حين تمَّ احتجاز الرئيس سعد الحريري في السعودية في 4 تشرين الثاني الماضي، ومن ثمَّ فرض الاستقالة عليه، انطلقت حملة تعاطف وتضامن معه كانت شاملة لولا بعض الاستثناءات. يومها، حاولنا أن نتخطى الجانب الإنساني والرسمي (المتصل بأصول العلاقات بين الدول) إلى استخلاص يفيد بأن الحريري خرج في صفقته الرئاسية مع العماد ميشال عون (وقبله مع النائب، آنذاك، المرشح الرئاسي، سليمان فرنجية) من مرجعيته وعليها مجازفاً ومجتهداً لمصلحة حل أزمة الرئاسة الأولى التي استطالت حتى كادت تستعصي لولا مبادرته. رحّبنا يومها باجتهاد الحريري وبنتائجه، حتى لو كانت بعض دوافعه مرتبطة بأزمة الحريري نفسه: أزمة علاقته مع قيادة المملكة وما نجم عنها من تدهور في أوضاعه المالية بحيث شارف على الإفلاس شبه الكامل. وكانت الأمور، قبلُ، قد تطورت، في مجرى الصراع الإقليمي، وخصوصاً في سوريا، لغير مصلحة السعودية وحلفائها الإقليميين والدوليين. استشعر الحريري ذلك، واندفع يجتهد ويبحث عن مخارج تساعد في التخفيف من وطأة أزمته، وذلك، تحديداً، عبر صفقة غير متوقعة تؤمن عودته إلى رئاسة الحكومة بما يؤمن له استعادة شيء من عناصر القوة السياسية والخدماتية والصفقاتية (المالية)...

رحّبنا يومها بـ«تمرد» الحريري على مرجعيته الإقليمية، وطالبنا باحتضانه، وحتى، بملاقاته، من قبل أطراف السلطة، في منتصف الطريق. طالبنا، تحديداً، بأن تتحرر علاقات القوى السياسية اللبنانية من التبعية والارتهان... وبالتالي من رهن بلدنا وعلاقاته وأمنه واستقراره و... لمصالح القوى الخارجية. في هذا السياق اعتبرنا أن قيادة السعودية لم تكن لتقدم على احتجاز رئيس وزراء لبنان (بطريقة نافرة وفظة) وفرض الاستقالة عليه، لو لم تكن علاقاته معها غير سوية وغير مقبولة أساساً.
طبعاً، ليس الحريري من أسّس هذا النوع غير السوي وغير المقبول من العلاقات مع الدول الخارجية، الإقليمية والدولية. هذا تقليد لبناني «مجيد»: في الاستقواء والولاء. وهي معادلة حكمت علاقات القوى، التي حكمت لبنان، بالخارج، للحصول على النفوذ في الداخل أو للمحافظة عليه. بارتكاز هذه المعادلة إلى عوامل إضافية (طائفية ومذهبية وسياسية ومالية...)، باتت أحد أركان بناء النفوذ والمشاركة في السلطة في لبنان. ومن نافلة القول إنها أحد الأسباب الأساسية لمنع إقامة دولة قوية وحصينة ومستقلة ومستقرة في البلاد.
استفاد الرئيس سعد الحريري من حملة تضامن دولية ومحلية غير مسبوقة ليتدارك الكثير من أسباب ضعفه. ورغم تراجعه في الانتخابات النيابية، إلا أن سبب استعادة بعض نفوذه وجمهوره إنما يعود إلى مفاعيل حملة التعاطف الذي حظي بها في أوساط بيئته، في الدرجة الأولى. لكن قيادة المملكة التي اختبرت محاولة الضغط الفج والإكراه المباشر، وفشلت، عادت لتختبر أشكالاً أخرى من احتواء «استقلالية» الحريري بأساليب حازمة لكن ذات طبيعة ناعمة، تجمع ما بين الوعود والضغوط، سعياً لتوظيف موقعه الرسمي ونفوذه السياسي في الصراع في لبنان، وعبر لبنان، في الصراع الدائر في المنطقة، والذي خسرت السعودية فيه الكثير لمصلحة خصومها.
نجح التدخّل السعودي في إنهاء «شهر العسل» بين الحريري والرئيس ميشال عون. وهو شهر عسل تمخَّض عن محاولة وضع يد على السلطة والإدارة في البلاد في نطاق ثنائية راجحة لمصلحة التيار العوني. كان العنوان السياسي هو الأساس بالنسبة إلى التيار العوني، وجوهره الإمساك بالسلطة. أما تيار الحريري فقد اهتم أكثر بالصفقات. برز في مجرى ذلك أن ما يحصل هو نوع من الالتحاق السياسي من قبل الحريري بالتيار العوني الذي حرص دائماً، ومن دون مداراة أو حسابات، على إظهار نجاحاته في استعادة «الحقوق» ومعها معظم السلطة إذا أمكن، على غرار ما كان قائماً قبل عام 1975.
نجاح السعودية في «استعادة» الحريري من أحضان التيار العوني، انعكس سريعاً على تشكيل الحكومة العتيدة وعلى تركيبها وحقائبها وتوازناتها. كان التيار العوني يعد نفسه بقيام «حكومة العهد»، بعد أن يكون صاحب الكلمة الفاصلة في تشكيلها. لم تسر الأمور، وخصوصاً في الشهر الأخير، على هذا النحو. وها إن مسألة «الصلاحيات الميثاقية» تطرح في وجه رئيس الجمهورية من قبل رموز المؤسسات العائدة للطائفة السنية (كل الطوائف كريمة وغفورة!). بات المشكل الآن بين الرئاسة الأولى والثالثة بعد أن استقرت طيلة أشهر ما قبل الانتخابات، ما بين الرئاستين الأولى والثانية. يدور الآن صراع ضارٍ بين القوى جميعها على عدد الحقائب ونوعية هذه الحقائب. الحريري مطالب، سعودياً، بأن يعود إلى قواعده وحلفائه السابقين (في تحالف 14 آذار) لا أن يضعفهم لحساب خصومهم ومنافسيهم.
لا شك في أن ذلك يقع في نطاق صراع إقليمي حاد وشبه مباشر على النفوذ والسياسيات في لبنان: الداخلية والخارجية. في هذا السياق يندرج، مثلاً، ملف النازحين وعدم تسهيل عودة تستفيد منها سلطة الرئيس بشار الأسد في الخارج و«سلطة» الرئيس ميشال عون في الداخل. إحدى نقاط قوة المواقف الداعية إلى التأجيل هي غياب خطة جديَة من قبل السلطة السورية لفتح باب واسع للعودة بسبب حسابات سياسية وأمنية، بعضها مبرَّر وأكثرها ليس كذلك. كما أن موضوع العودة يجري ربطه من قبل الجميع, ووفق حسابات متباينة طبعاً، بالحل السياسي للأزمة السورية وطبيعة هذا الحل والمستفيدين منه.
لم تعبأ معادلة الاستقواء والولاء، يوماً، بالمصالح الوطنية وبالأولويات المرتبطة بها والمعبِّرة عنها. في مراحل الأزمات الخارجية قد تؤدي هذه المعادلة إلى خراب كبير: بعد مراحل من التوتر، أو الاحتراب الداخلي، أو الشلل والتعطيل وعدم الاستقرار والخسائر الاقتصادية الفادحة... أو كلها مجتمعة. هذا ما كان مطلوباً من خلال احتجاز الحريري في 4 تشرين الثاني الماضي. تحدث الرئيس الفرنسي صراحة عن نجاحه في تجنيب لبنان حرباً أهلية «لو لم يكن صوت فرنسا مسموعاً»، كما قال! اليوم تدور مخاوف جدية بشأن الوضع الاقتصادي. لبنان مرشح للإفلاس، واقتصاده وعملته للانهيار. ارتفاع الفوائد مؤشر خطير. النهب متواصل. الصفقات لا ترحم خزينة الدولة، وجيوب الناس المرهقة أعصابهم، أيضاً، بسبب نقص وتدهور الخدمات وتفشي الأمراض والأوبئة.
منذ عام 2005 ثبت، مرة جديدة، أن القوى السيادية الحقيقية غير حاضرة ومؤثرة على مستوى السلطة. جرى بعد فرض الانسحاب على السوريين استبدال عنجر بـ«عوكر». تمَّ تضييع فرصة تاريخية من قبل حملة شعار السيادة ذوي العين الواحدة أنفسهم. بعد «تحرير» الحريري من السعودية، كان يمكن التأسيس لنهج سيادي فعلي (وفق نظرية زوتشي الكورية!). لكنّ فريقي السلطة انصرفا إلى تعزيز النفوذ الخاص على حساب سلطة الدولة. الدوامة مستمرة حتى كارثة أخرى، أو حتى بناء توازن وطني جديد يفرض التمييِز بين العلاقات المشروعة في خدمة قضية وطنية أو قومية، وعلاقات الاستقواء والتبعية غير المشروعة بتاتاً!
* كاتب وسياسي لبناني