يمكن القول إنّ الحكومة السعودية من أكثر دول العالم انتهاكاً لحقوق الإنسان، وكان إعدام الشيخ نمر النمر، أبلغ مثال، فذنبه الوحيد هو انتقاده للنظام في خطبه ومطالبته بإصلاحات سياسية، وحتى محكمة الإرهاب التي مثل أمامها -بغض النظر عن نزاهتها- لم تدينه إلا بتهم فضافضة مثل «التحريض على الخروج على ولي الأمر».
وبتجاوز جريمة إعدام الشيخ النمر رغم شناعتها، لكن هناك غيره من المئات إن لم يكن الآلاف من النشطاء الذين أودعوا في السجون السعودية منذ عام 2013، وقضت محكمة الإرهاب سيئة السمعة بسجنهم مدداً تتراوح بين 10 و30 عاماً.
ولا بد من الإشارة هنا سريعاً إلى محكمة الإرهاب، فهي أنشئت في 2009 بأمر من وزير الداخلية حينها نايف بن عبدالعزيز لمحاكمة الموقفين على «ذمة قضايا أمنية»، لكنها منذ ذلك الحين صارت سيفاً مسلطاً على رقاب الحقوقيين والمنادين بالإصلاح، وتعقد محاكمتها بشكل سري، ووفقاً لمحامين ترافعوا أمامها مثل عبدالعزيز الحصان الباحث في كلية الحقوق في جامعة أيوا الأميركية، «فإن المحكمة كانت تعقد جلساتها بحضور رجال المباحث السياسية وكان القضاة يتلقون التوجيهات مباشرة منهم»!

أنشئت محكمة الإرهاب
عام 2009 لمحاكمة الموقوفين على «ذمة قضايا أمنية»

آخر ضحايا هذه المحكمة هو الكاتب زهير كتبي التي قضت بسجنه أربع سنوات الشهر الماضي، لمطالبته بنظام ملكي دستوري في لقاء تلفزيوني، وقبله أكثر من 11 من أعضاء جميعة الحقوق المدنية والسياسية الذين أصدرت المحكمة ضدهم أحكاماً تراوحت بين 10 إلى 15 عاماً، إضافة إلى المحامي وليد أبو الخير الذي رغم رفضه الاعتراف بها «لأنها تدار من وزارة الداخلية» حسب قوله، إلا أنّه معتقل منذ 2013 لقضاء عقوبة بالسجن 15 عاماً أصدرتها المحكمة ذاتها.
المؤسف، أنّ السعودية ساعدت وحرضت دول الخليج الأخرى خصوصاً البحرين والكويت وعُمان، على أن تسلك مسلكها في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، فبعد دخول قوات الاحتلال السعودي إلى المنامة وفضها بعنف دموي لاعتصام دوار اللؤلؤة في آذار/ مارس 2011، بدأ النظام البحريني حملة اعتقالات غير مسبوقة طالت أكثر من ثلاثة آلاف من نشطاء الحراك الديمقراطي بينهم نساء وأطفال، غالبيتهم العظمى مازالت في السجون وصدرت ضد بعضهم أحكام بمدد تجاوزت العشرين عاماً، فيما مات آخرون نتيجة التعذيب.
أما الكويت فتحولت منذ 2012 إلى دولة قمعية بامتياز بعدما كانت أكثر دولة عربية فيها مساحة من الحرية والممارسة الديمقراطية، فصارت وظيفة وزارة الداخلية اعتقال أي شخص ينشر تغريدة على موقع تويتر تنتقد السعودية، مثل الصحافي حامد بويابس والناشط محمد العجمي وكلاهما صدر ضده حكم بالسجن لمدة عام، بل لم يشفع للكاتب صالح السعيد تاريخه الصحافي، إذ أودع السجن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ليقضي حكماً نهائياً أصدرته محكمة كويتية بحبسه ست سنوات بتهمة الإساءة للسعودية في لقاء تلفزيوني!
المثير للقلق أن هذه الانتهاكات، تتم وسط صمت دولي مطبق، فمثلاً الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لم يجدا حرجاً من القول العام الماضي في مقابلتين تلفزيونيتين منفصلتين «إنهما يتحاشان انتقاد انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية علناً، لأنه هذا قد يضر في العلاقات مع الرياض، مؤكدين أنهما يناقشان هذه القضايا مع المسؤولين في المملكة بعيداً عن الإعلام».
من الواضح أنّ هذا «الضغط من وراء الكواليس» المزعوم لم ينفع، إذ زادت انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية تحديداً ودول الخليج الأخرى، بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد مثلاً السجون السياسية في السعودية كافية للعدد المتزايد من المعتقلين السياسين (قدرتهم منظمات حقوقية مثل حسم بأكثر من 30 ألفاً فيما تقول السلطات إنهم لا يتجاوزن 5 آلاف)، حتى أن وزارة الداخلية أعلنت في 2009 البدء في إنشاء أربعة سجون جديدة تابعة لجهاز المباحث العامة (السياسية) سيئ السمعة.
الأكيد أن حقوق الإنسان في السعودية وجاراتها الخمس المطلة على الخليج العربي ستشهد مستقبلاً أكثر سواداً، لا سيما في ظل تولي إدارة الحكم في الرياض قيادة جديدة توصف بالرعونة والدموية، خصوصاً وزير الداخلية وولي العهد محمد بن نايف، الذي وصفه رئيس الوزراء اللبناني السابق سعدالدين الحريري في لقاء مع مسؤولين أميركيين بأنه «سفاح»، وفقاً لوثيقة صادرة من السفارة الأميركية في بيروت، سربها موقع ويكيليكس في 2009.
(من الاشخاص الذين سحبت جنسيتهم البحرينية بسبب نشاطه الحقوقي)
* المدير التنفيذي لمنظمة «أميركيون من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان في البحرين»