يتزايد الاهتمام لدى الدراسات التاريخية الغربية بـ«الإمبراطوريات» كديناصورات سياسية بائدة ولكنها مثيرة. ففي عام 2008 مثلاً، وصل عدد الكتب المبيعة على موقع «أمازون» التي تحمل عنوان إمبراطورية أكثر من 207 آلاف. هذا الاهتمام بالإمبراطوريات نابع من كونها مخلوقات سياسية معمّرة، فبعضها استمر لـ400 و500 عام، وهذا يشير إلى حسن تدبير نخبها، حيث عاش بعض سكانها بلا نزاعات أهلية إثنية، ضمن هوية فضفاضة جامعة.

بعكس إمارة موسكو، لم يبنِ العثمانيون دولتهم في ظل أسياد أقوى منهم

تتصف بعض هذه الكيانات العظيمة المساحة بقدرتها على التأقلم، والتجديد، والإبداع وإعادة إنتاج نفسها كما التنظيم. ومن هنا ظهرت عودة قوية لدراسة الدولة العثمانية في الدوائر الأكاديمية في الغرب، عبر قراءة أرشيفها ومقارنته بما حُلِّل من شهادات وتقارير دبلوماسية وصحفية وتجارية. سنتتبع تاريخ السلطنة من بدايتها من زاوية جديدة تختلف عن مقال سابق كتبناه قبل سنوات سلّطنا الضوء فيه على الطبيعة المركبة للمشروع العثماني وأنه لم يكن المشروع السني التركي الذي تقدمه اليوم القوى الإسلامية، ولم يكن العثمانية الجديدة التي يدعونا لها أو يهددنا بها رئيس الوزراء التركي المتقلب رجب طيب إردوغان.
سنركّز هنا على فلسفة الرؤية العثمانية للبناء الإمبراطوري التي يمكن أن نسميها السياسة «التوسطية» للقوة العثمانية. حقيقة بعكس الصورة الأسطورية عنهم، لكونهم قوة متعصبة، متسلطة، عصية على التأقلم والإصلاح، فاسدة، لا تتقن سوى العنف والحرب ولم تقدم شيئاً للعالم وحضارته. كان العثمانيون أساتذة الإدارة الإمبراطورية كما كانوا أسياد الحرب، وقد لا نجانب الحقيقة إن قلنا إنهم كانوا إمبراطورية ناجحة، رغم ظروفهم المعقدة وعصرهم الحافل بالإمبراطوريات الشابة القوية المندفعة بشراسة ومثابرة.
كيف بدأ العثمانيون؟ وكيف يمكن سُنّياً محباً أو أرثوذكسياً مبغضاً، أو عربياً حاقداً أو سريانياً متعالياً أن يتخيّل بدايتهم؟ نحن نتحدث هنا عن القرن الأول لنشوء دولة آل عثمان (من نهاية القرن 13 إلى نهاية القرن 14). الصورة التي قد ترتسم بذهن هؤلاء هي الآتي: بدو أجلاف من آسيا الوسطى ليس لهم صلة بالمنطقة، متعصبين لدين محمد، هزموا البيزنطيين الروم، أقاموا مذابح ونصبوا الخوازيق للرجال وسبوا النساء وخطفوا الأطفال، أتلفوا البساتين وهدموا الحواضر، وقلبوا كل كنيسة جامعاً، وباعوا نواقيسها خردة.
إنه مشهد قيامي عاطفي مؤلم يشبه ما قامت به «داعش» و«جبهة النصرة» أخيراً. لكن هذا المشهد هو ما يرد عادة في الكثير من الروايات التي وصلتنا من النصوص التاريخية التي كتبها رجال الكنيسة والطوائف الإسلامية المعادية للعثمانيين والسلاجقة عموماً. حتى فترة قريبة جداً، كان تاريخ الفتوحات عموماً، والعثمانيين خصوصاً، قد كتب من مصادر معادية من هذا النوع، وهو التاريخ الذي نشأ عليه والدي، فالعثمانيون مثلاً كانوا بالنسبة إليه صنو النازيين. ما جعل هذا الجيل يرى بشكل ما - وإن لم يعترف بذلك - أن الاستعمار الأوروبي أفضل، فعلى الأقل كان البريطانيون قد نظموا شوارع البصرة وأناروا أحياء عدن وكانوا يدفعون للعمال أجورهم بعكس الأتراك.

فضاء التخوم، الأناضول (من القرن 11 إلى القرن 15م)
لنفهم بشكل أعمق العالم الذي نشأ فيه عثمان وسلالته، علينا تفسير مصطلح جغرافي يوناني لوصف المناطق الواقعة على حوافّ الإمبراطوريات التي تفصلها عن الكيانات المعادية الموازية لها بالقوة. ذلك هو أكرا أو أكروس (akra) يقابله في التركية مصطلح أوك (uk)، وهو ما يمكن ترجمته بجغرافية العصور الوسطى عربياً بالتخوم، النهايات، الأقاصي. في منطقة قصية حدودية لا تسيطر عليها أي قوة كبرى، تكون العلاقات الاجتماعية مرنة، والفواصل الدينية والاختلافات العرقية بحالة سيولة إن جاز التعبير. إنه عالم يشجع على الاختلاط، والبراغماتية والدبلوماسية والتجارة، فلم يكن مثالياً للأرثوذكسيات.
المنطقة التي نحن بصددها - حيث أنشأ عثمان إمارته - تقع في شمال غرب الأناضول، على تخوم القسطنطينية، حيث تكون الأرض أكثر خصوبة وأقل ارتفاعاً وأكثر اعتدالاً مناخياً. لكن عالم عثمان كان الفضاء الأناضولي الواسع الذي تقاسمه مع عدد كبير من الإمارات التركمانية التي حكمت بالنيابة عن السلاجقة، كإمارة ايدين، وساسان، ومنتش وغيرهم.
في هذه العالم كان كل من الروم والأتراك والأرمن يتقاتلون ويتحالفون ويتصاهرون ويتاجرون، يتقاسمون الغنائم والجواري والعبيد، ويحجون لذات القديسين والأولياء، بصوامع بعضها يحتضن رموزاً إسلامية وفي بعض التكايا ترتفع الصلبان، وتعلموا أن كل غزوة يتبعها سوق، وعلمتهم التجربة أن البقاء أحياءً يكون بالالتفاف حول الرجال الأقوياء، المتمرسين في الحرب، بغضّ النظر عن ملتهم (Barkey: 2008 راجع الفصل الثاني) (Finkel: 2005 راجع الفصل الأول).
بمعنى آخر، عاشت أجيال من القوميات والملل في الأناضول لقرون على هذه الحال، وخلقوا مجتمعاً جديداً، يختلط فيه الروم والترك والأرمن والعرب والبلقان والأكراد والتتر!
كانت قوات الإمارات التركية الحدودية تلك أو الأوكجية (من كلمة uk) تعجّ بالمرتزقة اليونانيين والصرب والأرمن الذين كانوا يجتمعون موسمياً لشنّ غارة على إمارة تركية أخرى أو حصن يوناني ليفترق رفاق السلاح بعد الحرب، حتى يلتقوا بعد عام أو أكثر كحلفاء مرة أخرى أو كخصوم بحملة جديدة (Barkey: 2008، p50).
طوّر هذا المجتمع أساطيره وأناشيده الفولكورية التي تحثه على التعاضد العابر للأديان مثل أسطورة «ديكنيس اكريتيس» البيزنطية ذات الأصل العربي، إذ ترجع إلى فترة الحروب العربية الرومية (ق7 – ق10). وأسطورة «بطل غازي» التركية، وكلها تدور بأجواء ملحمية، شعرية وغنائية فيها كل عناصر الفروسية والعشق والتراجيديا والفداء (Barkey: 2008, p41).
على المستوى التديّن الشعبي، كان للبابوات والأبدال المسيحيين والمسلمين دور مهم في نشر ثقافة الرجل الروحي الشعبي، ذي الملابس الرثة. رجل الله الذي يتبرك ويجري خلفه الجميع، بدءاً من بكوات التركمان، إلى نبلاء الروم، فلاحين وبدواً، حيث كانت تفتح البيوت لهؤلاء الرهبان والدراويش، ويقدم لهم الطعام وينتظر منهم المعجزات.
في عالم كهذا، كان للمصلحة والصداقة والعلاقات الأولوية على الهوية الدينية والعرقية، فهنا فقط ولدت مفاهيم جديدة، مثل نوكر (noker)، وهي تعني هنا «رفيق»، والرفقة في عالم الأناضول أهم من الأخوة الدينية والأسرية.
لأنها رفقة الظروف العصيبة كما يشرحها هيث لوري، حيث يكون للزعيم المقدام عصبة من الأصدقاء الذين يتعاونون ويعملون تحت الضغط، لتنفيذ غزوة أو خوض معركة، وفق مبادئ «الرفقة» وأدابها (Lowry: 2003).
كان لكل مدينة نظام «صوفي» مهني يعرف بـ«الآخي» يلتئم حول حرفة أو تجارة، ولكل تنظيم من هذه العصبيات فتيانها وشيوخها وكبارها وجمعت المسيحيين بالمسلمين. من ضمن شروط عمل النوكر أنهم كانوا إذا استولوا على منطقة مسيحية مثلاً ولّوا عليها مسيحياً منهم، حتى لا يشعر السكان بتغيّر إثني أو طائفي في الإدارة، وهذا ما دفع رودي بول لندنر للقول: كان هناك تعاون يوناني وأرمني كبير مع توسع الأتراك (Lindner: 1983, p15).
لم يكن هذا عالم ابن تيمية ولا فرسان الهيكل، فقد رأى هؤلاء المتعصبون أن عالم الأناضول «منحل عقائدياً وأخلاقياً»، وهو ما صدم أيضاً العديد من اللاتين الغربيين الذين جاء بعضهم بروح صليبية للمنطقة، فلم يستوعبوه (Barkey: 2008, p39-40).

كيف تكوّن فضاء الأكرا (akra)؟
السردية الرسمية لنشوء هذا العالم تعزو بدايته للهزيمة المنكرة للبيزنطيين الروم أمام السلاجقة عام 1071م في معركة ملازكرد. هذا بدوره فتح المجال للعشائر التركمانية لتنساب في الأناضول والتي قدرت بـ300 ألف نفس. لكن غزو المغول وحروبهم في آسيا الوسطى جاء سبباً إضافياً مهماً بدفع المزيد من عشائر التركمان وبعض العرب والكرد للنزوح نحو الأناضول. هنا وجد التركمان المهاجرون أنهم أمام قرى وبلدات يونانية سابقة خربة ومهجورة، أو بربع سكانها السابقين كما تقول كارين باركي، وذلك في الفترة ما بين 1350 و1450م حيث قضى الطاعون عليهم كما حصل في أوروبا، مسبّباً أزمة ديموغرافية هائلة (Barkey: 2008, p38).
رأى أمثال ابن تيمية وفرسان الهيكل، أن عالم الأناضول «منحلّ عقائدياً وأخلاقياً»


قلة عدد السكان بحد ذاتها أجبرت كل الإمارات والنخب على تقدير اليد العاملة الباقية، فلم يكن عملاً منطقياً قمع الفلاحين أو قتلهم لمعتقداتهم أو التعسف بمعاملتهم. بفعل الطاعون أيضاً، تتجه بعض الدراسات لفكرة أن فلاحي غرب أوروبا انتزعوا الكثير من حقوقهم في القرن الـ14، مهددين أرباب المال والسلطة بالرحيل عن أرضهم. وبرأيي، إن الطاعون في أوروبا الغربية ساهم أيضاً في تشكل فضاء الأكرا الحر والمتسامح في الأناضول.
جاءت الضربة القاصمة للقسطنطينية من جهة الغرب الصليبي الذي قرر أن يحتلها سنة 1204م وبقي فيها هؤلاء حتى استعادها الأمير الذي سيصبح الإمبراطور ميخائيل باليولوج الثامن عام 1261م بمساعدة حلفائه الأتراك.
ستقضي إصلاحات ميخائيل الثامن الإدارية بنزع ملكية الأراضي من يد الطبقة العسكرية البيزنطية لهجرة آلاف المقاتلين نحو بلاط آل عثمان وبقية الأمراء الترك، وهو ما سيضعف القسطنطينية أكثر.
كانت هذه المساعدة التركية لأمير مسيحي ضد إخوانه في العقيدة طبيعية، وهي ليست الأولى، فقد لعب القراصنة الأتراك دوراً أساسياً في حملات البيزنطيين ضد خصومهم اللاتين في بحر إيجه. ذلك أن عامة الروم في ذلك الوقت كانوا يخشون اللاتين الكاثوليك المتعصبين والمتعجرفين بنظرهم أكثر من الأتراك المسلمين الذين كانوا أقل سوءاً على ما يبدو.
وبسبب ضعف القسطنطينية، كان أمام الروم البيزنطيين خيار من اثنين: إما الوقوع تحت رحمة النبلاء الأوروبيين أو البكوات الأتراك. الخيار بينهما مرّ، لكن النبيل الأوروبي المنتمي إلى عالم القرون الوسطى المتخلّف سيحوّل فلاحي الروم إلى أقنان ويأخذ الأرض كإقطاعية، وسيضايق تدريجاً عقيدتهم الأرثوذكسية ويبتزهم.
في المقابل، كان الأتراك يغزون وينهبون كل من لا يخضع لمفهوم دار الإسلام، ولكن ما إن يخضع لهم الروم حتى يكفوا السيف عنهم، فيفرضوا الجزية، ويطلبوا خراج الأرض مع بقاء الفلاح حراً بالتنقل واختيار عقيدته، حيث لم يكن أتراك القرن 13 و14 و15 عالأقل معنيين بأسلمة أهل الأرض.
هناك أمر آخر، ولكن على مستوى النخبة، هو أن التعاطي البيزنطي مع الثقافة الإسلامية قديم، ومع الثقافة السلجوقية التركية بشكل خاص، ويمتد للفترة العباسية، والسلالة الكومنية التي حكمت القسطنطينية، عرفت بإعجابها بالعنصر التركي، ومنها أن الإمبراطور مانويل الأول (1143م – 1180م)، زين جزءاً من قصره على الطريقة السلجوقية، ووظف العديد من المستشارين والإداريين الأتراك (Barkey: 2008, p39).

عثمان ورفاقه
ولد عثمان في القرن الثالث عشر لأسرة صوّرتها السردية التاريخية العثمانية، التي كتبت عنه لاحقاً، كسليل أسرة تركمانية عسكرية من الأوغوز. في المقابل، تطرح كارولين فنكل احتمالية كون عثمان مجرّد ريفي تركي بسيط، ولكن ذا ثقافة حربية، وأنه عمل منذ البداية مع من شاركه طموحه من مسيحيين وتركمان لحماية أنفسهم أو كسب رزقهم بسيوفهم في منطقة الحدود.
إذاً، عثمان كان ابن بيئته ونتاجها، والمنسي أو المجهول بتاريخ عثمان هو أن مشروع إمارته لم يكن محصوراً بجهده وأسرته المعروفة باسم أوصمانو غولاري فقط، بل كانت أسرته جزءاً من تحالف ثلاثي يضم أسرتين أخريين. هما أسرة ميخالو غولاري، وافرنوس غولاري. لم يكن أرباب الأسرتين ميخال وافرنوس سوى مسيحيين، اعتنقا الإسلام، ميخال من أصل يوناني وافرنوس من أصل كتالوني من شمال اسبانيا. نودّ أن نضيف أن عثمان نفسه رغم أنه كان تركمانياً على الأغلب، إلا أنه وفق مصادر غير مؤكدة، قد يكون ذا أصل فارسي، وذلك بفعل بيت شعر منسوب إلى حديث دار بينه وبين زوجته.
لم يكن عثمان سوى الأول بين حليفين متساويين في المرتبة، حتى إن كلاً من ميخال وافرنوس كانا يحملان لقب ملك وكان ممكناً لأسرهما أن تقود الحلف بدل آل عثمان لو اختلفت الظروف (Barkey: 2008، p50). يبدو أن بداية هذا المشروع لم تكن سوى تحالف بين رفاق «نوكر» أو ما يسميه هيث لوري «كونفدرالية نهب» (Lowry :2003).
كانت الهوية التركية الأناضولية تجمع هذه الأسر الثلاث المتحالفة بقوة، ولم يكن تحوّل الأسرتين المسيحيتين إلى الإسلام، من دون تنازل تقدمه أسرة عثمان وهو أن الجميع يعيشون وفق نمط الحياة الذي لا تقرره السنة الأرثوذكسية لأي الديانات. التحول إلى الإسلام كان ضرورياً لاعتبارات عسكرية وشرعية وتقنية. فالإسلام كان على ما يبدو متطوراً وعملياً جداً بقواعد توزيع الغنائم وحصة كل فرد في الأسرة وهو ما كان ضرورة استراتيجية (Barkey: 2008، p45-50).
يبدو أن اختيار عثمان كأمير للمشروع العسكري لمزاياه كقوة شخصيته، ذكائه، وقدرته الفائقة على لعب دور الوسيط، والمناورة والتفاوض والإقناع. وهو أمر يفهمه كثيراً مَن درس وقرأ عن تشكل التحالفات العشائرية في منطقتنا. آنذاك، كان أهم ما يميّز القائد هو نجاحه في تقريب وجهات النظر والأطراف كلها بعضها من بعض، فيصير تحالفه كبيراً وقوياً ومبنياً على قدرة المؤسس أو القائد على جمع أطرافه باتجاه الحرب أو التجارة أو غيرهما. عثمان كان حريصاً أيضاً على أن يكسب الوسط الديني الإسلامي الشعبي، فنجده من ناحية يتصاهر مع نخبة الأسر الصوفية البكتاشية التي تحالفت منذ وقت مبكر معه، وظلت عضداً لأسرته وهم الذين سيكلفون بتربية نخبة الجيش العثماني. في المقابل، سيدفع ولده ليصاهر أسرة كانتاكزينوس وهم أباطرة القسطنيطينة ليكسب شرعيةً ما بنظر رعاياه المسيحيين ويكسب حليفاً مهماً. أما الأسرتان الأخريان فيبدو أن مهمتهما كانت تنحصر بقيادة قوات المشاة في المعارك وبإدارة المناطق المسيحية وكسب حلفاء من يونانيين وبلقان وأرمن للقوة الصاعدة.
لم يكن هذا التحالف سوى واحد من عشرات التنظيمات التركمانية المشابهة المنتشرة في الأناضول، لا بل إن دور عثمان يشبه كثيراً ظروف عمل أسرة مديتشي الإيطالية التي عملت بظروف حتمت عليها أن تكون حجر الرحى الذي سيربط كل الأطراف بعضها ببعض.
الميزة الأخرى لعثمان أنه كان بعكس الكثير من منافسيه، يملك مشروعاً تنموياً مكتملاً. فكان يحرص على توفير العدل في أراضيه حتى لا يهرب منها المزارعون، وخاصة المسيحيين، فخفف عنهم الضرائب حتى قيل إنهم عاشوا أفضل من أقرانهم تحت حكم بيزنطة الآفلة. يشهد هنا مصدر معاد للترك وهو مطران سالونيكي اليونانية كريكوري بالماس سنة 1354م، حين وقع في أسر العثمانيين، فطافوا به في بلادهم من قلعة إلى سجن إلى ريف، فمدينة، ولاحظ أن المسيحيين كانوا في كل هذه الأصقاع يتمتعون بحرية دينية وبالحق بالمنافحة عن عقيدتهم ومجادلة المسلمين، والتعايش والتزاوج هو السائد (Finkel: 2005، p31) (Barkey: 2008، p61).
في المقابل، لم يقبل كل سكان القرى والمدن الرومية العرض العثماني، فكانوا يقاومون وحين يهزمون كانوا يهجرون مدنهم وقراهم نحو مناطق آخرى، كما حصل سنة 1331م حين استسلمت مدينة إزنيك وهجرها أهلها باتجاه القسطنطينية (Finkel: 2005، p33).
بمعنى آخر، كان عثمان إلى حد ما رجل المسيحيين، أكثر مما هو رجل التركمان، وهو ما سينعكس على شكل الدولة التي سيوسعها أحفاده، حيث إن عديد ذوي المنبت المسيحي من العسكر والإداريين وحتى الرعية في قلب الدولة سيفوق عديد الترك معظم تاريخ السلطنة.

التركمان البحرية
من جانب آخر، ومن ضمن الحلقات الملغاة من ذاكرتنا الشعبية، الحروب الصليبية في بحر إيجه بين الأتراك والروم والجنويين والبنادقة والكتلان والفرنسيين والصرب. تكمن أهمية هذه الحرب الشرسة، التي خاضتها الإمارات التركمانية البحرية بالنيابة عن أهل المشرق، في أنهم أولاً أجبروا الصليبيين على نقل مسرح العمليات العسكرية إلى بحر إيجه بعيداً عن سواحل الشام ومصر (ومن هنا يأتي توقف حملاتهم علينا)، ما يعني أن نهاية الخطر الصليبي على بلادنا لم تكن بسبب سقوط عكا الصليبية عام 1291م على يد المماليك فقط، إنما كانت بفعل التحالف الاستراتيجي الذي عقدته القاهرة يومها مع المجاهدين التركمان في بحر إيجه، الذين لم يكتفوا بحماية بلادنا من بحر إيجه الذي صار خط دفاعنا الأول في مواجهة الغرب (بالمعنى التاريخي إذا شئتم خسرنا هذا الخط منذ حملة الإسكندر الأكبر في القرن الرابع ق. م.)، إنما كسروا أيضاً الحصار الاقتصادي الذي فرضه بابا الفاتيكان في حينها على كل السواحل الشرقية من إزمير حتى الإسكندرية.
ستكون إمارة ايدن لصاحبها عمر باي (تنطق bey) أهم تلك الإمارات البحرية، وهي الواقعة بنواحي أزمير (1309م - 1348م). لنتعرف أكثر على الغازي عمر، علينا أن نعرف أنه صاحب إنجاز مواجهة الصليبيين في بحر إيجه. لكن لماذا هذه البقعة المائية؟
السبب يكمن أنّ في إيجه أرخبيلاً من الجزر (يقدّر مجموع جزر اليونان وحدها بـ 6000 جزيرة)، مثّل نقطة انطلاق وتحميل وسيطرة للجنويين والبنادقة. كان هؤلاء أمماً بحرية صغيرة، لكنها قوية ونشطة وثرية، ومثّلت التحدي الأكبر للبيزنطيين في بحر إيجه. انتقال التركمان نحو الغزو البحري وسلب الجزر من يد اللاتين والروم جعلا التحشد لحملات بعيدة نحو المشرق مكلفاً وغير منطقي. الغازي عمر كان أيضاً أول مسلم أو شرقي ينزل بقواته وأسطوله ليقاتل على أرض البلقان (مرة أخرى منذ الغزو الفارسي في القرن الخامس ق. م.). احترم العثمانيون لاحقاً عمر باي، الذي كان مشهوراً في بلادنا عند معاصريه، وطوّب بطلاً روحياً لغزاة ومجاهدي روملي (الجزء الأوروبي من تركيا المعاصرة). كما ستكون حملاته البحرية وأسطوله النموذج الذي ستحتذيه الحملات البحرية العثمانية والجزائرية في مواجهة أوروبا.
لم تكن هذه الحملات عملاً تركياً معزولاً عن بقية دار الإسلام، فمثلاً يرد في «الدستان» وهو نص تراثي معاصر عن هذه المرحلة، أن المغول تبرعوا بمهندسي حصار، وبمنجنيقَين لإمارة عمر باي، كما جاءهم مهندس مغاربي من أقاصي المتوسط ليساعد حملاتهم البحرية بصناعة قذائف مدفعية متطورة. ما إن قتل عمر باي وهو يقاتل (قيل مات موتة مشرّفة)، وسقطت إزمير بيد تنظيم فرسان الهيكل حتى هزت هذه الأحداث العالم الإسلامي كله في وقتها، وورد ذكرها عند ابن بطوطة الذي كان يزور الأناضول في حينها.

عمر وعثمان
لنفهم أكثر دولة عثمان واستراتيجيته في بنائها، علينا العودة إلى المقارنة التي أجراها كل من المؤرخ التركي الكبير خليل أنالجيك، والباحثة المتميزة كارين باركي من جامعة «بيركلي» الأميركية بين نهج عثمان ومنافسه عمر الذي عاصر أورخان بن عثمان والذي سار على فلسفة أبيه.
يرى أنالجيك أن عمر باي كان نداً قوياً لعثمان، وصاحب مشروع طموح كان يمكنه أن يغيّر تفاصيل التاريخ ويسود بدل العثمانيين. بالرغم من ذلك، كان هناك اختلافات جوهرية بين دولتي عمر وعثمان، فالأول كان في موقع قليل التحصين نسبياً، فهو مكشوف ساحلياً لحملات الصليبيين. بينما كان موقع عثمان منزوياً جهة الشمال الغربي من البر الأناضولي، محاذياً بيزنطة الشائخة. موقع عمر باي جعله مضطراً إلى التوسع غرباً عبر حملات بحرية لا تهدأ، ما جلب له الكثير من الغنائم والأعداء. بمعنى آخر، كانت دولة عمر باي البحرية في حالة حرب شبه دائمة، ما جعله يدير دولته بصرامة وبجيش شبه كامل من الشباب الأعزب (استخدم الأتراك الكلمة العربية ولقبوهم بالعزاب)، ما سيجعله حاكماً معتمداً على قوة أصغر عدداً وأكثر كلفة (قرابة 3000 جندي). هذا البناء السياسي الرأسي سيكون في طبيعته مائلاً أكثر إلى التراتبية والطغيان كما ترى باركي (Inalcik: 1993، p179-2017) (Barkey: 2008، p55-56).
بعكس عمر باي، كان عثمان وبفضل موقعه قادراً على اختيار معاركه ورجاله، فلم يكن مضطراً دائماً إلى التعامل مع كل حملة صليبية تهب على المنطقة، أو التورط بصراعات التركمان حين لا يناسبه الأمر. هذا الأمر جعله يخطط برويّة لغزواته، وينسج التحالفات، ويجنّد الأنسب من المقاتلين ليضيفهم إلى جيشه، حيث سيأتي هؤلاء المغامرون كمرتزقة موسميين كما أوضحنا من كل عرق وملة، ينفذون حملتهم، يقهرون عدوهم، ينالون حصتهم من الغنائم وينتشرون عائدين إلى أوطانهم. هذا التنظيم جعل عثمان يبدو أكثر عدالة وأريحية مع رعيته ورجاله، في دويلة ذات جهاز بيروقراطي خفيف، وهو ما سيميز لاحقاً إمبراطورية أحفاده (Inalcik: 1993، p179-2017) (Barkey: 2008، p55-56).
هنالك اختلافات أعمق بعقلية كل من عثمان وعمر في التعامل مع الأرض وأهلها المسيحيين. فكما مرّ معنا، نشأ عثمان بين المسيحيين وحالفهم وصاهرهم منذ وقت مبكر على نهج أسلافه السلاجقة، وكان يرفض حسب الوثائق المتاحة للمختصين نهب وتدمير القرى المسيحية، ليظل الأهالي ويعمروها ويدفعوا ما عليهم من ضرائب. أما عمر باي، فكان يمثّل عقلية الغازي الذي فاجأه أن الأرض التي ورثها عن أبيه (إزمير) كانت مليئة بالمسيحيين، الأمر الذي أثار ذعره.
بعكس عثمان، خاض عمر باي حرباً بشعة لعامين حتى يخضع المدينة ومحيطها وليوطن قواته وقادته (Barkey: 2008، p56). يضيف أنجيليك هنا أن عمر باي لم يكن مؤمناً بكسب أراض جديدة، وبالتالي بتطوير سياسة تعايش مع المسيحيين، وذلك لأسباب لها علاقة بطبيعة دولته الغازية التي كانت تميل إلى اقتصاد الغارات البحرية واستحصال الجزية من المسيحيين الروم أو اللاتين. رغم كسبه صداقة إمبراطور بيزنطة كانتاكزينوس، الذي عقد معه حلفاً، وكان يصفه بـ«أخي»، ظلّت سفن عمر تحوم قبالة المرافئ اليونانية، مثيرة الرعب والسخط عليه.
إحدى السمات المميزة بدولة عثمان وولده أورخان كان استعدادهم لتوظيف الإداريين اليونانيين، حتى تدار الأرض ويعامل الناس بإنصاف (نسبياً وبمقاييس عصرهم). يمكن تتبع ما حدث وكيف تعامل كل طرف منهم حين اندلعت الحرب الأهلية البيزنطية عام 1341م. حشد طرفا الروم في الصراع كانتاكزينوس والباليولوج قواتهم، حيث ضم كل معسكر إليه فرساناً من الأتراك، ووجد عمر باي وأورخان بن عثمان أنفسهم بالمعسكر ذاته، فطلبت منهم حليفتهم أسرة كانتاكزينوس نقل قواتهم إلى البر الأوروبي لأول مرة، ليقاتلوا خصومهم المسيحيين في تراقيا ومقدونيا. ما حصل أن أورخان انتهز الفرصة وأرسل ولديه سليمان ومراد ليتعرفا الى تضاريس البلقان وحصونها واستكشاف أرضها والتواصل مع الأقطاب المحليين ونسج التحالفات. وفي المحصلة، نجح العثمانيون في محاصرة أدرنة وفتحها، ونقل عاصمة ملكهم إليها عام 1363م لتبدأ المرحلة الأوروبية في التاريخ العثماني (Barkey: 2008, p55-56).
أما عمر باي، فاكتفى بالنهب والسلب رغم ضخامة مساهمته بـ 300 سفينة وقرابة 15 ألف جندي حسب المصادر التركية (وقرابة 30 ألفاً حسب المصادر اليونانية)، وانسحب بحلول صقيع الشتاء ولم يفكر كالعثمانيين بضم أراض استراتيجية. في النهاية، هزم مشروع عمر باي على يد حملة قوية شنها تنظيم «فرسان الهيكل» الصليبي وخسر إزمير، واكتفى بما يملك من نواحي المنطقة ومال بعدها ولده إلى مهادنة اليونانيين والصليبيين اللاتين وترك الحرب (Inalcik: 1993، p179-2017).

خاتمة
نبعت كلتا القوتين القيصرية الروسية والعثمانية التركية من تجارب مشابهة لتجاربنا، غزو مغولي، تهديدات صليبية غربية، نخبة مسيحية مهيمنة بتراث قانوني إسلامي، بذخيرة لغوية عربية فارسية يونانية. بشكل أو بآخر، هذا ما يجمع بين هذا المجال الأوراسي الكبير الذي يشمل بلادنا كما يرى مايكل رينولدز. يضيف هنا رينولدز أن العثمانيين وقياصرة روسيا ثبتوا شرعيتهم كورثة لجنكيزخان وكروما الجديدة كما رأينا. وربما كان لذلك علاقة بسقوط كل من القسطنطينية على اليد الصليبيين الغربيين 1204م، وبغداد بيد المغول 1258م، والفراغ الشرعي الحاصل. صعدت كل من موسكو واسطنبول كعواصم جديدة تستمد كل منهما شرعيتها على تراث القياصرة والخانات والخلفاء.
بعكس إمارة موسكو في الجزء الأول من هذا المقال، لم يبنِ العثمانيون دولتهم في ظل أسياد أقوى منهم، وهناك نقاش حول مدى اعتماد العثمانيين على التراث البيزنطي في الإدارة والضرائب والحرب. كان العثمانيون واعين لفكرة أنهم بعكس إمارة موسكو، ورثة تراث ضرائبي وعسكري وإداري إسلامي وشرقي عريق، يقوم على مبدأ أن تفتح أرضاً وتتعامل بانفتاح وبراغماتية مع القوى المحلية، كونك أقلية عسكرية غير منتجة، وهي الفلسفة التي اعتمدها الفاتحون العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي.
لم يبدأ العثمانيون أمرهم بالتعصب والانغلاق، ولم يكن العنف صفة استثنائية فيهم، بل ربما كانوا الأكثر انفتاحاً وبراغماتية في عصرهم، فكانوا مشروعاً عسكرياً توسعياً يؤمن بدمج الجميع، لكن هذه البراغماتية تضيق وتتسع حسب الظروف. وأخيراً، نأمل بعودتنا لسبر بدايات العثمانيين، أن نساهم في نبذ النظرة التبسيطية المسبقة عنهم لنطور فهماً أكثر دقة لتاريخنا.
* كاتب عراقي