تولى حزب العدالة والتنمية المغربي المسؤولية الحكومية في سياق سياسي خاص، وذلك في إطار الانتقال الديموقراطي السلمي للسلطة: كانت حناجر الشباب لا تزال تصدح بشعارات حركة ٢٠ فبراير، وكان الجميع وقتها ينتظرون من المسؤولين الجدد تقديم حلول عاجلة لمشكل البطالة. أتذكر كلاماً لبائع مأكولات شعبية في ذلك الوقت: «اليوم جاءت حكومة من الشعب بدل حكومات المتعلمين الفاشلة!». كان يعتقد أن أصحاب اللحى سيحدثون طفرة نوعية. لكن الأيام جعلت الحُسين يغيّر رأيه. مع زيادات الأسعار المتسارعة، بدأ جهمور «البنكيرانية» يتساءل: أين الوعود؟ هنا بدأت البنكيرانية تمارس لعبة القَفْزِ الطُّولِي: حين حُوصِرت شعبياً، بدأت تطلق تعويذات سحرية حتى تُشْغِل جمهورها عنها وعن أدائها. هكذا دخلت مصطلحات جديدة لحقل التداول الشعبي، نذكر من بينها: مصطلح التحكم، والبلوكاج، والتماسيح، والفساد وغيرها، قبل أن تَنْسَخَها مصطلحات جديدة كان أشهرها «عفا الله عما سلف!». تنسب البنكيرانية سبب فشلها دائماً إلى الريمُوت كُنْترُول، وكأننا أمام دُمى بشرية. وبدأ الجمهور إياه بدوره يصنف الناس بين «شعبي» و«ليبرالي» (تعني ليبرالي في الاصطلاح «العامي»: ملحد، كافر، لص، وفاسد). والحق يقال، فقد زرعت البنكيرانية روح الدعابة داخل البرلمان، وذلك عبر لغة الحرب الكلامية. شغلت ربطات عنق رئيس الحكومة السابق وسائل الميديا، قبل أن يستفيق الشارع ويكتشف قرارات الحكومة: زيادات في أسعار المحروقات وغيرها من مواد. وبدأ المواطنون يُعربون عن استيائهم من الحزب الإسلامي، وفي ذلك قالوا: «لم نرَ سوى زيادات متتالية في أسعار المحروقات». ويقول مواطن آخر: «لقد ساندْتُ البنكيرانية منذ البداية، غيْر أنّني اليوم مُحبط! غلاء معيشي، انعدام الأفق، وفقدان الثقة...». ويرى مسؤول نقابي بارز أن «الحكومة أرهقتْ جيوب المواطنين، جراء الزيادات التي عرفتها أسعار المحروقات والماء والكهرباء وعدد من المواد الاستهلاكية». لكن الناطق باسم الحكومة يرى عكس ذلك، فقد أكد لوسيلة إعلام أجنبية أن «حصيلة العمل الحكومي إيجابية على خلاف ما يُروّجه البعض»، واستند إلى أرقام مؤسسة «موديز» في تقييمها للاقتصاد الوطني، حيث انتقل من سلبي إلى مستقر، وتقلص عجز الميزانية بما يقارب نقطتين من الناتج الداخلي الخام». وبخصوص بطالة المتخرّجين، يرى الحزب أن ذلك ليس سوى «مشكلٍ ظرفيٍّ يقتضي حلُّه رفع نسبة النموّ». تلك إذاً إنجازات دقيقة يتطلب فحصها تحليلاً مجهرياً.

أدّت هذه القرارات إلى سحق الطبقة الوسطى التي كانت في ما قبل طبقة ميسورة. أصبح المرتب الشهري للطبيب الممارس بالكاد يلبي متطلبات التعليم الخاص، وأقساط السيارة، والمسكن. ولعل أهم القرارات غير المحسوبة العواقب التي قامت بها حكومة بن كيران هي رفع الدعم عن المحروقات، وتدوير زوايا صندوق المقاصة (صندوق كان مخصصاً لدعم أثمان المواد الأولية المسوقة في المغرب، وكذا أثمان بعض المنتجات الموجهة للاستهلاك في الجنوب المغربي).
إن الركود الذي تشهده الاقتصادات المنظمة في المغرب هو نتيجة حتمية لزحف الاقتصادات السرية غير المهيكلة التي تضيع على خزينة الدولة المغربية 34 مليار درهم (ما يقارب 35 مليون دولار)، لم تخرج للوجود بعد القوانين المتعلقة بالتجارة غير المهيكلة أو ما يطلق عليه شعبياً بالتجار الجائلين. متى تصدر تلك القوانين؟ نقلت جريدة التجديد عام 2012 عن وزير الداخلية في حكومة بن كيران الأولى، «أنه تم إنجاز دراسة حول مشروع قانون الباعة الجائلين، وأن القانون سيرى النور قريباً». لكن المشروع ظل حتى اليوم، حبيس أدراج الدوائر الحكومية. يربح باعة الخضر والفواكه يومياً في المساجد/ الأسواق ما بين 20 و 70 دولار، بينما يعتقد الناس أنهم فقراء. يذكر أن الإسلاميين ينشطون عادة في القطاعات غير المهيكلة، خاصة في «المساجد الأسواق». هل للأمر صلة بأصوات الناخبين؟ يذكر أن مسلسل التنمية الذي أطلقته حكومة التناوب، قد خضع خلال السنوات السبع الأخيرة، لإعادة «تقييم وهيكلة»، لم تظهر نتائجها بعد.
لم تستطع «حكومة الإنجاز والفعل» بدورها، تحقيق تطلعات الشعب المغربي والقطاع الاقتصادي، وقد كشفت المقاطعة الشعبية انفصال حزب العدالة والتنمية عن حاضنته الشعبية. وأصبح حتى الموالون للحزب ينتقدون أداءه الحكومي، ويتربصون بوزرائه وتصريحاتهم، في وسائل التواصل الاجتماعي. هل تطلق الحكومة مشاريع وَورش؟ هل تجد الحكومة حلّاً للتشغيل؟ هل تجد مخرجاً للغلاء المعيشي؟ هل تسحب المعارضة الثقة من الحكومة؟ هل تستقيل الحكومة فردياً أم جماعياً؟ هل يفلح الحزب الحاكم في تحقيق مطالب الحراك الوطني. هل يترجم وعوده إلى إجراءات مرئية؟ تشير بعض المؤشرات إلى وجود أزمة داخلية داخل حزب العدالة والتنمية (نتذكر قصف الكتائب لفريق المستوزرين، عشية تشكيل «حكومة الإنجاز والفعل»)، ستُعْقبُها، على ما يبدو، «تصدعات» في صفوف الحزب.
تكشف إحصاءات رسمية تخصّ سوق الشغل أن عدد العاطلين من العمل في المغرب قد انتقل عام 2017 من مليون و90 ألفاً إلى مليون و123 ألف شخص. وسجلت أعلى معدلات البطالة في صفوف الشباب، وبينهم 17 في المئة من حاملي الشهادات. ذلكم ما يفسر الحضور الكثيف للشباب في تظاهرات الحسيمة، وغيرها من المدن المغربية، احتجاجاً على الحكومة، وفي غياب خطط فعلية للتشغيل فإن العدد مرشح للزيادة.
تميّز حكم البنكيرانية خلال السبع سنوات الأخيرة بغلاء الأسعار، واحتقان شعبي، وفرض التعاقد بدل التوظيف المباشر، و«وصول النظام التعليمي إلى درجة الإفلاس الحقيقي»، كما صرحت، سيدة برلمانية من حزب العدالة والتنمية، وزد على ذلك، فقد دُوِّرَت زوايا صندوق التقاعد وصندوق المقاصة، نزولاً عند رغبة صندوق النقد الدولي. ساهمت البنكيرانية كثيراً في نشر فكر عدمي أجهز على إنجازات الحكومات الوطنية.
عندما تولى عبد الرحمن اليوسفي حكومة التناوب، شَمَّرَ عن ساعد الجد، وبدأ العمل وحقق بعض آمال شعبه. كان كما وصفه الأخضر الإبراهيمي «الشخص الذي يلوي لسانه سبع مرات قبل أن يتكلم». وقف بنفسه على سير الورشات، وبدأ الإصلاح، وتحقق ملف الإنصاف والمصالحة، ودارت عجلة الاقتصاد، وتجاوز البلد حالة السكتة القلبية. وبدأت صفحة جديدة بين السلطة والمواطن. ذلكم ما يفسِّر تقدير البلاط المغربي للقائد الوطني عبد الرحمن اليوسفي.
* كاتب مغربي