«في الوقت الذي كان يُناضل فيه بعض الناس، ويتفرج بعضٌ آخر، كان هناك بعض أخير يقوم بدور الخائن» (غسان كنفاني)


قبل الولوج في ما آلت إليه أوضاع فلسطين، علينا التوضيح بشكل غير قابل للتأويل: عصابة الإجرام المُنظّم من سَلَطَة الحكم الذاتيّ، المسّماة مجازاً بسَلَطَة أوسلو-ستان، أدمنت على التفريط بالثوابت الفلسطينيّة، لأنّ هذا هو الدور المنوط بها من قبل الإمبرياليّة العالميّة، الممثلة بالولايات المتحدة الأميركية، ومن الحركة الصهيونية، الممثلة بصنيعتها دولة الاحتلال، التي زُرعت على أرض فلسطين.

فلسطين التي مضى على فضّ غشاء بكارتها أكثر من 65 عاماً. من نوافل القول التأكيد على أنّ الزمرة المتنفذة في ما يُطلق عليها القيادة الفلسطينية، تُشارك اليوم فرادى وجماعات في عملية الاغتصاب الجماعية لحقوق هذا الشعب، والتي أقرتها الشرعية الدولية، ممثلة بمجلس الأمن الدولي. ولا نُبالغ البتّة إذا قُلنا وفصلنا انّ فلسطين تباع اليوم بمزاد علني، يُشارك فيه رئيس مجلس محلي المقاطعة المحتلة، المدعو محمود رضا عبّاس، بعد أنْ تلقي الضوء الأخضر من الرجعية العربية، التي تقودها مملكة الرجعية، التي ما زالت تعيش في القرون ما قبل الحجرية، السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية. ومن المُفارقات العجيبة والغريبة على حد سواء، أنّ هاتين المملكتين، هما الدولتان الوحيدتان في العالم، اللتان أُطلق عليهما اسم على اسم العائلة الحاكمة. وتحكم الدولتين أسرتان بينهما عداوة بدوية متأصلة لا تخفّ سوى حين التآمر على فلسطين والعرب، أيْ في خدمة إسرائيل.

■ ■ ■



عبّاس، نميل إلى الترجيح، هو كَمَن يقود سيارة بدون كوابح وفرامل، بسرعة كبيرة لكي يُنهي المهمة التي أُلقيت على عاتقه، والقاضية بتصفية القضية الفلسطينيّة. وعلى الرغم من قيادة السيارة بدون الفرامل، إلا أنّ الرجل يتمكّن من مواصلة المشوار، دون أن يتعرّض لجراح أو يُصاب بحادث طرق، ولكن عندما ينتهي السباق إلى اللا مجهول ستنتهي بعدها مهمة عباس... بعد أن أدّاها بالشكل الذي تمّ تحديده.

■ ■ ■



المحزن والمريب، المشين والمخزي، أنّ المؤامرة الآنية على ما تبقّى من فلسطين، تُحاك وتُخرج إلى حيّز التنفيذ، في ظلّ صمت شعبي فلسطيني، وفي ظلّ صمت عربي وإسلامي. وفي هذه العُجالة يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: أين الشعب الفلسطيني؟ لماذا لا ينتفض ضدّ السَلَطة، التي باتت أخطر عليه من الاحتلال؟ لماذا لم نسمع عن فعاليّات وتظاهرات في الضفة الغربيّة، في مخيمات اللجوء في الشتات، وفي الداخل الفلسطيني؟ نعرف أنّ استعمال البندقية بات إرهاباً، ولكن ماذا مع النضال الشعبي لوأد المؤامرة الجديدة القديمة؟ ما هو السرّ الدفين الذي يمنع أبناء الشعب الفلسطينيّ من وضع الحد على الجميزة، كما يقول المثل العربيّ العاميّ لقيادة اغتصبت القرار الفلسطينيّ، وباتت تصول وتجول بدون حسيب أو رقيب؟

■ ■ ■



المفاوضات، إذا جاز التعبير، بين إسرائيل المارقة والمُعربدة، وبين السَلَطَة، هي عملياً مفاوضات بين إسرائيل وأميركا، التي تكره الناطقين بالضاد، وتتعامل معهم بازدراء واحتقار، لأنّهم، والقصد الأنظمة الحاكمة، على استعدادٍ لبيع نفسها للشيطان، مقابل الحصول على المظلّة الأمنية الأميركيّة لحمايتها، وبالتالي من لا يحترم نفسه، لا يحق له، لا أخلاقياً ولا وطنياً مطالبة الآخرين باحترامه. وهذه الدول العربيّة، التي لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة، ولا نقول الدولة الحديثة، باتت على استعداد لتقديم فلسطين على طبقٍ من ذهب الصهاينة والإمبرياليين، من أجل الحفاظ على مقاليد الحكم. ولكن، مع ذلك، لماذا نعود باللائمة على هذه الأنظمة الرجعيّة، في الوقت الذي يقوم فيه عبّاس بالتمايل كالطاووس، والتنقّل كالجندب من عاصمة إلى أخرى، حاملاً بضاعته الفاسدة لعرضها أمام الحكّام العرب الفاسدين من جميع النواحي؟

■ ■ ■



الأخطر ممّا ذُكر أعلاه أنّ الولايات المتحدّة الأميركية أصدرت فرماناً علنياً جاء فيه أنّها تؤيّد فرض يهودية دولة الاحتلال وشطب حق العودة، وتحريك حكام القُطريات العربية لتمرير هذه الكارثة. ولمَ نستغرب، فالسيّد عبّاس تنازل عن حق العودة وقال بصريح العبارة إنّه لا يُريد العودة إلى مسقط رأسه صفد، وأكثر من ذلك، بكل صلفٍ ووقاحة وسَفاهة، وقلّة أدب، وبدون خَجَل، حَياءٌ وحشمةٌ، صرّح بأنّ صواريخ المقاومة هي صواريخ عبثيّة. بكلماتٍ أخرى، نهج عبّاس أخمد روح المقاومة في قلوب وعقول الشعب الفلسطيني، وتمكّن من استدخال الهزيمة إلى هذا الشعب، الذي سجّل على مدار التاريخ أساطير في النضال ضدّ أقوى جيش في الشرق الأوسط، وألحق به الهزائم، على الرغم من عدم تكافؤ الفرص والقوّة بين الطرفين.

■ ■ ■



باعتقادنا المتواضع جداً فإنّ حياكة خيوط المؤامرة بدأت منذ أن فرضت أميركا على الراحل عرفات، منصب رئيس الوزراء الذي تبوأه عبّاس، والأخير، يقوم بتنفيذ الدور الذي أُلقي عليه على أحسن وجه، وعلى سبيل الذكر لا الحصر: السيّد عبّاس وافق خلال المفاوضات مع الدولة العبريّة على مبدأ تبادل الأراضي، وحصل على موافقة وتشجيع من الرباعية الدولية، ومن وافق على المبدأ المذكور، لا يُمكنه الآن التنصّل منه، وأكثر من ذلك، إنّ الطلب الإسرائيلي الوقح بتبادل الأرض مع السكّان هو تحصيل حاصل، لأنّ المبدأ، برأي الصهاينة من ألفهم إلى يائهم، ينسحب أيضاً على السكّان. ومن هنا انبرى المأفون والمُستجلب من روسيا، أفيغدور ليبرمان، مطالباً بنقل المثلث ووادي عارة إلى سيادة الدولة الفلسطينيّة العتيدة. حسناً يا مُستجلب، جيّد يا مستوطن على أرضٍ ليس لك، وتتنفس هواء ليس لك، أنا شخصياً أُوافق على هذا المبدأ، شريطة أن تتمّ عملية التبادل في جميع الأراضي التي صادرتها دولة الاحتلال من المنطقتين المذكورتين منذ النكبة وحتى اليوم، أعط لقيصر ما لقيصر وما لله لله.

■ ■ ■



في خضمّ هذه المؤامرة، أوْ النكبة الثانية، خرجت مجموعة من أبناء الشعب الفلسطينيّ بمبادرة تحت عنوان: لا التفاوض مع كيري أو مغادرة منظمة التحرير. وقالت في بيانها، التي طالبت الآخرين بالتوقيع عليه: في مواجهة هذا الانهيار الكبير فإنّ الخطوة الصحيحة الأولى والوحيدة هي خروج كافة الفصائل من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورفع الغطاء عن المفاوضين وعن سلطة الحكم الذاتيّ، على أن تُرافق هذا مواقف وبيانات واضحة من مختلف القطاعات الشعبية سواء عمالية أو مهنية أو نسوية أو طلابية تطالب بوقف التفاوض تماماً، وأنْ تأتلف هذه القطاعات لرفع المواجهة إلى العصيان المدني الشامل، هذا ما يجب أن يقوم به كل وطني. من أجل تهويد فلسطين يجري حريق الوطن العربي وتوظيفه لتكريس يهودية الكيان وتسويده على عشرات الدول التجزيئية المنتظرة. اليوم تجري مشاغلة الفلسطيني بما يشلّ وطنيته سواء بالرشى المناصبية والسلطوية أو بالمال المسموم من الأجنبيّ، أو بالقلق على قوت يومه أو بالضرائب التي كرّستها سياسة الليبرالية الجديدة، أو بالقمع الصهيونيّ المتواصل، أو بمشاغلته ضد سوريا وتعميته عن عدوان تقوده أسرة آل سعود وغيرها بحقد بدويّ يُحرّكه خبث امبريالي صهيوني، أو بتفجيرات في لبنان والعراق واليمن ومصر وبتلاعبات مذهبية تديرها قطر ضدّ حزب الله بأدوات فلسطينية.

■ ■ ■



مع انكشاف الأغطية هذا، أين يقف الفلسطيني من مشروع يُطالب علانية بالتخلّي عن وطنه عبر مفاوضات تؤدّي بخبث هائل إلى إفراغ الفلسطيني من وطنيته وإلى فك الموقف الشعبي العربي عن قضيته وهو يرى المفاوض يحمل قلم التوقيع التصفوي. الوطن ليس للمفاوضين ولا لمنظمة التحرير ولا لسلطة الحكم الذاتي، ومن أراد الذهاب وحيداً إلى المفاوضات وتكريس يهودية فلسطين فهذا شأنه، لسنا غطاءً سوى للوطن.

■ ■ ■



مع الاحترام الشديد لهذه المبادرة الوطنيّة، إلا أنّها لا ترتقي إلى مستوى الحدث، وبالتالي يجب شحذ الهمم، وتأليب الرأي العام الفلسطيني على مجرمي أوسلو، لكي ننطلق ضدّ المؤامرة، قبل أنْ يُصاب عبّاس بحادث طرق يودي بحياته، بعد تصفية القضية الفلسطينيّة... يا نبض الضفة، لا تهدأ... أعلنها ثورة.
* كاتب فلسطيني