أحد مظاهر الأزمة أنها لا تظهر لصاحبها واضحة. وعندما تكون شاملة وجوده الفردي - الذاتي، يصبح إنكاره لها، كأحد مظاهرها. وفي النهاية، تبقى المشكلة ويتحرك الفرد مأزوماً. فتكون النتيجة، أن يتحول إلى موقع مناقض لما يجب أن يكون عليه. هكذا هي حال اليسار وأحزابه في لبنان. حتى الآن وبالرغم من الإشارات المتكررة من هنا وهناك حول هذه الأزمة، إلا أنّها لم توضع بعد على جدول الأعمال الرسمي، لا فكراً ولا ممارسة. فتأتي ضرورة حضورها من جديد في النقاش والتنبيه حولها في كل قول وممارسة.


خطّ اليسار يفترض نفسه بديلاً جذرياً، لكن استمرار غيابه الفعلي عن الصراع يعني ببساطة، أنّ الواقع المشكو منه، سوف يستمر، وسوف تستمر معه كل المشكلات: اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وأمنياً ونفسياً!
لا أحد يدعي أنّ اليسار سيُخرِج النظام من أزمته وإصلاحه، بل على العكس هو سيقطع معه وسيبني البديل عنه، فيعيد إلى الإنسان قيمة فقدها في نظام. والدلائل على تغييب الأزمة كثيرة، ومشتركها نكران الذات نفسه. فالقطع الذي سبّبته الأزمة والشعور بالهزيمة، كان قطعاً لسيرورة اليسار التاريخية ولدوره ومهماته. فصار القطع السياسي، قطعاً معرفياً. إذ تحول الشعور بعدم القدرة على العودة للفعل السياسي، إلى سبب للتخلي الضمني عن المنظومة الفكرية الخاصة بالموقع السياسي اليساري الجذري وكامل مفاهيمه وأهدافه وطروحاته. كل ذلك حقق لهذا اليسار شهادة في «حسن الأخلاق السياسية»، لكنه منعه من رؤية درجة العُري التي بلغها النظام. موقف الأحزاب السياسية والفكرية اليسارية من الصراع السياسي في لبنان اليوم، يشير إلى أنها تتولى فقط التصويب على الجانب الاقتصادي من النظام. أو هي تطل على أزمة النظام السياسي، لا من موقع التغيير الجذري له كمنظومة من العلاقات، الإنتاجية أساساً، بل من خلال طروحات تطاول شكل الدولة (أي فوقياً) أو قانون الانتخاب أو غير ذلك من الجوانب، مطروحة على نحو مفكك. ما يبرز الغربة الكبيرة ما بين هذه القوى والواقع اليوم.
لقد وصل النظام السياسي في لبنان، كما في المنطقة والعالم، إلى أقصى تناقضاته، في الفكر والسياسة والاقتصاد، ويظهر شكله الأوضح بالانفجار الأمني والفراغ السياسي. وهو ما يوجب بحد ذاته البحث عن طرح نقيض في النظرة والبرنامج والشعار والخطاب. ويكون البديل حاملاً لهموم ومعاناة الفئات المتضررة في تميُّزها، لا البقاء ضمن دائرة شعارات وطروحات ولغة تنتمي إلى مرحلة سابقة (ليس المقصود هنا الفكر بحد ذاته، بل قدرته على التلاؤم مع الجديد). ويقود ذلك إلى الجمود والتحنط. فلا حياة لمكابر أمام التاريخ وحركته.
كل ذلك يعيدنا إلى خطّ النكران، الذي أعمى اليسار الحالي عن رؤية شكل المعاناة اليوم، والجديد فيها المتمحور حول المستوى المعنوي من حياة الأفراد، كما أعماه عن رؤية المساحة الناجمة عن عجز القوى المتصارعة عن التقدم إلى الأمام. فتكون النتيجة العمى الضمني عن رؤية الأزمة الطبقية لهذه القوى التي تحتل الفضاء السياسي اليوم، ويعميه بالضرورة عن دور البديل الطبقي وقواه في نقل الصراع إلى أرضية جديدة. ونتيجة لذلك، يصير هذا اليسار جزءاً من صورة الانقسام الحاصل اليوم، لا بديلاً يفرض انقساماً جديداً. فيكون هو ممثلاً للجماهير، لا مجرد طارح للمواقف، أو مطلقاً لمبادرات عاجزة لا تنفك تكرر ذاتها. فلا تقدر على جذب الطليعة الاجتماعية، ولا على لمس أغلبية الفئات المتضررة. في مرحلة وصول النظام إلى حدوده التاريخية، يجب أن يحمل اليسار الجذري فكر القطع لا فكر السير بـ«هدوء» الحركة المطلبية فقط (التي يجب جمعها مع الشعار والممارسة السياسية المتلائمة مع حالة القطع)، وما فشل كل محاولات الناس للتأقلم والتلائم والتحقق (المادي، والذاتي - المعنوي) في ظل نمط الحياة الليبرالي وعلاقاته، إلا دليل على الحاجة الى كسر مع هذا الواقع.
نكران الذات يعني أننا نبدأ من الصفر، على كل المستويات، ونحن لسنا كذلك أبداً. فإذا كان طرحنا في زمن سابق هو الاشتراكية، وتغيير النظام نحو مجتمع التطور وقيمة الإنسان، فكيف يكون طرحنا اليوم في ظل تفاقم تناقضات هذا النظام إلى حد التدمير الكلي للمجتمع؟ عذراً! يبدو أنّ هذا الطرح سقط من مجمل ما سقط في سياق حالة الإنكار. وما نحتاج إليه اليوم وقفة هادئة أمام الذات لمن يقدر على ذلك، ولتكن المصارحة.
* ناشط يساري ــ لبنان