بعد أربعة أيام من حركة الضباط المصريين في 23 يوليو (تموز) 1952 ضد الحكم الملكي، أصدر «الحزب الشيوعي المصري» (الراية) بياناً قال فيه: «قادة حركة الجيش يلعبون دور البرجوازية الكبيرة وهم دعاة الاحتكارية أعوان الاستعمار. محمد نجيب ديكتاتور العصر ومبعوث العناية الأميركية لتحطيم ثورة الشعب».

كان رأي حزب «الراية» قد انبنى على أن الحركة الشعبية ضد الحكم والإنكليز قد أنتجت أزمة مصرية عميقة منذ مظاهرات 1946، وزاد هذا بعد إلغاء معاهدة 1936في أكتوبر (تشرين الأول) 1951وبدء حرب عصابات ضد الإنكليز في منطقة القناة، وأن الولايات المتحدة التي تسعى لوراثة الانكليز في زعامة الغرب هي الداعمة للحركة العسكرية باعتبار أن النظام القديم غير قادر على مواجهة المد الشعبي المصري. وكان استناد «الراية» في ذلك مبنياً على واقعة إخبار السفير الأميركي مسبقاً بالتحرك العسكري ضد الملك قبل وقوعه، ثم اشتراك السفير مع العسكريين في توديع الملك فاروق عند ترحيله بحراً إلى المنفى.
في المقابل، كان هناك تنظيم شيوعي مصري آخر، هو «الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني» (حدتو)، ليس فقط مؤيداً للانقلاب، بل كان تنظيمه العسكري مشتركاً عبر بعض ضباطه في عضوية «تنظيم الضباط الأحرار»، وكان أحدهم، أي خالد محيي الدين هو الذي كتب الوثيقة البرنامجية له عام 1951 المسماة «أهداف الضباط الأحرار»، وكان لأحد ضباط «حدتو»، وهو يوسف صديق، الدور الرئيسي في الحركة لما احتل مقر قيادة الجيش واعتقل كبار الضباط. كان رأي «حدتو» أن «حركة 23يوليو» ونظامها سيقودان إلى ثورة وطنية ديموقراطية تنهي الملكية وتضرب الإقطاع وتنهي التخلف.
في 8 يناير (كانون الثاني) 1958، اتحدت «الراية» و«حدتو» و«حزب العمال والفلاحين» في «الحزب الشيوعي المصري»، ثم انشقت «حدتو» في أيلول على خلفية رفضها النزعة الصدامية ضد نظام جمال عبد الناصر التي شارك فيها الشيوعيون السوريون والعراقيون والمصريون بدعم سوفياتي، في وقت كانت فيه القاهرة تقترب من واشنطن. وفي ليلة رأس سنة 1959، شن الرئيس عبد الناصر حملة اعتقال للجناحين الشيوعيين المصريين (ومعهم في الليلة نفسها شيوعيي سوريا). وفي 1965، إثر إخراج الشيوعيين المصريين من السجن مع زيارة خروتشوف إلى مصر في مايو (أيار) 1964، حلت «حدتو» و«الحزب الشيوعي» تنظيميهما عقب مؤتمرين منفصلين، وانضموا فراداً إلى تنظيم «الاتحاد الاشتراكي».
لم يكن هذا التحول عند الشيوعيين المصريين مبنياً أساساً على آلام وآثار السجن، سواء عند «حدتو» رموز «الراية»، مثل فؤاد مرسي وإسماعيل صبري عبد الله، والأخيران أصبحا وزيرين، بل على مقولات نظرية أنتجها السوفيات في عامي 1963و1964مثل وصف أنظمة عبد الناصر وحزب «البعث» في دمشق وبن بيللا في الجزائر وعبد السلام عارف في بغداد بأنها «أنظمة ديمقراطية ثورية»، وبأنها تسير في «طريق التطور اللارأسمالي»، أو كما وصفته عام 1971 وثيقة «الملاحظات السوفياتية على مشروع برنامج الحزب الشيوعي السوري»، وهي وثيقة شارك فيها قادة سوفيات كبار مثل سوسلوف وبوناماريوف مع آخرين مثل رئيس الوزراء الروسي في التسعينيات بريماكوف: «الطريق اللارأسمالي: وصول الديموقراطية الثورية إلى السلطة مع وجود الحزب الشيوعي بشكل يؤثر ويوجه تطور البلاد... وله مرحلتان: الأولى مرحلة التحول الديموقراطي الثوري، والثانية البناء الاشتراكي» (توجد الوثيقة في ص. 131-184ضمن كتاب «قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري»، دار ابن خلدون، بيروت 1972).
في صيف 1964، جرى الضغط السوفياتي على الشيوعيين العراقيين للاقتراب من نظام عارف وهو ما أنتج «خط آب 1964» الذي سرعان ما ثارت غالبية الشيوعيين العراقيين ضده عام 1965. كان دخول الشيوعيين السوريين والعراقيين في التحالف الجبهوي مع البعثيين في دمشق 1972وبغداد 1973مبنياً على تلك التوجهات النظرية السوفياتية أيضاً. في تلك الوثيقة السوفياتية، التي أعطيت للشيوعيين السوريين في مايو (أيار) 1971، هناك نقد لعبد الخالق محجوب (سكرتير «الحزب الشيوعي السوداني») بسبب صدامه مع النميري، وكان وقتها في السجن قبل أن يتم تهريبه أواخر يونيو (حزيران)، وتجرى حركة 19يوليو 1971 التي أعدم إثرها محجوب والشفيع أحمد الشيخ. استند المناوئون لمحجوب في الحزب، مثل معاوية إبراهيم وأحمد سليمان وفاروق أبوعيسى، إلى المقولات السوفياتية المذكورة في انشقاقهم عن الحزب عام 1970وتعاونهم مع النميري، واثنان منهما كانا وزيرين.
في 2014، أصدر الدكتور سمير أمين، وكان عضواً في «الحزب الشيوعي المصري» (الراية)، كتاباً بعنوان «قضايا الشيوعية المصرية: وثائق الحزب الشيوعي المصري (الراية) 1955-1957». في ذلك الكتاب، يطرح الدكتور أمين سؤالاً جوهرياً لا يشمل القاهرة فقط، بل يشمل تجربة «البعث» في سوريا وتجربة بن بيللا وبومدين (1965-1978) في الجزائر: هل كان أنور السادات يمثل ثورة مضادة، أم اتجاهات كامنة في الناصرية؟ كانت تلك الوثيقة السوفياتية قد وصفت ميثاق 1962، الذي انبنى على أساسه «الاتحاد الاشتراكي» في مصر بأنه «برنامج ديموقراطي ثوري يمكن تسميته بمجمله طريق التطور اللارأسمالي»، مع تثمين سوفياتي لمحتويات الميثاق المذكور من خلال تبنيه «الاشتراكية العلمية»و«قبول الاشتراكية كشكل للتحول الاجتماعي».
غالبية بنية ومؤسسات نظام عبد الناصر وقفت مع السادات في حركة 15 مايو 1971 ضد علي صبري ومن وقف معه. لم يقد السادات تحولاً من موسكو نحو واشنطن ومن المواجهة مع إسرائيل للتسوية معها فقط، بل قاد حراكاً اقتصادياً اجتماعياً حوّل مصر من «رأسمالية الدولة» إلى «اقتصاد السوق». الأرجح أن الأمر الثالث هو الذي قاد إلى الأول والثاني. عملياً لم يكن هناك شيء فعلي اسمه «طريق التطور اللارأسمالي»، بل كان هذا مجرد مقولة نظرية سوفياتية صنعت على عجل لتسويغ المصالحة مع عبد الناصر عام 1964 بعد صدام سوفياتي - مصري أعقب ثورة 14 تموز 1958، ونمو قوة الشيوعيين العراقيين الذين تصادموا مع البعثيين والعروبيين بسبب موضوع «انضمام العراق للوحدة المصرية- السورية».
منذ 1964 تركزت العلاقات السوفياتية - العربية في شكل علاقات مع أنظمة من دون البعد الثالث الممثل في الأحزاب الشيوعية العربية، وقد أرادت موسكو من أطروحات أوليانوفسكي (صاحب نظرية «الديموقراطيون الثوريون») وسوسلوف (صاحب نظرية «طريق التطور اللارأسمالي») ضبط هذا البعد الثالث على إيقاع علاقات الكرملين مع الأنظمة. في المحصلة العامة، قاد «طريق التطور اللارأسمالي» إلى رأسمالية واضحة المعالم، وليست تحت أسماء أخرى، كانت فيها «السلطة» طريقاً إلى «الثروة» أو الأولى مظلة للثانية. هذا شمل القاهرة ودمشق والجزائر. في مصر، التي هي بوصلة العرب منذ عام 1919، قاد التحول من «رأسمالية الدولة» إلى «اقتصاد السوق»، إلى تحولات مرافقة في السياسة الخارجية وفي «الأيديولوجية الرسمية»، وفي اسم الحزب الحاكم. لم يحدث هذا بعد، ولأسباب عدة متشعبة، في دمشق والجزائر.
* كاتب سوري