لا توحي الاشتباكات الأخيرة التي جرت بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وفصائل مختلفة في الشمال السوري، ولا حتى المواجهات المباشرة بين التنظيم والقوات العراقية في الأنبار، بقرب نهاية التنظيم «القاعدي» الأشهر في المنطقة، أو تقوقعه ضمن بلد ما دون أن يلغي ذلك تضرره وفقدانه بعض المناطق.


يجزم أحد أهم شيوخ العشائر في محافظة الرقة بأنّ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا «داعش» على المحافظة الفراتية لا يعني أن التنظيم يحظى بأي شعبية محلية بين أبناء الرقة، أو أنه قادر مستقبلاً على صناعة هذه الشعبية من خلال إدارته لشؤون المدينة. ويستند الشيخ الموجود حالياً في منزله وسط مدينة الرقة في قناعته هذه إلى أمرين: الأول الرأي الشعبي المتكوّن بعد دخول «داعش» لمدينتهم، وما فرضه من إجراءات وسلوكيات مثلت انقلاباً جذرياً في حياة الرقاويين، والثاني اعتماد التنظيم على المقاتلين «الغرباء» المنبوذين من السوريين عموماً لأسباب كثيرة.
في واقع الأمر، فإن ما ذهب إليه ذلك الشيخ، الذي تحدث إليه الكاتب أخيراً بطريقة خاصة، يكاد ينطبق على جميع المناطق التي أصبحت خاضعة لسيطرة تنظيم «داعش» من ريف حلب إلى ريف إدلب، ومن الطبيعي أن يكون ذلك هو موقف المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيمات مسلحة ليست أقل تشدداً من «داعش» إنما ذات صبغة محلية أكثر، وتحديداً في ريفي دمشق وحمص وحتى درعا.
لكن ما سبق يطرح تساؤلات عميقة تتعلق بكيفية التوفيق بين فرضية فقدان «داعش» الشعبية المناطقية في سوريا، وحقيقة انضمام كثير من السوريين إلى صفوفه والقتال تحت رايته، وكذلك الأمر في ما يتعلق بقدرة التنظيم ونجاحه في القتال على أكثر من جهة لولا وجود بيئة حاضنة له نوعاً ما.

الخبرة والتغطية الشرعية

يتميز التنظيم عن غيره من المجموعات المسلحة، التي ظهرت على الساحة السورية خلال العامين السابقين بهدف محاربة النظام، بخصائص عدة أساسية بعضها وجد لديه منذ وجوده في سوريا وبعضها الآخر تبلور مع مسيرته خلال الأشهر الماضية، ومن هذه الخصائص ما يلي:
ـــ ارتباطه العضوي بالتنظيم الأم في العراق، صاحب الخبرة والتجربة والإمكانات الكبيرة، وهذا ما وفر له ثلاثة مقومات هامة مكنته من تحقيق نتائج سريعة على الأرض: الخبرة القتالية والميدانية المتقدمة على غيره من التنظيمات المسلحة في سوريا، الإمكانات المالية واللوجستية والتسليحية الجيدة والمستمرة، والتغطية الشرعية الجهادية لوجوده وأعماله، وما يعنيه ذلك من تسهيل انضمام الجهاديين الدوليين إلى صفوفه.
لذلك فإن معظم النجاحات التي حققها التنظيم في مواجهة التنظيمات المسلحة الأخرى أو في مواجهة النظام لم تكن تستند إلى عامل البيئة الشعبية الحاضنة، وإنما إلى الموجات البشرية الخارجية المتلاحقة التي كانت تعزز صفوفه وتقويها من جهة، وإلى الإمكانات المادية الهائلة التي ساعدت «داعش» على شراء ذمم المقاتلين في التنظيمات الأخرى واجتذاب الشباب السوري من جهة ثانية.
ـــ اختياره المنطقتين الشمالية والشرقية من سوريا للظهور وتأسيس مشروعه التكفيري، فهاتان المنطقتان توفران له الأرضية المناسبة لنجاح انطلاقته، فمن جهة، توفران خطوط مباشرة ودائمة للإمداد وإن كانت عرضة لاستهداف الطائرات الحربية السورية سواء عبر الحدود الطويلة لسوريا مع العراق، أو من خلال معابرها المفتوحة مع تركيا، كما أن هاتين المنطقتين وبحكم ظروفهما الاقتصادية والاجتماعية والعشائرية والقبائلية، وبعدهما عن مركز قلب النظام، تمثلان خياراً أفضل من باقي المحافظات السورية، التي هي أكثر انفتاحاً ووجوداً لقوات النظام، بدليل الحضور الأقل للتنظيم في باقي المحافظات مقارنة بالمنطقتين الشمالية والشرقية.
ـــ العلاقة الوثيقة التي تربط التنظيم الأم في العراق بتنظيم «القاعدة»، وهو ما وفر له مرجعية عقائدية عالمية تفتقدها جميع التنظيمات المسلحة العاملة على الساحة السورية، باستثناء جبهة النصرة التي تدين كذلك بالولاء لتنظيم «القاعدة»، بينما ارتبطت التنظيمات الأخرى بمرجعية إقليمية وغربية استغلتها لتحقيق مصالحها في سوريا والمنطقة، ومن ثم تخلت عن بعضها مع تغير الشروط والظروف وبعضها الآخر ينتظر المصير نفسه بعد تبلور ملامح التسويات الدولية.
ـــ على أن الأهم في تركيبة «داعش» في سوريا يبقى اعتماده التام على المقاتلين العرب والأجانب، ولا سيما في مهمّاته القيادية والميدانية. وهذه سمة وإن كانت تحميه من اختراق التنظيمات الأخرى وأجهزة الاستخبارات، إلا أنها في المقابل تخلق بينه وبين بعض المقاتلين السوريين الراغبين في الانضمام إليه فجوة تكاد تكون دائمة، إضافة إلى الحنق الشعبي عليه في المناطق التي ينتشر فيها.
ويؤشر اعتماد التنظيم، وكذلك جبهة النصرة، على المقاتلين العرب والأجانب في العمليات الانتحارية المصيرية إلى نقطتين: الأولى استحواذ المقاتلين العرب والأجانب على ثقة مطلقة من قبل قيادات «داعش» والنصرة، وتالياً تراجع المقاتلين السوريين إلى المرتبة الثانية، والنقطة الثانية تتمثل في ضعف أعداد السوريين المنتسبين إلى التنظيمين والراغبين بتنفيذ عمليات انتحارية، وإلا لما كانت هذه المهمة من نصيب العرب والأجانب دائماً.

ويستمر قوة مؤثرة

لكن عدم شعبية «داعش» وتناحره عسكرياً مع معظم المجموعات والتنظيمات العسكرية العاملة على الأرض السورية، لا يعني أن التنظيم يمكن أن يكون «فقاعة» سمحت بها فوضى الساحة السورية سرعان ما تذوب في خضم تحولات المشهد المحلي، أو أنه يمكن أن يفقد قريباً كامل قوته البشرية والعسكرية والتنظيمية. فما دام التنظيم الأم في العراق قوياً وقادراً على التحرك، وما دامت بعض دول الجوار لسوريا تسمح بعبور المقاتلين العرب والأجانب، فإن التنظيم الابن في سوريا سيبقى ورقة مؤثرة يصعب تحييدها أو إخراجها نهائياً من قائمة التنظيمات المسلحة الأهم على الساحة السورية، بالنظر إلى التجربة العراقية، ولا سيما أنه استغل جيداً خلال الفترة الماضية ثلاثة عوامل رئيسية، هي:
ـــ تفكك وتناحر التنظيمات المسلحة على الساحة السورية، وهو ما أدى إلى تبعثر المساعدات المالية والعسكرية التي تحصل عليها من الخارج، إذ لا يقف اليوم في مواجهة «داعش» سوى جبهة النصرة، التي ستبقى حريصة على عدم الدخول في مواجهة شاملة مع التنظيم بحكم المرجعية الواحدة، لكن ذلك لا ينطبق على «الجبهة الإسلامية» المؤسسة حديثاً، والمدعومة إقليمياً لمواجهة نفوذ «داعش» سحباً لذريعة مواجهة «القاعدة» من يد النظام.
ـــ ضعف التنظيمات المسلحة الأخرى عقائدياً، إذ يؤكد كبار القادة الميدانيين في الجيش السوري أن مقاتلي «داعش» و«النصرة» وحدهم من يثبتون في مواجهة وحدات الجيش ويقاتلون حتى الموت، بينما مقاتلو كتائب ما يسمى الجيش السوري الحر سرعان ما يهربون أو ينسحبون إلى مناطق أخرى.
ـــ تزايد الاحتمالات من توجه بعض الدول الإقليمية لدعم «داعش» بطريقة غير مباشرة، بعدما أثبت أنه متماسك ويحقق مصلحة واحدة في العراق وسوريا، تتمثل في زعزعة استقرار البلدين، مع الحرص على ألا يؤدي ذلك الدعم إلى تبعات قانونية دولية في المستقبل.
المتغيرات الجديدة
كثيرون جزموا مع بداية المواجهة بين «داعش» والتنظيمات المسلحة الأخرى بأن التنظيم أصبح بحكم المنتهي، مستندين في ذلك إلى تلاقي مصالح بعض الدول الإقليمية والغربية في إنهاك التنظيم بغية سحب ورقة محاربة الإرهاب من يد النظام، لكن استعادة «داعش» لزمام المبادرة وبسط سيطرته من جديد على كامل مدينة الرقة وعدة مناطق في ريف حلب، أكدا رسالتين: الأولى قوة الانتماء لدى هذا التنظيم وقدرته على خوض أكثر من معركة في آن واحد، والثانية أن مواجهة التنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» وفكرها في سوريا ودول المنطقة ستكون طويلة ومكلفة.
* اعلامي سوري