خلت مقابلة «الجزيرة» مع زعيم «جبهة النصرة» من أيّ سؤال محرج. لا أقول «خلت تقريباً»، بل خلت تماماً. أسئلة لطيفة عموماً، وما خشن منها جاء من باب رفع العتب. «الجزيرة» تسأل عن استباحة دماء بنات وأبناء الاقليات وعن التكفير كمقدمة للذبح، كما لو انها تسأل عن سبب عطب في سيارة. مقابلة ودودة خرج فيها قتلَة التكفير والطائفية والمذهبية، أشباه ملائكة.


وجبهة النصرة كمنظمة حقوق انسان على الأقل. زعيم التكفيريين يتحدث كمنظّر، صورته تصبح أنعم فألمع كلما تقدّمت دقائق المقابلة. أما الذروة، قمة «افرست» المقابلة، فجسّدها التصريح التالي لزعيم جبهة النصرة: في حرب الجزائر ضد الاستعمار قُتل مليون وفي هذه الحرب الطائفية يقتل مئات الآلاف. بدا هذا التكفيري للحظة كمن يتذمّر من الطائفية، ينتقدها، يتحدّاها، بل يحذّرنا من فداحة ثمنها. تكاد لربع لحظة تظنّ ذلك قبل أن تفطن من المتحدّث: زعيم حركة أكسجينها الطائفية والمذهبية والتكفير. شدّة مهنيّة الجزيرة وحيادها المثالي يكاد ينسيك الحقائق ونصابها!
كارثيّ هذا الحياد. مثلما حين يقول لك البعض: «هناك قوى تكفيرية هيمنت على الحراكات الثورية العربية». هيمنت وكفى! من دون الإشارة أو التساؤل على الأقل عن مصدر قوة هيمنة تلك القوى من حيث التمويل والتسليح والتغطية (التغطية عليها وتغطية سطوتها بسخاء اعلامياً!). فهذه القوى ليست ظاهرة طبيعية! بل لها سياق ودور سياسي واجتماعي واقتصادي. هنا، يصحّ التمعّن في ارتباطات وأولياء نعمة الذين يتذمرون من شبكات التكفير المنظمة ولكنهم لا يجرؤون على إثارة السؤال لدى الجمهور: من الذي ابتاع خدمات التكفيريين وتحالف معهم أحيانا؟ من راهن عليهم؟ من سكت عليهم؟ من موّلهم؟ من أين «يعتاشون»؟ ماذا ومن يخدمون؟!
إن الجبن المخلوط بانتفاع مصلحي انتهازي لدى طبقة معيّنة من الاعلاميين والكتَبة والمتحدثين، هو حضيض الحضيض الأخلاقي.
لو أعدنا تقسيم الوضع سنجد معسكرين: معسكر المستفيدين المنتفعين وتجّار السياسة والدين والحرب من جهة، ومعسكر المبدئيين والايديولوجيين والوطنيين عموماً.
في المعسكر الأول قد نجد أنماطاً رخيصة، ذليلة، مع مختلف «أقنعة الايديولوجات».
وفي الثاني سنجد القومي واليساري والاسلامي والليبرالي معاً.
هناك توابع هلامية تباع وتشترى سواء من قبل أنظمة أو معارضات من انتاج/ توجيه خارجي.
وهناك شخصيات وشرائح وحركات ومجموعات وطنية وثورية يظل همّها الوطن حتى لو لم تتفق ايديولوجياً. همّها هو الهم العام وليس المنفعة الخاصة.
فالسجال والصدام والتناقض ليس بين علمانيين وبين مؤمنين ومتدينين. هذه ديماغوغيا لا أكثر. بل هو صدام وصراع بين توجّه مدني وطني يعجّ بالمؤمنين الطيبين غير المتاجرين بالدين، وبين من يزعمون احتكار الدين وتفسيره وشرحه وتطبيقه بشكل متعصّب وإقصائي خدمة لمصلحتهم بالتسلط على الحكم والمجتمع والوعي معاً.
في خطاب العرب اليومي، بشتى اللهجات، من الصعب قول جملة بدون الحمد لله وان شاء الله وبعون الله. وهذا خطاب اصيل وطبيعي وحقيقي. شعوبنا بغالبيتها مؤمنة. وآن الأوان لوضح حدّ لكذبة أن «هناك معارضة للدين والايمان»، لأن هذا كذب! انظروا إلى حركاتنا وأحزابنا التي نسميها علمانية هنا أيضاً - «الجبهة» و«التجمع» - فيها حشود من المؤمنات والمؤمنين الوطنيين الشرفاء.
وكيف تعرف المتديّن أو المؤمن المحترم من الطائفي الزبالة؟ مثلاً: من أن الأول سيشعر بالغضب والاهانة لو شتم أحدهم الله أو أيا من الأنبياء على مسمع منه، لأن هذا يمس بمشاعره. أما الثاني - الطائفي الزبالة - فلا يهمه الله بالمرة. ولو سمع كفراً بجانبه أو تحقيراً للايمان فسيواصل التهام طعامه وشرابه ومكالماته وسائر انشغالاته. أما لو سمع كلمة عن نبيّ طائفته، فيا للويل. عندها لن يكفي الثور الهائج لوصف ما سيحدث. لا علاقة بين الطائفي والدين والإيمان بالمرة، علاقة الطائفي هي مع التعصّب القطيعي لا أكثر. اليسار العلماني مطالب بمقولة واضحة: يجب على تجّار الدين، من كل الطوائف والأديان وفي كل مكان - أن يعرفوا تماماً أنه حتى لو كنا علمانيين وليس متدينين أو حتى ملحدين، فلدينا أقارب وأصدقاء وجيران وأولاد حارة وبلد وأعزاء من المؤمنين والمؤمنات، المتدينين والمتدينات، نحترمهم ويحترموننا ونعزّهم ونقدّر إيمانهم الصادق بكل بساطة وصدق. أما ذلك النوع الذي يسعى لجعل الانتماء الديني «بزنس»، سواء لمنافع السياسة أو المال أو غيرها، فيجب أن يعرف تماماً أنه ليس بمقدوره ولا بمقدور غيره ادعاء امتلاك الله أو الانبياء أو الاديان. هؤلاء ليسوا سلعاً للبيع والتجارة. وحتى لو لم تكن متديناً أو مؤمناً يجب أن ترفض هذه التجارة الرخيصة. هذه المقولة يجب ألا تبقى «بيننا» هذا هو خطاب العقل الذي يحاور ويحترم عقول الناس. ويظلّ السؤال الأهمّ: متى يعود اليسار العربي من غربته إلى الناس؟!
* كاتب فلسطيني