ليس في الأمر غرابة. لقد اعتادت قوى المعارضة الوطنية أن تبادر إلى دراسة الواقع وتقديم خطاب إصلاحي إنقاذي يصرّ على وطنية الحل. ذلك أنها رأت أن المنهج الأمني المتصاعد كبّل السلطة كما كبّلها، وجعل من معاناة البحرينيين معنى هامشياً في أولويات محور صقور الخليج. كما وجدت أن خيارات السلطة تضرب خبط عشواء في سياساتها الاقتصادية، حتى بات اللجوء إلى المزيد من الاستدانة طوق النجاة الوحيد الذي تلجأ إليه السلطات لتغطية العجز الضخم الذي يزداد ثلاثة مليارات كل عامين. عجز مالي يوازيه عجز عن ابتكار الحلول، حتى بات إعلان إنجازات غير واقعية لإنتاج النفط الصخري لافتة يتعلق بها المسؤولون.

قلادة العجز هذه تكاد تقضي على الحاضر، وصارت تهدد المستقبل. فلم يستطع صندوق احتياطي الأجيال القادمة الصمود، وأصدرت السلطة بحقه قرارات حوّلته إلى صندوق مرن للاستدانة، بعد سحبها ثلث قيمته بمقدار 200 مليون دينار، وإيقاف الضخ إليه في السنتين الماليتين 2017 و2018. كذلك، تمضي روحية العجز نفسها بخطى واثقة نحو الاستيلاء على صندوق التأمينات الاجتماعية وأموال المتقاعدين، ما ينذر بكارثة تمسّ آلاف البحرينيين. وأمام عجز المؤسسة التشريعية والرقابية الصورية، تتجه السلطة نحو مزيد من التهميش للدور الشعبي، وفكرة التمثيل الفاعل، ليس من خلال تكبيل البرلمان فحسب، وإنما بمنع الشخصيات القيادية المعارضة من الترشح للانتخابات البرلمانية بعد حلّ جمعياتهم السياسية، ومنعهم من الإدلاء بآرائهم عبر المنابر العامة.
هنا، يبرز «إعلان البحرين»، الذي تطرحه قيادات جمعية «الوفاق» الإسلامية المعارِضة، كأرضية مبدئية لمقاربة المشتركات السياسية، وكفكرة خارج الصندوق لإعادة الاعتبار للمنهج السياسي المغيّب في غياهب العجز المكتظة بأكثر من 4700 سجين سياسي. يعود الإعلان بالتواصل السياسي بين المعارضة والنظام إلى المبادئ الأساسية التي يمكن الارتكاز عليها لإعادة هيكلة الواقع السياسي، بناءً على تجارب إنسانية يمكن اعتبارها خلاصة إنتاج الفكر البشري المؤمن بمشروع الديموقراطية والدولة المدنية والحاجة إلى العقد الاجتماعي التوافقي. وهو بادرة تضعها قيادات «الوفاق» في سياق السعي إلى مصالحة عميقة، تتجاوز تأثيرات الانفعال بالأزمة وما ولّدته من تشنجات وقطيعة فرضتها تطورات الأحداث في البحرين. إلا أن هذا الإعلان يحتاج إلى تأمل حذر في سياقاته وظروف إعلانه، وخصوصاً أن تحويله إلى أطر تفصيلية وخطوات عملية يتطلّب اجتماع الإرادات السياسية لأطراف الأزمة كافة، معارضةً ونظاماً، وهو ما لم يتوافر حتى اللحظة.

ترجمة الإعلان تتطلّب اجتماع الإرادات السياسية كافة سلطةً ومعارضةً


وفي الوقت الذي يبدو فيه خطاب المعارضة إيجابياً، تغيب روح التفاؤل في الأوساط السياسية التي رأت أن تصديق الملك على منع القيادات السياسية من الترشح رسالة جوابية ليس على هذا الإعلان فحسب، وإنما على دعوات السيد عبد الله الغريفي الذي أعلن تبنيه فكرة تنقية المناخات، بما يمكّن النظام والمعارضة من الإقدام على خطوات جريئة في بحث مخارج الأزمة. ورغم صدور حكم أولي يقضي ببراءة الأمين العام لجمعية «الوفاق»، سماحة الشيخ علي سلمان، من تهمة «التخابر» على خلفية المبادرة الأميركية ـــ الخليجية عام 2011 م، لا تلوح في الأفق بوادر عملية تجرّ الأمر إلى انفتاح سياسي إيجابي تجاه المعارضة.
عملياً، يكاد صمت النظام يعلن عدم امتلاكه قراراً سياسياً يسمح له بالتحرك. كما لا تلوح في الأفق الإماراتي ـــ السعودي فكرة السماح بإنتاج حركة سياسية إصلاحية في الداخل البحريني. واقع تبدو مؤشراته جلية في استبعاد المنامة من التفاهمات الملكية الخليجية حول أزمات المنطقة. وهو ما يعني إلحاق البحرين وأزمتها السياسية كملف مساومة ثانوي ضمن أجندة السعودية والإمارات في المنطقة، متأخراً عن أولوياتهما في حرب الاستنزاف المستمرة على اليمن، ومعركة الاحتواء الخطيرة في العراق، وحتى مشروع فرض الوصاية الذي بدأ على قطر ضمن قائمة لا تستثني الكويت وعمان.
دولياً، ورغم مطالبات أميركية صريحة بإزالة العوائق من طريق المصالحة، يجد النظام في البحرين نفسه مرتاحاً تحت الغطاء الخليجي، مدعوماً من بريطانيا وإدارة البيت الأبيض. وهو يحسن الاتكاء على ذلك لمحاصرة الحراك الدولي للمعارضة، التي تستعد لحراك دبلوماسي يسعى إلى دعم أطروحتها في ضرورة إعادة إحياء الملف السياسي في البحرين، باعتباره أزمة سياسية داخلية يجب حلها ضمن الأطر الوطنية. غير أن هذا النَفَس يواجه التحدي القديم ذاته في عدم توفر شريك داخل السلطة ذي مواصفات سياسية تجعله جاهزاً للثورة على قيود العجز والوصاية. وهو تحدٍّ ليس مجهولاً لدى المعارضة التي تواجهه بالتبشير بخطوات سياسية إضافية تحمل روح «إعلان البحرين» بمبادئه الثلاثة عشر، ومساحاته التسع، كنقاط اتصال فكرية مُوجّهة للنظام وداعميه الإقليميين والدوليين.
* كاتب بحريني