نُشر في «الأخبار» (ص 3) يوم الخميس الفائت أن «تقارير تُرفع إلى رئاسة الجمهورية تباعاً وتتضمن تحذيراً من موجة الشحن الطائفي والمذهبي التي يشهدها الجبل...». هذا، في الواقع، لا يقتصر على الجبل وإن كان قد برز هناك، بشكل خاص، في مرحلتَي التعبئة للانتخابات النيابية ثمَّ التجاذب المستمر بشأن صيغة التمثيل الدرزي في الوزارة العتيدة. إن المضي في تطييف «اللعبة السياسية» في البلاد ومذهبتها هو أمر متواصل في كل الحقول. وهو، منذ سنوات، يتصاعد بشكل مقلق مُطيحاً «تسوية الطائف» لعام 1989، ليس فقط، من خلال تجاهل الإصلاحات التي شكلت أحد أبرز عناصر تلك التسوية، بل أيضاً من خلال السعي للارتداد على هذه الإصلاحات وتكريس وإدامة، تكراراً، صيغة سياسية طائفية ذات شرعية مكرسة في الدستور نفسه بعد تعديله إذا أمكن وليس الاكتفاء بتعطيل إصلاحاته.

في «الثقافة» السياسية «اللبنانية»، التي يجري الترويج لها باستمرار، أن لبنان بلد طائفي: «هكذا هو لبنان»، يُقال، وهكذا سيبقى. في امتداد ذلك، يجري تبرير الانخراط في التجاذب الطائفي إلى حد اعتماده أساساً وحيداً للوصول إلى السلطة وبناء توازناتها وعلاقات أطرافها، بعضها بالبعض الآخر، ومن ثمَّ السعي لنيل حصة وازنة في النفوذ السياسي والإدارة والموازنة... والمفارقة التي تبلغ، غالباً، حدود الوقاحة والاستغباء، أنه يجري باسم تسوية «الطائف» التنكر للعديد من مضامين تلك التسوية ولبنودها الإصلاحية، وخصوصاً تلك التي تكرست في الدستور اللبناني. أي أنه يجري التذرع بتسوية «الطائف» لرفع مطالب متعارضة تماماً مع جوهر تلك التسوية.
يشترك الجميع في لعبة تعطيل إصلاحات «الطائف». يفترقون، فقط في الأساليب والبدائل. إصلاحات الطائف هي، ببساطة، وفق الدستور ونصوصه نفسها المرحّلة إليه من وثيقة «الطائف»: إن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية» (مقدمة الدستور). وقد ضمّن واضعو «وثيقة الوفاق الوطني» في «الطائف»، الوثيقة، ومن ثم الدستور، آلية متكاملة لتحقيق هذا «الهدف الوطني»: إنشاء مجلس نيابي «انتقالي» على أساس «المناصفة» بين المسلمين والمسيحيين. وتطلب المادة 95 من الدستور، بصيغة الأمر، إلى هذا المجلس (أي مجلس عام 1992) «اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية»... مهمتها «دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية»... تمهيداً، تنص الفقرة «ب» من المادة نفسها بشكل حازم على ما يأتي: «تُلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات العامة والمختصة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وفيما يعادل الفئة الأولى...».
ليس صعباً الاستنتاج بأن الدستور، في هذه المسألة المركزية، معطَّل بالكامل، بل إن الأمور تجري تماماً بعكس مقتضاه وبنوده: في مخالفة صريحة، يجري التذرع بـ«الميثاقية» لتبرير المضي فيها إلى حدود الانقلاب الكامل على «الطائف» وعلى إصلاحاته خصوصاً. ولقد نجحت القوى الحاكمة في تصوير أنها إنما تطبِّق الطائف في مطالبها ومواقفها وممارساتها وتنافسها... وهي خدعت، في من خدعت، فئة سطحية من حملة شعار التغيير، لجهة الزعم أن «الطائف» هو مرجعها في ما تعتمده من سياسات طائفية وفئوية. وهكذا باتت قوى السلطة معفيةً من المحاسبة على خرقها للدستور وارتدادها على الإصلاح، وما يستتبع ذلك من إمعانها في إضعاف الدولة ونهبها وتحاصص مواردها ووظائفها وبناء دويلات على حساب الدولة عبر إقطاع سياسي قديم أو جديد يُقيم بدوره، علاقات تبعية خارجية، للاستقواء على حساب الوحدة الوطنية واستقرار الدولة وسيادتها ومصالحها.
كما درجت العادة تقليدياً، يوحي اليوم فريق أساسي في السلطة، الآن، أن أهم شروط «الوفاق الوطني» هو الإبقاء على الصيغة الطائفية للحكم بموجب الدستور نفسه. هذه مغالطة مفضوحة لأن النص الدستوري الوارد آنفاً يؤكد أن إلغاء طائفية الوظيفة، مثلاً، هو من مقتضيات ذلك الوفاق في صيغة الحكم الجديدة. وأن ضمانة احترام ممارسة الحقوق الطائفية بما هي حقوق روحية ودينية و«مصيرية» إنما تمكن في إنشاء «مجلس شيوخ» يستحدث لهذه الغاية. وهو مجلس يتكامل إنشاؤه مع تحرير الحياة السياسية اللبنانية من القيد الطائفي لمصلحة المساواة بين اللبنانيين واللبنانيات التي يلح عليها الدستور في أكثر من بند: «كل اللبنانيين سواء، لدى القانون... دونما فرق بينهم» (المادة 7 من الدستور).
لا شك أن الإصرار على اعتماد شكل من التنافس أو الصراع على السلطة يقوم على تعبئة العصبيات الطائفية والمذهبية، هو ما يبقي لبنان بلداً غير محصن في وحدته الوطنية وفي استقرار مؤسساته وترسُّخها وفي علاقاته الداخلية والخارجية. ويحاول فريق في السلطة الآن استعادة بعض صيغ الحكم في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية. ويقع الشحن الطائفي الذي تتحدث عنه التقارير وتضج به الحياة السياسية، في مقدمة الأساليب التعبوية المعتمدة في توجُه غير مسؤول لجهة النتائج التي قد تترتب عليه في مرحلة ليست بعيدة بالضرورة، وخصوصاً في ظروف إقليمية ودولية متحركة قد تنقلب في الغد إلى عكس ما هي عليه اليوم.
إن ذر الرماد في العيون من خلال القول بأن المساواة الطائفية الكاملة هي الممر إلى الانتقال نحو دولة المواطنة حسب الدستور، إنما هو قول مخادع لأن من يحصل على نصف السلطة بوسيلة الممارسة الطائفية، لن يتخلى عنها، أو عن جزء منها، وخصوصاً عندما تكون «المناصفة»، بحد ذاتها، بسبب الخلل الديموغرافي المتمادي، أحد أشكال الامتيازات الجديدة. إن مئات الشابات والشباب ممن خضعوا لامتحانات «مجلس الخدمة المدنية»، في الفترة الأخيرة، يُمنعون من الالتحاق بوظائفهم بسبب عدم «التوازن الوطني»! يجري ذلك بذريعة «ميثاقية» كاذبة، ومخالفة للدستور بشكل فاضح ووقح! ويعاني الآن عشرات آلاف الموظفين من هجمة «حزبية» وفئوية في كل مواقع الإدارة بذريعة استرداد «الحقوق» عبر عملية تمييز واستئثار وتسلط لن تحمد عقباها، بكل المقاييس.
لا داعي للتذكير باستمرار الخسائر المخيفة التي تضع لبنان على حافة الإفلاس، بسبب الشلل والتعطيل والصراع على الحصص: من تأخير استخراج النفط، إلى تعاظم الدين العام، إلى تردي الخدمات وكلفتها العالية، إلى البيئة المُشبعة بالسموم والتعديات، إلى تدهور الإنتاج والسياحة، إلى التسابق على النهب والفساد... إلى الآفات الاجتماعية الملازمة في كل الميادين...
التحذير على طاولة الرئيس: هل تمضي الأمور في مسارها السابق الذي وفر لفريق «العهد» (ولسواه من قبله) مكاسب تباهى ممثلوه بتحقيقها بأساليب الشحن الطائفي، أم يحصل تحوُّل، وبالتالي استدراك للمخاطر المحدقة التي عاناها اللبنانيون انقساماً وحروباً وخسائر بشرية ومادية ومعنوية لا تُعوّض؟!
* كاتب وسياسي لبناني