تنبهت الحركة الصهيونية منذ عدة سنوات إلى أهمية المكتشفات الحديثة في ميدان التحليل الجيني «DNA» ضمن علم الأحياء الجزئي، والذي تقترب نتائجه من درجة عالية من الصحة، لا يمكن التشكيك بها في تقرير العلاقات القرابية والوراثية بين الجماعات البشرية. ولهذا قررت هذه الحركة، عبر ذراعها العلمي والبحثي، التدخل فيه واستعماله سلاحاً أو سنداً لسلاحها الأيديولوجي التقليدي بعد سنين طويلة من الصمت. لقد جاء هذا التدخل بعد أن تكاثرت الأبحاث والفحوصات الجينية الأوروبية، وحتى الإسرائيلية الموضوعية والمحايدة، ووجهت ضربة قاسية إلى المزاعم العنصرية القائلة بأن الأشكناز هم يهود جزيريون «ساميون» وليسوا شعوباً أو بقاياً شعوب من أصول سلالية أخرى، تركية أو صينية أو سلافية أو مختلطة من كل هذه الأصول، وقد تهودت لاحقاً. وعلى هذا، لا حق لها ادعاء النسب العبراني الجزيري «السامي»، ولا علاقة لها بالمزاعم التوراتية في ما يسمى «الوعد الرباني لبني إسرائيل في أرض فلسطين»، والذي لا صدقية له ولا يلزم أحداً من معتنقي الديانات الأخرى غير اليهودية أصلاً. خصوصاً بعد أن ثبت أن الأشكناز ليسوا من «بني إسرائيل» العبرانيين، والذين، كما تقدم معنا في هذا الكتاب، أنهم شعب انقرض في غالبيته الساحقة، كما انقرضت وذابت شعوب أخرى كالأكديين والآراميين والكلدانيين والآشوريين ولم يتبق منهم إلا مجموعات رمزية صغيرة في مواطنهم الأصلية. وهذا ما يجعل الحركة الصهيونية الأشكنازية أبشع صورة من صور ما يسمونه «معادة السامية» التي يتهمون بها أعداء الصهيونية غالباً، بدليل أنها تعادي الجزيريين الساميين الحقيقيين من الفلسطينيين العرب الذين شردتهم من وطنهم، وارتكبت بحقهم مجازر عديدة. بل هي تعادي أيضاً اليهود المزراحيم «الشرقيين» وهم في غالبيتهم من بقايا العبرانيين الحقيقيين الذين يعاملون في داخل دولة «إسرائيل» معاملة بشر من الدرجة الثانية أو الثالثة ويمارس ضدهم تمييز عنصري فاقع.

ويقيناً، فنحن حين نتصدى لهذا الميدان العلمي الخاص بأصول مجموعة بشرية معينة، لسنا من المغرمين بالموضوع العنصري وحججه، ولا من المحبذين له أو الراغبين في التعويل عليه كسلاح في الدفاع عن الشعب الفلسطيني ووطنه فلسطين، بمقدار ما نحن مضطرون إلى كشف الخطاب الصهيوني التلفيقي الذي بات يعتمد هذا السلاح العنصري الجيني بمفرداته وأدواته العلمية، لنبين تهافته وندحضه بوسائله ذاتها، ومن خلال عرض وترويج دراسات جينية موضوعية مقابلة له، وأكثر صدقية وموضوعية منه.
معلوم أن الأشكناز اليهود في أوروبا وأميركا وغيرهما، يمثلون بحسب الإحصائيات العالمية الأكثر شهرة وموثوقية، ومنها إحصائية «أوستر 2001» التي يستشهد بها الباحث الإسرائيلي إران الحايك، ما نسبته 90% من يهود العالم في دولة الكيان الصهيوني «إسرائيل» وخارجها والبالغ عديدهم نحو ثلاثة عشر مليون نسمة. ومن هؤلاء الأشكناز جاءت الأغلبية الساحقة من قيادة وقاعدة الحركة الصهيونية المعاصرة وأركان دولة «إسرائيل»، فيما بقي اليهود المزراحيم «الشرقيون» والسفارديم الأوروبيون ذوو الأصول الشرق أوسطية، يمثلون أقلية ذات دور محدود وعرضة للتمييز العنصري داخل الدولة الصهيونية ومن قبل الأشكناز أنفسهم.

في سنة 2000، حاول علماء الأحياء الصهاينة حسم الموضوع بطريقة ملفّقة وغير علمية


وفي سنة 2000، حاول علماء الأحياء الصهاينة حسم الموضوع بطريقة ملفّقة وغير علمية. فقد نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريراً صحافياً في عددها ليوم 9 نيسان 2000، بقلم نيكولاس ويد «1»، استعرض فيه نتائج ما وصفه بعملية تحليل جيني باستعمال الكروموسوم الذكوري (Y)، لأشخاص من اليهود الأشكناز، قام بها عدد من علماء الأحياء بقيادة ميكائيل همر، و بدعم قوي من لورنس شيفمان، رئيس قسم اللغة العبرية والدراسات اليهودية في جامعة نيويورك.
ندرج أدناه، الخلاصات الرئيسية الأهم من هذا التقرير، الذي يحمل اسم كاتبه نيكولاس ويد، حول الموضوع مع التعليق عليها. ولنا عودة إلى تقارير ودراسات جينية أخرى أكثر رصانة وموثوقية علمية، تدحض تقرير ويد دحضاً نهائياً وحاسماً. وسيتخذ عرضنا لحقائق وتفاصيل هذا الملف لغة صحافية وصفية مبسطة، دون الخوض في دقائق الموضوع العلمية الجينية، لبعد هذا التخصص العلمي عن مجال اهتمامنا وتخصصنا.
- يعلن تقرير نيكولاس ويد، وقد اعتمدنا ترجمتنا الشخصية للفقرات المقتبسة - منذ البداية - أن نتائج هذه التحاليل الجينية جاءت متفقة مع (التاريخ والتقاليد اليهودية، وتدحض نظريات مثل تلك التي تقول إن المجتمعات اليهودية تتكون في الغالب من المتحولين من الديانات الأخرى، أو أنهم ينحدرون من الخزريين، وهم قبيلة تركية من القرون الوسطى والتي اعتمدت الديانة اليهودية). ونسجل، هنا، أولاً، اعترافاً صهيونياً بوجود هذه النظرية المسكوت عنها صهيونياً حتى ظهور هذا التقرير، ونسجل، ثانياً، أن مهمة هذه التحاليل الجينية جاءت لتدحض هذه النظرية التي أقلقت الحركة الصهيونية بقوة.
- يسجل التقرير المذكور، النتيجة التالية للتحاليل، حتى قبل أن يشرح طبيعتها وطرائقها وإثباتاتها بلغة مهنية، كما تفعل التقارير العلمية المحايدة في هذا الميدان، فهو يقول (ويوفر التحليل شهادة جينية بأن هذه المجتمعات -الأشكنازية - قد احتفظت، إلى حدّ كبير، بهويتها البيولوجية منفصلة عن سكانها المستضيفين). أي إن الجماعات الأشكنازية عبرانية وجزيرية «سامية» الأصول وليست خزرية تركية أو صينية أو قوقازية أو سلافية كما تقول النظريات الأشهر حول أصول الخزر.
- و يعترف التقرير، ولأغراض أيديولوجية واضحة، أكثر منها أحيائية علمية، أن التحاليل أثبتت تشابه المجتمعات اليهودية مع بعضها ومع المجتمعات العربية في فلسطين وسوريا ولبنان. أي إنه يجعل من السكان الفلسطينيين وجيرانهم في دول المشرق العربي حجة ومستنداً لمزاعمه. بمعنى أنه بعد أن سرق الأرض من الفلسطينيين الجزيريين «الساميين» وسرق حتى اسم «إسرائيل» الكنعاني وليس العبراني، يحاول الآن الاعتماد على قرابتهم الجينية المزعومة في هذه الدراسة الملفقة لليهود الأشكناز الذين لا علاقة لهم بالعبرانيين القدماء، دليلاً على ساميتهم فيقول: «وثمة نتيجة أخرى، مفارقة وغير مدهشة، هي أن مقاييس الكروموسوم Y، تشبه المجتمعات اليهودية في العالم، ليس فقط بعض هذه الجماعات بالبعض ولكن أيضاً بالفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، ما يوحي بأن الجميع ينحدرون من سكان أسلاف مشتركين يسكنون الشرق الأوسط قبل نحو أربعة آلاف سنة». واضح هنا غرض التقرير وهو منح المزيد من المصداقية لمزاعمه بجزيرية «سامية» الأشكناز الخزريين، بربطهم أو تشبيههم مع الجزيريين «الساميين» الأصليين العرب. بل ويجمع د.همر العرب واليهود في صنف جيني واحد، فيقول التقرير: «وكان من بين الأسلاف الرئيسيين في السكان العرب اليهود من الأجداد الرجال الذين حملوا ما دعاه الدكتور همر النَّسَب «MID»».
- ثم يذكر د. همر أن «هذا الكروموسوم Y موجود في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وربما تم نشره من قبل البشر في طور اختراع الزراعة في العصر الحجري الحديث، أو ربما من خلال رحلات الناس عبر البحر مثل الفينيقيين». ويمكننا أن نجد في هذه الفقرة من تقرير ويد، محاولة ساذجة لتأكيد أن الفروقات ستكون محدودة بين اليهود الأشكناز وسكان حوض البحر الأبيض المتوسط، رغم عدم وجود قرابة جغرافية بين منطقة البحر الأبيض المتوسط وجنوب روسيا وشرق تركيا أو شمال القوقاز، حيث قامت مملكة الخزر وتهود ملوكها في منتصف القرن الثامن الميلادي حتى سقوطها في القرن العاشر، وحتى لو افترضنا صحة هذا الزعم، بوجود قرابة جينية بين سكان المتوسط وسكان شمال القوقاز الروسي أو الشرق الأقصى التركي، فإنه سيكون فارغاً من المحتوى، ولا يؤكد أيّ تميز أو اختلاف لأصول الأشكناز.
يضيف التقرير «وهناك سلالة أخرى مشتركة في الجينات العربية واليهودية تجمع الجينات بين الإثيوبيين اليوم، وربما وصلت إلى الشرق الأوسط من خلال المهاجرين الذين سافروا إلى أسفل النيل. لكن اليهود الإثيوبيين الحاليين يفتقرون إلى بعض السلالات «الأنساب» الأخرى الموجودة في المجتمعات اليهودية الأخرى، ويشبهون عموماً الإثيوبيين غير اليهود من السكان اليهود الآخرين، على الأقل من حيث نمط كروموسوY». وهذه الحقيقة، تصيب التقرير والتحاليل الجينية التي أُجريت في مقتل خطير، وتثبت أنها فارغة تماماً من المعنى ومتناقضة؛ فهي تنفي أية صلة جينية بين اليهود الأشكناز واليهود الأثيوبيين، وهذا قد يكون صحيحاً، ومتوقعاً علمياً، فكيف تريد أن تثبت صلة جينية ما بين الأشكناز القادمين من أقاصي آسيا أو جنوب أوروبا والعبرانيين الجزيريين في فلسطين؟ أيهما بالأحرى أقرب الى الأصل الجيني الجزيري السامي يهود أثيوبيا المجاورون ليهود اليمن أم الخزر المتهوّدون في شمال القوقاز؟

حين نتصدى لهذا الميدان العلمي، لسنا من المغرمين بالموضوع العنصري وحججه


- يؤكد تقرير نيكولاس ويد، وجود اختلافات جينية «أسلافية» بين العرب واليهود، من جهة، والأوروبيين والأفارقة في جنوب القارة من جهة أخرى، فيقول: «يمكن التعرف إلى نمط الأسلاف من أسلاف السكان العرب واليهود في الوقت الحاضر، ولكنهم يختلفون عن السكان الأوروبيين، كما أن المجموعتين تختلفان اختلافاً واسعاً عن الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى». ثم يؤكّد ما هو عكس ذلك، أي وجود اختلافات بين نمط أسلاف اليهود ونمط أسلاف العرب، ولكنه يعود ويؤكد وحدة النمط الجيني والأسلافي بين اليهود من العصر الروماني والأشكناز، فأي لخبطة علمية هذه، طالما هو لم ينشر التفاصيل العلمية لأنواع التحليلات والفحوص التي أجراها؟
دعونا ندقق قليلاً في هذه الفقرة الغامضة، فمؤدّاها الأول هو أن هناك تماثلاً جينياً بين أسلاف اليهود الرومان، والأرجح كما أسلفت، أنه يقصد اليهود الذين هجَّرهم الرومان من مقاطعتهم في فلسطين الى أوروبا خلال الاحتلال الروماني لفلسطين بعد ما يسمى في التاريخ بثورة الميكابيين و ثورة السامريين خلال القرن الميلادي الثاني ، وبين اليهود الأشكناز الأوروبيين. وهو هنا يسكت تماماً عن الخزر المتهودين بعد أن اعتبرهم جزءاً ذائباً في الأشكناز ربما. والمؤدّى الثاني، هو وجود اختلافات بين العرب واليهود من جهة، وبين الأشكناز الأوروبيين من جهة أخرى، وهو هنا يكاد يقترب من الاعتراف بالأصل اللاجزيري «اللاسامي» للإشكناز، ولكنه لا يجرؤ على ذلك، لأنه يكون قد انتحر أيديولوجيا وسخر من صهيونيته المنادية بجزيرية «سامية» جميع يهود العالم.
إن الخلاصة التي يحب كاتب التقرير وصاحب الدراسة الجينية د. همر إعلانها وتكرارها تقول: «على الرغم من الإقامة الطويلة لليهود الأشكناز في أوروبا، فإن توقيعهم Y ظل متميزاً عن الأوروبيين غير اليهود». ولكن كيف ذلك؟ وعلى أي أساس؟ هل يريد صاحب الدراسة من الناس التسليم بتجربة أو دراسة تطبيقية جينية، أجراها هو، دون أن يطلعوا على تفاصيلها العملية الدقيقة؟
إن هذا التقرير والعمليات التحليلية الجينية، التي يستعرضها ويد، يثير الكثير من الأسئلة والشبهات والاعتراضات العلمية. فالمعروف، أن أي تحليل من هذا النوع أقرب الى عمليات سبر الآراء واستقصاءات الصحافية المحددة المساحة، إذْ لا يعقل أن التحاليل شملت كل الجالية اليهودية الاشكنازية، وهي بالملايين، ولا بمن يقابلهم من العرب والأوروبيين والأفارقة والخزريين، الذين لا نعتقد أنهم شملوا بها فهم مستبعدون منذ البداية لأن هدف الدراسة هو دحض وجود أية صلة جينية بينهم وبين الأشكناز.
وإذا ما علمنا أن الأشكناز الذين يشكلون 90% من يهود العالم، وفق بعض الإحصائيات، سيشكل اليهود المزراحيم الشرقيون و اليهود السفارديم القادمون الى أوروبا من إسبانيا والبرتغال بعد سقوط الدولة العربية الإسلامية في الأندلس، وهم بحدود 10%، حتى لو أضفنا إليهم اليهود الذين هُجّروا أو هاجروا الى أوروبا في العهد الروماني، والذين لا توجد أية إشارات أو تأكيدات تاريخية لحدوث هجرات كثيفة لهم باستثناء مجاميع من الأسرى بعد القضاء على التمرد الميكابي، فإن تركيز الاختيار على هؤلاء وعلى اليهود المزراحيم «المشارقة العرب وغير العرب»، يبقى جزءاً صغيراً من القصة، ولا قيمة علمية له. كما أن عدم ذكر أي معطيات عن بلدان الأشخاص، الذين شملتهم الفحوصات والتحاليل الجينية، وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية وروسيا تحديداً، يصبح غير ذي جدوى، وأشبه بأن يقوم العنصري أفيغدور ليبرمان باستفتاء على شعبية نتنياهو في داخل مؤتمر لحزب الليكود ليس إلا!
فماذا قال علماء الجينات والمورثات المنصفون والموضوعيون ومنهم الباحث المولود في الدولة الصهيونية والمتخصص في هذا العلم إران الحايك في هذا الصدد وكيف قلب «الطاولة الجينية» على د.همر وأمثاله؟ هذا ما سنتوقف عنده في مقالة أخرى قريباً.
■ هذه المقالة هي جزء من دراسة ملحقة بمخطوطة كتاب «موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي» قيد التأليف لعلاء اللامي.
1- تقرير نيكولاس ويد في «نيويورك تايمز»، العدد 09/05/2000، حول بحث التحليل الجيني لليهود الذي زعم د. همر أنه قام به.
* كاتب عراقي