ألقى بان كي مون موعد انعقاد مؤتمر جنيف اثنين على سمع المترقبين بلهفة وتوجس لهذا الموعد، ثم ترك الجميع لتداعيات هذا الإعلان. فالحكاية لا تكمن في تحديد الموعد، بل في إنجاز الغاية التي من أجلها تقرر انعقاد المؤتمر.


الجميع تلقف الموعد، لتتوالى وتتشابك بعد ذلك المواقف والتصريحات وتدخل في دوامة الرؤى والشروط التي تحكم مشاركة كل طرف من الأطراف، التي تتصارع على الأرض. أو من تلك الفاعلة والمؤثرة مباشرة في ساحة الصراع، وينضم إلى المشاركين أيضاً أطراف تريد أن تحجز لنفسها مكاناً في عربة الحل التي انطلقت من جنيف أيضاً، لكن من حلبة أخرى أطرافها لهم الأثر الأكبر في الأزمة السورية.
الكل يسعى جاهداً للوصول إلى يوم انعقاد المؤتمر بمشاركة وفود تمثل جميع الأطراف، إلا أن تحقيق هذه النتيجة يتطلب كما هو واضح للعيان الكثير من جولات الحوار الثنائية والثلاثية وأخرى أوسع مشاركة. ويبقى أهمها تلك التي تجرى في الغرف المغلقة، التي يعاني المشاركون فيها من كثرة الانتقال من فوق الطاولة إلى تحتها، حيث تتميز المسألة السورية بأن الآمال تتعلق بمعظمها على ما يُتفَق عليه ويُرتَّب تحت الطاولة أكثر بكثير مما يُعلَن الاتفاق عليه فوق الطاولة. كذلك تتميز أيضاً بأنها فرضت تسليط الضوء بنسبة كبيرة على تفاصيل ما تحت الطاولة نتيجة تعنت وفجور بعض الأطراف ومن يقف خلفها من الدول التي لم تعد تهتم بستر معاصيها، بل تضع تلك المعاصي والارتكابات في سياق الواجب والضرورة الاستراتيجية التي تخدم مصالحها وسياساتها المستندة إلى ركائز حاملة لوجود واستمرار هذه الأطراف وتلك الدول الحاضنة لها. موعد جنيف اثنين أصبح محدداً، ما يفرض على أطراف الأزمة السورية من حكومة ومعارضة بكل مكوناتها، إضافة إلى الأطراف التي تتصارع على الأرض السورية وتستثمر هذه الأزمة لمصلحتها، والأطراف الداعمة وتلك المؤثرة والمتاثرة بما يجري في سوريا، عليهم جميعاً أن يستعدوا بجداول أعمال يرتبون فيها أولوياتهم في الحوار ورؤيتهم للحل. وبما أن الدول الكبرى الراعية لهذا الحدث لم تتمكن من تحديد الخطوط العريضة له، ولم تضع سقوفاً لما يمكن أن يطرح في المؤتمر، ولم تتفق على ترتيب الأولويات التي يجب على المشاركون مناقشتها والاتفاق عليها، وتبعها بشكل طبيعي اختلاف وتباين وغياب رؤية واحدة أو متقاربة أو حتى تقاطع في نقاط محددة في ما بينها للأطراف الرئيسة في الحوار، هنا تصبح الأولويات وترتيبها في سياق متفق عليه هي عقدة المنشار التي قد تودي بالمؤتمر أو قد تجعل منه إشكالية جديدة تضاف إلى مخزون الإشكاليات المتخم للأزمة في سوريا.
وقف إطلاق النار، مكافحة الإرهاب، تنحي الرئيس، تشكيل حكومة انتقالية بكامل الصلاحيات أو بصلاحيات واسعة، انتخابات رئاسية أو برلمانية، كيفية التعاطي مع الجيش والقوى الأمنية، إمكانية ضم عناصر الجيش الحر وبعض المجموعات المسلحة المعارضة الأخرى إلى الجيش، ترشح الرئيس للانتخابات، إجراء انتخابات رئاسية شفافة تحت وصاية دولية، ومواضيع أخرى كثيرة وجوهرية لا مجال لذكرها هنا، حيث تكفي النقاط السابقة لتشكل نقاط اختلاف تفضي إلى عبث الحوار. ويرى المتابع لما يطرحه ويقبل به أو يرفضه كل طرف أن الاتفاق على ترتيب كل ما سبق وفق أولويات ترضي الأطراف كافة هو بحد ذاته غاية من الصعب أن تدرك، وخاصة أن كل طرف من الأطراف يسعى إلى زيادة رصيده من المكاسب التي يحققها على الأرض لتكون مصدر قوة تمكنه من فرض أولوياته، وتمنحه أوراق قوة تفاوضية داعمة له في الحوار، وهو ما زاد وتيرة الاشتباكات ومعدل الدم في نتائجها. ومع اقتراب جنيف اثنين يتسارع الحشد إليه، تكثر التجمعات التي تحزم متاعها لتكون حاضرة في حدث يعتبره الجميع نقطة انعطاف كبيرة في مسيرة سوريا الدولة بكل ما تمثله من معانٍ تحتضن في طياتها تاريخ وحاضر ومستقبل كل من أسهم في ما تعانيه من ضيق وفرج، ومن ألم وأمل، ومن خطر على وجودها أو طمأنينة على بقائها، وترى هذه الحشود على كثرتها أنها يجب ألا تفوت فرصة الحضور، على أمل أن كل من حضر القسمة لا بد أن ينال حصة منها؛ فالغائب عن الوليمة خاسر مهما كانت مبررات الغياب وأسبابه. فالقرار لم يبق بيد طرف واحد أو تجمع معيّن، والأزمة أوجدت أطرافاً قادرة على فرض حضورها بالدم وضمان استمرار النزف من كل شريانات الحياة للدولة، وأطراف أخرى كثيرة لا يردعها رادع عن ارتكاب ما لا يخطر في بال لتحقيق غاياتها ورفد استراتيجيتها بنقاط ضغط إضافية.
تتشابك المصالح والغايات ويفلت زمام الأمور من يد كل من كان يعتقد أنه اللاعب الوحيد أو اللاعب الأهم، ليكتشف أن ثمة لاعبين كثراً دخلوا الساحة التي كان يعتقد أنه وحيد فيها، لاعبون اختلفت دوافعهم وتنوعت منطلقاتهم وتباينت أهدافهم وتضاربت وسائلهم، ما انعكس بأبشع الاشكال والنتائج على أرض الواقع، وفرض على الكثيرين الهرولة باتجاه جنيف اثنين، لتثبيت أسس الحل السياسي وفتح منافذ مبدئية للخروج من الأزمة، التي تطاول تداعياتها ليس المنطقة، فحسب بل العالم أيضاً. يبقى الأمل والرهان على صدق نية المشاركين الأساسيين والمؤثرين الفاعلين في إنهاء الأزمة، والبدء بخطواتهم الأولى للخروج منها يكون بترجمة ذلك عبر الاتفاق على خريطة طريق وفق أولويات ثابتة وواضحة تحقق في النهاية الغاية الأهم، وهي الحفاظ على سوريا موحدة بكل مكوناتها التاريخية وإرثها الحضاري ودورها المطلوب في المنطقة، في ظل نظام يقوم على أسس الدولة القوية القادرة على تأمين حرية وحقوق وحاجات مواطنيها وتحصينهم من كل ما من شأنه أن يشكل تهديداً أو خطراً على ذلك.
* اعلامي سوري