قرأت باهتمام المقالة الموسومة «عن سردية الاحتلال العثماني للجزائر» للكاتب عبد الله بن عمارة (الأخبار 26 حزيران 2018). ورأيت أن أُثري الموضوع وأزيده خصوبة لما احتواه من تفاصيل تاريخية، إسهاماً مني في تأكيد صدقية ما كتبه.

مر الحكم العثماني للجزائر بمراحل تاريخية مهمة: مـرحلة «البـيلر بايات» (باللغة التركية إشارة إلى الحاكم المحلي الباي أو البيه أو البك) (1518-1588)، ومرحلة الباشاوات (1588-1659)، ومرحلة الأغوات (1659-1671)، ثم مرحلة الدايات (1671-1830). وساعدت الحقبة العثمانية الجزائر في التخلص نهائياً من الحملات الإسبانية التي ارتدت طابعاً صليبياً في غرب العالم العربي ولاحقت الأندلسيين بعد سقوط غرناطة وسعت إلى احتلال شمال أفريقيا. ولذلك ساعد العثمانيون شعب الجزائر في خوض معارك ضد الاحتلال الإسباني في وهران غرب العاصمة والمرسى الكبير، وقد بدأت عام 1708 وتواصلت حتى تم دحر الإسبان نهائياً عام 1792، لكنهم بقوا في سبتة ومليلة.
في مطلع القرن السادس عشر، كانت البحرية الجزائرية في فترة ركود، ورافق ذلك تغيّر موازين القوى في البحر المتوسط واشتداد التنافس الإسباني-العثماني في الحوض الغربي للمتوسط. وعانت الجزائر من تفاقم الخطر الأوروبي خاصة من إسبانيا والحملات الصليبية المتزايدة على السواحل الجزائرية. ولذلك بدلاً من التجوال في سواحل أوروبا الجنوبية، اقتصرت القطع البحرية الجزائرية على الدفاع عن ساحل الجزائر والتصدي للعدوان. ومن بين مجاهدي تلك المرحلة عروج وشقيقه خير الدين، اللذان شكلا قوة مضـادة للقرصنة الأوروبية. ولكن لما عجزت مدينة الجزائر عن مواجهة التهديد الإسباني، سارع سكانها إلى الاستنجاد بالأخوين لدفع الخطر المحدق بمدينتهم. وعقب ذلك انضمت الجزائر إلى السـلطة العثمانية عام 1518 (بعد عامين من سقوط سوريا ولبنان تحت الحكم العثماني وبعد عام من سقوط مصر عام 1517). كمـا دخلت تونس تحت الحكم العثماني عام 1573 بعد استنجاد الحسن الحفصي، فتمكن القائد العثماني دار غوث باشا من دخول القـيروان، والقائد سنان باشا من الاستيلاء على الحصون.
بعد إلحاق الجزائر بالدولة العثمانية، عيّن السلطان سليم الأول الأمير خير الدين بربروس حاكماً عليها عام 1519. فوجّه أعيان مدينة الجزائر رسالة إلى السلطان يدعونه فيها إلى حمايتهم قبل عام، وكانت هذه الرسالة بمنزلة وسيلة النجاة لخير الدين بربروس بعدما أحس بضعف مركزه السياسي. فلجأ إلى كسب ود سكان المدينة، محاولاً إقناعهم بضرورة مساعدة الدولة العثمانية لهم، فهي الوحيدة التي كان بمقدورها تزويدهم بالأموال والعتاد الحربي من أجل مواجهة وصد الخطر الإسباني. وبعد أن أصبحت الجزائر إيالة عثمانية، أرسل السلطان سليم الأول قوة عسكرية أصبحت نواة الجيش الجزائري، وتكونت من قوة بحرية محملة بأربعة آلاف مقاتل، ثم بدأت القوات الجزائرية تجهز نفسها لمجابهة الحملات العدوانية المتوقعة.
تمكن العثمانيون من القضاء على بعض الكيانات المحلية، مثل إمارة جبل كوكو في منطقة القبائل وغيرها، كما أنشؤوا مراكب بحرية وطوّروا ميناء مدينة الجزائر وعملوا على تحصينه وتجهيز السفن بالمدافع، واتخذوا المدن الساحلية قواعد لهم كموانئ شرشال وبجاية، التي انطلق منها الأسطول الجزائري ليلعب دوراً كبيراً في حوض البحر المتوسط لـ300 سنة. كما انصبت جهود القوات العثمانية والجزائرية على مقاومة وصد هجمات الإسبان في البحر المتوسط وتقديم العون والمساندة إلى المهاجرين من أهل الأندلس.
من بين أهم ما فعله الأمير خير الدين بربروس في هذه المرحلة صد حملة عسكرية إسبانية كبيرة على إيالة الجزائر، قادها هوغو دومونكادا ونزلت في وادي الحراش في شهر أب/ أوت 1519. ولكنها أصيبت بهزيمة ساحقة وفقد خلالها الإسبان معظم سفنهم وقواتهم. وطرد بربروس الإسبان من حصن صخرة البنيون في أيار/ مايو 1529، حيث أقامت حامية من 150 رجلاً. وتمكن الجزائريون من دخول القلعة بعد محاصرتها عشرين يوماً. كما صدّ الأسطول الجزائري هجمات إسبانية لاحقة. ففي 1530، دارت معركة كبيرة بين الأسطول الجزائري بقيادة خير الدين باشا، والأسطول الإسباني بقيادة الأميرال أفريدريكو بورتوندو المجهز بحوالى 12 سفينة، حيث تقدم للقضاء على الأسطول الجزائري في منطقة بين جزيرتين من جزر البليار الإسبانية، وتمكن خلالها خير الدين من تدمير الأسطول الاسباني وقتل قائده والرجوع بالغنائم والأسلاب.
اكتسى البحر المتوسط صبغة عالمية في القرن السادس عشر، ومحـوراً للعلاقات الدولية على أساس حماية كل دولة مصالحها التجارية. وكـانت الخريطة العالمية تتشكل من الدول الأوربية في شمال الحوض المتوسـطي من جهة، و التي كانت في صراع دائم حول مصالحها التجارية في البحر المتوسط. والسلطنة العثمانية من جهة أخرى، وقد كانت الـخلفية الرئيسية والخلافة الروحية للعالم الإسلامي. فكانت السلطنة تشكل عائقاً أمام سفن الدول الأوربية إذ تصدى أسطولها الحربي للسفن التجارية غير المسجلة لدفع الرسوم البحرية. وامتد الحكم العثماني على المشرق العربي ومصر والمغرب العربي باستثناء المغرب الأقصى. وكما كانت السلطنة العثمانية محط أنظار المسلـمين، ولو كانوا خارج حدودها، لأنّها كانت أقوى دولة إسلامية تحرص على مساعدة المسلمين في كل بقعة وتعد نفسها مسؤولة عنهم وحاميتهم، فإنها استجابت للجزائريين بعد استنجادهم بها لطرد الإسبان والتصدي للحملات الصليبية.
أيضاً لاحقت البحرية العثمانية القراصنة الأوروبيين، وفي مرحلة ما استطاع العثمانيون تحويل البحر المتوسط إلى «بحيرة إسلامية»، فقد كانت استجابتهم للجزائريين بدافع ديني. كـان العثمانيون يرفعون شعار الإسلام، ويعدون أنفسهم المدافعين عنه وعن دياره، واستعانوا بالجيش الإنكشاري. ومرت هذه الإمبراطورية كغيرها بمرحلة القوة التي ظهر فيها حكاما من أهمهم سليم الأول، وابنه سليمان القانوني الذي أعجب به مؤرخون غربيون من أمثال كلو (CLOT)، ورو (ROUX).
وفي عهد سليمان القانوني (1520-1566)، استأنفت السلطنة سياسة الغزو والجهاد ضد العالم الغربي حتى وصلت إلى أبواب فيينا عام 1589. ولكن مـع بداية القرن الثامن عشر، برزت معالم ضعف الدولة العثمانية بسـبب الفسـاد الإداري الذي أدى إلى نشأة الأسرة القرمانالية في ليبيا (1711-1835) ومؤسسها أحمد القرمانالي الذي امتد سلطانه من طرابلس إلى برقة وفـزان. ولكن كما حدث في الجزائر، هاجمت الأساطيل الأوروبية الموانئ الليبية وتعرضت ليبيا ودخلت القوات العثمانية لطرد الأوروبيين عام 1735. وبسبب تقهقر السلطنة، استمر رباط الجزائر بالحكم العثمانيين معنوياً واسمياً فقط، في حين كانت الجزائر تتمتع باستقلال شبه تام كما في مصر في عهد محمد علي، إلى أن وقعت الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي الطويل عام 1830.
إضافة إلى ما سبق، نذكر هنا بحث الدكتور عبد الجليل التميمي، وهو مشكور على ذلك، إذ عثر بدار المحفوظات التاريخية في إسطنبول - طوب قابي سيراي - تحت رقم 4656 مؤرخة في أوائل ذي القعدة 925 (الفترة الممتدة من 26 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 3 نوفمبر (تشرين الثاني 1519) على الرسالة التي بعثها أعيان وعلماء الجزائر إلى السلطان العثماني سليم الأول، وهي تفنّد كل الادعاءات والمغالطات على أن الوجود العثماني بالجزائر كان احتلالاً أو استعماراً. فلو كان فعلاً استعماراً، لفعل ما فعلته الحركة الاستعمارية الأوروبية في الشعوب المستعمرة من تقتيل وتهجير وتفكيك التركيبات الاجتماعية وانتهاك أعراض السكان وإصدار قوانين استبدادية بحقهم مثلما حدث في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية الفرنسية وفي غيرها من البلدان العربية.
صحيح أن الحكام العثمانيين احتكروا السلطة ولم يشاركوا الجزائريون في الحكم، لكن هذا لا يكفي كسند يمكن الاتكاء عليه والقول إن العثمانيين استعمروا الجزائر، إنما وقف العثمانيون موقفاً مشرفاً في الدفاع عن شرف شعب الأندلس الذي كان يفر من بطش الإسبان - مأساة المورسكيين - فساعد هؤلاء واستقبلوهم في ديار السلطنة أكانوا مسلمين أم يهوداً، ثم حروروا المدن الجزائرية وموانئها. وهذا عمل بطولي رسّخ فكرة الأمة المتلاحمة والأخوة الإنسانية في تلك المرحلة.
* أستاذ جامعي جزائري