبوها. تستهدف إسرائيل التغطية على الجريمة وحرمان المحاكم أيَّ دليل موثق على تلك الجرائم، وإذا أخذنا بالاعتبار أن آلاف الصور لمجرمين من جيش الاحتلال الإسرائيلي يستهدفون بأسلحتهم النارية ويقتلون المدنيين العزل أطفالاً ونساء ورجالاً، فإن سنّ القانون الآن يدلّ على نية الحكومة الإسرائيلية لارتكاب مجازر أكبر وجرائم أبشع.
الحكومة الإسرائيلية تُرضع جنودها الحقد وشهوة قتل الأطفال، وتحويل ارتكاب هذه الجرائم إلى عقيدة في عقول جنود حولتهم حكومتهم إلى مرضى خطيرين لا يشعرون بالسعادة إلا عندما يقتلون طفلاً عربياً أو امرأة عربية أو رجلاً عربياً.
ترى، كيف سيكون ردّ فعل هؤلاء المتشدقين بحرية الكلمة والإنسانية في الغرب إذا لجأ الفلسطينيون إلى وسائل أخرى في الدفاع عن أطفالهم وأبناء الشعب العزل؟ لو أن جندياً فلسطينياً أطلق النار على طفل إسرائيلي كما يفعل الجندي الإسرائيلي بالطفل الفلسطيني، فماذا ستقول مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن؟ وماذا سيقول جاريد كوشنر؟ وماذا سيقول دونالد ترامب؟
الفلسطيني والعربي لا يمكن أن يطلقا النار على أي طفل أو امرأة أو رجل أعزل، لكنهما حتماً سيدافعان عن أطفالهما بالتصدي للجنود القتلة بكل الوسائل المتاحة، وأهمها حصارهم ونبذهم في العالم أجمع: منبوذون هم قتلة الأطفال.
* كاتب وسياسي فلسطيني