«إن هذا الظّالم العائد إلى بلاده يجُرّ أذيال الخيبة قد أحرق آلاف البشر في العالم الجديد، فأراد هذا الملعون الكافر أن يتسلّط على الجزائر لأنه ظن بأنها مثل العالم الجديد... الويل لبلدةٍ مسلمةٍ تقع في يد هذا الظالم، ترى كيف سيكون مصيرها؟».

خير الدين بربروس مُتحدِّثاً عن كارلوس الخامس (شارلكان) ملك إسبانيا بعد اندحار حملته الصليبية على الجزائر في 1541 («مذكرات خير الدين بربروس»، ص. 206).

بمناسبة الزيارة الأخيرة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى الجزائر، عاد الجدل حول الموقف من التاريخ العثماني في البلاد، لكنه هذه المرة عكس استقطاباً أيديولوجياً حادّاً بين أوساط احتفت بقدوم «السلطان»، وأخرى ليبرالوية استحضرت سرديات «الاحتلال العثماني» الغريبة عن النقاشات التاريخية في الجزائر، إذ لا شك أن هذا الجدل لا علاقة له، في طبيعته وسياقه، باختلاف أطروحات المؤرخين الجزائريين في تقييم الوجود العثماني، التي لم يصل أيّ منها إلى وضعه في خانة الاحتلال، ويمكن أن نُلخّص أهمها في مقاربة أبي القاسم سعد الله التي تُميّزها النظرة السلبية عموماً، والنقد الحاد للنظام العثماني (يُمكن هنا أن نَلْحَظَ في كتاباته بعض أوجه التأثُّر بالنظرة القومية العربية المُعادية للدولة العثمانية في المشرق)، ومقاربة ناصر الدين سعيدوني التي تتراوح بين اعتبار الجزائر العثمانية كياناً مستقلاً، وبين كونه جزءاً من الخلافة العثمانية، ومقاربة مولود قاسم نايت بلقاسم التي تبالغ في سيادة «إيالة الجزائر» واستقلالها التام عن الدولة العثمانية. لكن، ليس هنا مجال مناقشة هذه المقاربات بالتفصيل، فارتأينا أن نُفَكِّكَ مقولة «الاحتلال» التي حاول البعض إقحامها أخيراً.

المغرب وغرب المتوسط في القرنين 15 و16
استطاعت دولة «المُوحِّدين»، التي قامت في 1121م على دعوة المهدي بن تُومَرْتْ الدينية، وعصبية قبيلة مَصْمُودَة البربرية في جبال الأطلس الكبير، أن تُوحِّد بلاد المغرب والاندلس تحت راية حكمٍ مركزيٍّ صلب، وكيانٍ إمبراطوريٍّ مُترامي الأطراف (من برقة شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً بالإضافة إلى الأندلس) على قدرٍ كبيرٍ من القوة والتحضُّر، فأحدثت تحولات فكرية وثقافية عميقة في المجتمع المغربي والأندلسي، من نتائجها ظهور علماء وفلاسفة كبار كابن رشد وابن الطُّفيل وابن زهر وابن عربي وغيرهم، وتطور عمراني (من نماذجه مسجد الكُتُبِيَّة في مراكش، ومسجد وصومعة الخيرالدا في اشبيليّة)، وانتصارات عسكرية كبيرة، لكن مسار تراجعها وصولاً إلى انهيارها بدأ مع الهزيمة السّاحقة التي مُنِيَ بها جيشها سنة 1212، في معركة «لاس نافاس دي تولوسا» أو «حصن العُقاب» كما تُسمِّيها المصادر العربية (عصر المُوحِّدين هو المعيار الذي حدّده المفكر الجزائري مالك بن نبي في نظريته لدراسة الحضارة الإسلامية)، وذلك في مواجهة تحالف جيوش الممالك المسيحية الايبيرية.
أدّى سقوط تلك الدولة إلى ظهور قُوى تقاسمت «التَرِكَة» في المغرب، فاستقلّ الحَفْصِيُّون بحكم أفريقيا (تونس) وهم من قبيلة هِنْتَاتَة من بربر مَصْمُودَة، واستقلّ بنو عبد الواد الزَّنَاتِيُّون بالمغرب الأوسط، واتخّذوا من تلمسان عاصمةً لهم، فيما استقلّ أبناء عمومتهم من بني مرين في فاس (ثم من خَلَفَهُم من الوطّاسِيِّيِن والسَعْدِييِّن)، عاصمة كيانهم الجديد في المغرب الأقصى، لكن أيّاً من هذه السلالات لم تُفْلِح في توحيد المغرب كلّه تحت رايتها (حتى إن توسّعوا على حساب بعضهم، من خلال حروب طاحنة، في فترات مُعيّنة)، أو في تقديم المساعدة إلى المسلمين في الأندلس.

يجدر التذكير بأن وهران كانت ستعرف مصير سبتة ومليلة لولا العمليات الفدائية لـ«جيش الطلبة»


في القرن الـ15، عرفت المجتمعات الأوروبية تحولات على كل الصُّعُد، شكّلت إرهاصات لما عُرف فيما بعد بالنهضة، وبداية ظهور الرأسمالية، تَواصُلُ الانتصارات العسكرية المسيحية في «حروب الاسترداد» إلى سقوط آخر إمارة إسلامية في الأندلس (غرناطة 1492م)، أفرز قُوّتان استكملتا بناء كَيَانِيَتَيْهِمَا: إسبانيا والبرتغال، وبدأتا الاستفادة من الاكتشافات الجغرافية (أميركا أو العالم الجديد، رأس الرجاء الصالح) للتحول نحو تنفيذ مشاريع إمبراطورية توسّعية هدفت (إضافةً إلى ملاحقة المسلمين الأندلسيين الفارِّين) إلى السيطرة على الموانئ في المغرب لتأمين وإصلاح السُّفن المتجهة نحو الهند، والتخطيط لجعل بلاد المغرب محطّة أوّلية للتوغّل في العمق الأفريقي، فبدأت سواحله تسقط في يد الإسبان والبرتغاليين في القرن الـ15 والعقد الأول من القرن الـ16 (سبتة، مليلية، وهران، بِجَايَة، تونس...الخ). في هذه الفترة بالذات، دخلت المنطقة وفي القلب منها المغرب الأوسط في حالةٍ من الركود الاقتصادي، فلقد فقد وظيفة الوسيط الذي لا غِنى عنه، التي كانت تُوفِّرُه له مكانته في قلب التبادل التجاري بين البحر المتوسط والمشرق، وبين أوروبا وأفريقيا، من خلال السيطرة على طرق القوافل، وبالأخص طريق الذهب من السودان الغربي الذي أنعش التجارة والحرف في مدنها (تلمسان، بجاية).
أضحى بإمكان البرتغاليين الوصول مباشرة إلى سواحل أفريقيا الغربية وتحقيق أرباح من تجارة الذهب، عبر فتحهم لطرقٍ بحريةٍ في المحيط الأطلسي، ما أدَّى إلى عزل البلاد عن الطرق التجارية التي كانت السيطرة عليها من القواعد الأساسية لتَشَكُّل الدول في العصر الوسيط، احتكار التجارة في المُتوسِّط، من خلال التُجَّار الأوروبيين (إسبان، فرنسيين، إيطاليين) أضعف، وفق عالم الاجتماع والمؤرخ الجزائري الراحل عبد القادر جغلول (كتاب «محاولات جزائرية للتاريخ الاجتماعي والثقافي»)، «هَيْكَلية الدول المغربية» أو «حركة تَشَكُل الدول» في المغرب، وأدخل «نظام الدولة» في المغرب في أزمة، كَوْنَ وُجود هذه الدول والنخب الحاكمة فيها ارتبط بالحاجة إلى تنظيم الحركة التجارية التي تُشَكِل الجزء الرئيسي من مداخيل الخزينة، على شكل جباية الضرائب أو المشاركة المباشرة على أساس أنّ تطور العلاقات الاجتماعية للإنتاج والتبادل التجاري (بصفة خاصة التجارة البحرية وحركة القوافل)، ما أفرز قاعدة اجتماعية من فئة كبار التجار كانت عاملاً ذا أهمية كبرى في استمرارية الدولة في المغرب الأوسط في العصر الوسيط، علماً أن كبار التجار كفئة سوسيو-اقتصادية، وإن كانت على تناقض مع «الارستقراطية القبلية»، لكنه تناقض غير عدائي، ذلك أن تطورها لا يُلحق الضّرر بإطار العلاقات القبلية.
هذا التناقض غير العدائي بين «الأرستقراطيتين» التجارية والقبلية هو المُحَدِّد الرئيسي، يضيف جغلول، لمسار دورة حياة الدولة المغربية في هذه الفترة، في ظل غياب القاعدة الاجتماعية أو ضعفها، وغياب «أيديولوجية دينية» (أو الدعوة الدينية بتعبير ابن خلدون) تُوحِّد العلاقات الاجتماعية المتناقضة داخل المجتمع في إطار دولة دينية مركزية (كما في حالة الدولة الرُسْتُمِيّة والفاطمية، أو المُرَابِطِيّة والمُوَحِّدِيّة في بداياتهما). فقد اضطرت السلالات الحاكمة في دول المغرب الثلاث إلى التخلّي عن حلم وراثة «الارث المُوحِّدي» والانكفاء نحو «مجالها القُطْري».
في هذه الفترة الصعبة من تاريخ منطقتنا، وصلت القوة العثمانية إلى منطقة غرب المتوسط والمغرب، بعد أن بلغ مسار نُمُوِّها ذروته في المشرق، وكان حتميّاً أن تدخل في صراع مع المشاريع الإسبانية الصاعدة.

الأخوان عَرُّوج وخير الدين بَرْبَرُوس وتَشَكُّل الكيانية الجزائرية
من يقرأ ما يكتبه أصحاب سردية «الاحتلال العثماني» للجزائر، يتخيّل أن جيوش العثمانيين غزت الدولة الجزائرية القائمة، واحتلت عاصمتها «مدينة الجزائر»، ولاقت مقاومة شعبية، وفرضت حاكماً عليها كما يفعل أي استعمار. طبعاً الحقيقة ليست كذلك، هنا يجب التذكير بطبيعة الخريطة الجيوسياسية للبلاد لحظة دخول الأخوين عروج وخير الدين بربروس، التي ميّزها التفتت والانقسام، إذ لم تعد السلالة الزِّيانية، التي ورثت المغرب الأوسط تُسيطر فعلياً سوى على مدينة تلمسان في غرب البلاد (وبعض أحوازها)، بعد أن فقدت السيطرة على مساحاتٍ واسعةٍ لمصلحة قبائل هلالية، متمردة كبني عامر، أو منفلتة احترفت النهب كبني سْوِيد. ودبّ الانقسام والاقتتال بين أبناء السلالة نفسها، وزاد التدخل الاسباني في شؤونها بعد سقوط وهران واستسلام مدن مُسْتَغَانِم وتَنَسْ وشَرْشَال، واستقلت قبيلة الثّعالبة العربية المَعْقَلِيَة بحكم مدينة الجزائر (على طريقة جمهوريات المدن التي عُرفت في هذه الفترة)، ووقفت مشلولةً أمام نفوذ الإسبان المتزايد فيها، واستقلّ أمراء حَفْصِيُّون بمدن شرق البلاد في عنابة وقسنطينة عن السلالة الحفصية الحاكمة في تونس، بعد أن وقفوا عاجزين أمام احتلال مدينتي بِجَاية وجِيجَل الساحليتين، كما ظهرت «ممالك» مستقلة في مناطق جبلية وعرة ومعزولة كـ«مملكة كوكو» البربرية في الشمال، أو بني جَلاَّب وآل عَلاَّهُمْ في الصحراء، فيما خضعت منطقة الزَّاب للسيطرة التامة لقبائل الذَوَاوْدَة الهلالية.
لم يجد رافضو حالة الوَهَن هذه من ملاذٍ سوى عند بعض شيوخ التصوّف الذين أسقطوا «الشرعية الدينية» عن حُكَّامٍ تخاذلوا عن حماية الثغور ودفع فساد بدو بني سويد (الذين لم يسلم من نهبهم حتى المسلمين الفارين من جحيم الأندلس)، وحرّضوا على القبائل التي تحالفت مع الإسبان. تزعّم هؤلاء أحد أقطاب الطريقة الشَّاذِلِيَّة في بلاد المغرب، أحمد بن يوسف المَلْيَانِي، وهو من أحفاد الأدارسة الذين عاشوا في مواطن قبيلة مَغْرَاوَة البربرية، الذي لم يكن يرى الخلاص إلا في زعيمٍ يوحِّد الكلمة ويرفع راية الجهاد (لا يزال التراث الصوفي يتناقل قصة لقاءٍ «أسطوري» جمع بين خير الدين بربروس والشيخ الملياني الذي منحه فيه الإذن والبركة لمواجهة العدوان الإسباني على شمال أفريقيا).
توالت الانتصارات التي قادها عروج وإخوته في الجزائر، بعد أن قرر الإخوة التوجه لدفع الإسبان عن سواحلها، انطلاقاً من جربة وميناء «حلق الواد» في تونس. يتحدث خير الدين بربروس في «مذكراته» (وهي مجموعة من الرسائل نقلها إلى العربية الباحث الجزائري محمد درَّاج) عن معارك طاحنة خاضها شقيقه عُروج بمشاركة الآلاف من رجال القبائل العربية والبربرية لتحرير المدن والقلاع الخاضعة للإسبان، بعد تدريبهم على فنون القتال التي كانوا يفتقدون إليها رغم شجاعتهم وحماستهم الشديدة كما يقول، إذ لم يكن بإمكان أبناء تلك القبائل الانخراط في معركة التحرير بمعزل عن الدور الحاسم الذي لعبته الطرق والزوايا الصوفية، في استثمار سلطتها الروحية في تعبئة القبائل للجهاد خلف راية خير الدين بربروس وأخويه عروج وإسحاق اللذين سقطا في معارك ضد الإسبان في تلمسان وقلعة بني راشد في غرب الجزائر. استفاد خير الدين من «شرعيةٍ جهاديةٍ» منحه إياها الإسلام الصوفي أو الشعبي كما يمكن أن نُسَمِّيه، وهو الذي هيمن على أرياف (ثم لاحقاً المدن) المغرب ابتداءً من القرن الـ13. ورسّخت حُكماً مركزيّاً بإعلان مدينة الجزائر عاصمة، وسقوط تلمسان وآخر سلالة حاكمة للمغرب الأوسط، وحدودٍ ثابتة (من نهر مَلْوِيّة غرباً إلى القَالَة شرقاً، مع استثناء أقصى الصحراء). كسرت هذه الكيانية الجديدة حقيقة تاريخية عرفها المغرب الأوسط تَمَثَّلت في غياب «مركز دولة» دائم على غرار فاس في المغرب الأقصى أو القيروان في أفريقيا (تونس) لأسباب جغرافية وسوسيولوجية، إذ اتصف المغرب الأوسط خلال الفترة الوسيطية بخضوع «عواصمه» لتأثير المغرب الأقصى (كما في حالة تلمسان) أو أفريقيا (كما في حالة آشير، القلعة، وبجاية).
لم يخرج تشكل الكيانية الجزائرية عن سياق الديناميات الناظمة لنشأة الدول في المغرب وقواعدها الاجتماعية (كما حددها ابن خلدون) المرتبطة بالقبيلة (العصبية)، وبالفئات المُؤَثِّرة اقتصادياً (التجار مثلاً)، أو بالأيديولوجيا (الدعوة الدينية) في حالات أخرى كعاملٍ مُوَحِّد. يرى السوسيولوجي الجزائري الراحل محفوظ بنُّون في دراسة له بعنوان «الأسس السوسيو-تاريخية للدولة الجزائرية المعاصرة»، أنه رغم الدور الكبير الذي يلعبه النظام الاجتماعي التقليدي بمضمونه القبلي الأبوي «الانقسامي» في الحياة السياسية للدول المغربية، حيث تنتقل وسائل الإنتاج (الأراضي، المراعي، قطعان الماشية) وفق القرابة والنسب، فإن المجتمع الجزائري كان يتجاوز طبيعته القبلية الانقسامية ليُظهر قدرة استثنائية على المقاومة ضد الغزو الخارجي، لكن سُرعان ما تعود تلك البُنى الاجتماعية الجزئية إلى «استقلاليتها البنيوية» فور زوال الخطر.
وقد انطلق الحكم المركزي الجديد من هذه الحقائق السوسيو-تاريخية، فَعَمَد أولاً إلى إرساء قواعد نظامٍ اقتصادي اعتمد بالأساس على كسر الاحتكار الذي فرضه الأوربيون على التجارة في البحر المتوسط، الذي أفرغ خزينة البلاد وأدخلها في أزمةٍ خانقةٍ كما سبق أن شرحنا، عن طريق «القرصنة»، التي تحولت إلى «مؤسسة» كما يقول المؤرخ الأميركي وليام سبنسر في كتابه «الجزائر في عهد رِيّاس البحر»، أي نهب السفن الأوروبية المُحَمَّلة بالسلع وأسر من فيها من أجل افتدائهم، ما وفّر موارد مهمة للخزينة من جهة، وأدّى إلى ظهور فئاتٍ اجتماعيةٍ استفادت من هذا الوضع الاقتصادي المُريح (حرفيين، تجار) من جهة أخرى، بالإضافة إلى تحسّن المستوى المعيشي للسُّكان (وفق بعض المؤرخين لم يكن يخلو بيت جزائري من الخدم والعبيد، من الأسرى الذين تَقْتَادُهُم سفن البحرية الجزائرية)، وثانياً صياغة نظام جبائي متماسك مكّنته من التحكم في المنظومة القبلية التقليدية عبر تقسيمها إلى «قبائل مَخْزَنْ» تضطلع بمهمة جباية الضرائب، بالإضافة إلى مهامها الإدارية والعسكرية، من «قبائل الرعيّة» الخاضعة، وثالثاً الاستفادة القصوى من الإسلام الصوفي الطُرُقِيّ لتعزيز شرعية حكمٍ قائمة على أساس حماية ثغور البلاد وتحرير ما سقط منها في يد الصليبين.
وشَكَّلت الخلفية الصوفية للعثمانيين عاملاً مُسَهِّلاً لتدعيم هذه «الشراكة»، فكان نفوذ شيوخ الصوفية يظهر أحياناً في تحديد قيمة الفدية التي يتوجب على الأوروبيين دفعها لرِيّاس البحر لإطلاق أسراهم، ناهيك عن نصيبهم الثابت فيها. يتحدث المؤرخ الفرنسي دافيتي أن «القراصنة» كانوا يطلقون مدافعهم للشيخ الصوفي «سيدي بُتْقَة» مثلاً (الذي حرّض أهالي الجزائر على المقاومة خلال حملة شارلكان الصليبية)، خلال خروجهم إلى غزواتهم البحرية ورجوعهم منها.

مُغالطات وإسقاطات مُضَلِلَة
يُسَوِّق أصحاب سردية «الاحتلال العثماني» مجموعة من المغالطات تُعبِّر عن عدم إلمام بتاريخ وباجتماع بلادها والمنطقة ككل، فهي تطعن، من حيث أرادت أم لم ترد، في بطولات شعبها من أهالي العاصمة مثلاً إلى جانب العثمانيين في صدِّ حملة صليبية كبيرة بحجم تلك التي قادها ملك إسبانيا شارلكان في 1541، أو في الدور المركزي لقبائل فْلِيتَة العربية الهلالية، وفْلِيسَة البربرية الصنهاجية، في إفشال حملة 1775 الإسبانية، بقيادة اليخاندرو اوريلي، التي أنزلت أكثر من عشرين ألف جندي في ضواحي مدينة الجزائر. ربما يجدر تذكيرهم بأن مدينة وهران كان يمكن لها أن تعرف نفس مصير سبتة ومليلة المحتلتين إلى الآن لولا تلك العمليات الفدائية لـ«جيش الطلبة» الذي حشده الشيخ مصطفى بن زُرْفَة الدَّحَاوِي (أحد أحفاد بني حَمُّود الذين حكموا أجزاء من الأندلس في القرن الـ11) من طلبة وشيوخ الزوايا الصوفية، والذي مهّد لتحريرها بعد احتلالٍ إسباني لها لقرابة ثلاثة قرون (1509-1792)، تلك البطولات التي خلّدتها الثقافة الشعبية (شعر ملحون، أمثال شعبية، تراث صوفي) والتي توارثها شعبهم بفخر واعتزاز جيلاً بعد جيل، كقصيدة «قرصاني غنم» التي تحتفي بغزو البحرية الجزائرية جزيرة مالطا (أدّاها المغني الشعبي الراحل الهاشمي ڤَرْوَابِي).

يُسَوِّق أصحاب سردية «الاحتلال العثماني» مجموعة مغالطات تُعبِّر عن عدم إلمام بتاريخ الجزائر


قلة الإلمام بالآليات الاقتصادية والاجتماعية المحركة للتاريخ في بلادهم هي التي جعلتهم يرون بعض «الثورات» التي حدثت في بداية القرن الـ19 «مقاومة وطنية» ضد «الاحتلال العثماني»، في الوقت الذي لا يخرج فيه تفسير تلك الاحتجاجات المسلحة في بعض الأرياف عن إطار النتائج المباشرة لضعف البحرية الجزائرية في القرن الـ18 (رغم ما بذله الرّايس حميدو لترميم قدراتها، فإن مقتله في 1815 في جبل طارق كان تجسيداً لبداية تغيُّر موازين القوى في المتوسط لمصلحة البحرية الأميركية)، ما أدّى إلى تراجعٍ حاد في مداخيل الخزينة، أحدث خللاً في النظام الجبائي الذي عرف زيادات في الضرائب أرهقت كاهل فئات ريفية دفعتها إلى الاحتجاج (الذي أطَّرتْهُ بعض الطرق الصوفية الطموحة).
طبيعة الاحتجاج على الضرائب هي من السِّمات الأساسية التي تحكم العلاقة بين «الإدارة» والقبائل الخاضعة، سواء أكانت الإدارة حاكماً عثمانياً أم سلالة محلية (لم يكن بالأساس وضع الأرياف الجزائرية يختلف عن نظيراتها في الأناضول). ومن المغالطات أيضاً اعتبار سقوط الجزائر بيد الفرنسيين من نتائج «الاحتلال العثماني»، والخطير في المسألة هنا ليس التعتيم على واقع إفشال حملاتٍ أوروبيةٍ لا تقل خطورة عن الحملة الفرنسية فحسب، وإنما اجترار خطاب أصبح «تقليداً» يُميِّز بعض النخب العربية في قراءتها هزائمنا العسكرية منذ «النكسة». فسقوط الجزائر بيد الفرنسيين، ضمن هذه القراءة، هو نتيجة لاستبداد الحكم العثماني أو لخللٍ حضاريٍ وثقافيٍّ، وليس لضعف إدارة الدّاي حسين للمعركة أمام حملة دي برمون مقارنةً بفعالية حسن آغا ومن بعده محمد بن عثمان باشا أمام الملك شارلكان وأليخانرو أوريلي.

خاتمة
جاء العثمانيون إلى البلاد وهي في أضعف حالاتها، فحرّروا مدنها، وجمعوا شتاتها، وأنقذوها من الإبادة والوحشية التي أُذيقت لشعوب العالم الجديد، ومنحوا لوجودها في هذا التاريخ معنًى بإقامتهم لكيانٍ مركزي وقوي شكَّل القاعدة التي تأسسّت بها الوطنية الجزائرية الحديثة، والتي أنتجت عبر تراكمٍ تاريخيٍّ حافلٍ انطلق من عشرينيات القرن الماضي الدولة الوطنية الحديثة في 1962... تُرى، كيف سيكون مصير البلاد لو لم يأخذ التاريخ هذا المسار؟
* كاتب جزائري