I ــ كرة القدم

كلّنا نشاهد كرة القدم، ونختار فريقاً ننحاز إليه في كلّ مباراة نتابعها، لكنّ فكرة أنّ هناك فريقاً محدّداً تشجّعه وتتعصّب له وتأخذ نتائجه على نحوٍ شخصيّ، فهذا أمرٌ مختلف. وفق العقلية القديمة (أي قبل انتشار البثّ المباشر والصحون اللاقطة والقنوات الفضائية في كلّ منزل)، كانت القاعدة المنطقية كالآتي: أنا سآخذ تعصّبك و«هويّتك الكروية» على محمل الجدّ في حالةٍ من اثنتين: 1ــــ إن كان الفريق المعني فريق مدينتك أو محلّتك، تتابعه منذ الطفولة وكبرت على تشجيعه، وكان أبوك يحملك إلى الاستاد على كتفيه، وهو يمثّل جزءاً من هويّتك الثقافية والاجتماعيّة والفرديّة؛ أو 2 ــــ إن كنت قد راهنت بمبلغٍ معتبر على نتيجة المباراة. في هاتين الحالتين فقط، سأحترم مشاعرك وأكون حسّاساً معك وسأتظاهر بالحزن حين يخسر فريقك. لكنّ منهج التشجيع «الدولي»، أنّ هناك فريقاً أجنبيّاً ينتمي إلى مدينةٍ بعيدةٍ في قارّةٍ أخرى، شاهدته على التلفزيون فـ«تبنيته» وأصبحت مخلصاً له، وتعدّه «ناديك» وتقف خلفه ــــ سواء فاز أو خسر، لعب أو لم يلعب ــــ فهذا غريبٌ على العقلية «الكلاسيكيّة».
المعنى هنا ليس أنّ الانتماءات «المعولمة» في كرة القدم هي «مزيّفة» أو غير حقيقيّة أو واهمة. على العكس تماماً، ما أقوله أنّ هذه الرابطة بين مشجّعين في الصّين ونادي مانشستر مثلاً، والحماسة التي تلفّها والتقاليد التي تنشأ حولها، حقيقيّةٌ وصادقةٌ تماماً كالنمط القديم (أقلّه من وجهة نظر المشجّع). هي تعبّر فحسب عن سياقٍ جديدٍ لكرة القدم ولشكل اللّعبة وثقافتها، ولّدته جملةٌ من الأسباب الماديّة والتقنيّة والسياسيّة. العديد من الماركسيين لديهم تفسيرٌ بسيطٌ لهذا النّمط: العولمة الرأسمالية تنحو باستمرار صوب الاحتكارات وتعميم ممارسات استهلاكيّة متشابهة بين النّاس. على سبيل المثال، بدلاً من أن تنتج المصانع والشركات سلعاً لـ«هالووين» للسوق الأميركي وحده، من الأفضل تعميم هذا الاحتفال وبيع هذه المنتجات، في اليوم نفسه، على مستوى العالم كلّه. بدلاً من أن يكون هناك ألف احتفالٍ ومناسبة محليّة، لكلٍّ منها خصائصها وعاداتها وجمهورها الصغير، فإنّ العولمة تشجّع على اعتماد مناسبات «كونيّة» (من الفالنتاين إلى عيد الميلاد ورأس السنة، وصولاً إلى مسابقات الرياضة) تحتفي بها كلّ شعوب العالم وتستهلك منتجاتها ورموزها. هذا، بدوره، يتطلّب اختراق المجتمعات الأجنبيّة على مستوى الثقافة والحياة اليوميّة والعادات، وليس مجرّد الاستهلاك البسيط وشراء السّلع.
أصبح للتشجيع طقوسٌ جديدة، كمشاهدة المباريات في المطاعم والحانات، وأصبح الجمهور النسائي يقارب جمهور الذكور عدداً والتزاماً (في لعبةٍ ذكوريّة، فلا أعلم إن كان ذلك أمراً «تقدمياً» أو مجرّد إضافة مستهلكين إلى السّوق ــــ وهم يشعرون بـ«الحاجة» إلى الانتماء إلى هذه المناسبة والمشاركة في طقوسها، وإن كانوا لا يحبّون اللعبة ذاتها ولا يمارسونها). للحقّ، حتّى لا نقلّل من مشاعر الجمهور وتعلّقه بأنديته، فإنّ مقدار الحماسة والولاء والإخلاص ــــ والاستعداد للإنفاق ــــ الذي يبديه جيل اليوم في بلادي تجاه فرقهم الأجنبيّة، لو كان موجوداً لدى جمهور الفريق المحلّي الذي كنت أشجّعه صغيراً، لأصبح «التضامن ــــ صور» نادياً عالميّاً.
تأثير العولمة، بالطّبع، يذهب في الاتّجاهين؛ كما تغيّرت طبيعة الجمهور وعاداته في العقود الأخيرة، فإنّ النّوادي الكبرى «المعولمة» هي أيضاً قد تغيّرت جذريّاً وفارقت منبتها المحلّي. نادي جوفنتوس يبيع قمصاناً للاعبه الجديد كريستيانو رونالدو ــــ خلال ساعاتٍ ــــ يفوق عدد سكّان مدينة تورينو؛ وجمهور مانشستر لم يعد، منذ التسعينيات، جمهور عمّال المدينة وفقرائها، إذ لم يعد بإمكانهم حضور المباريات في الملعب، وأصبحوا يراقبون ــــ بغيظٍ ــــ المصرفيين الموسرين الذي يأتون من لندن بالقطار لحضور المباريات (ومانشستر، أصلاً، لم تعد فيها معامل نسيجٍ ومناجم فحم). ترافق تسليع الكرة في بريطانيا وتحويل النوادي إلى شركات مع رفع أسعار البطاقات بنحو فلكيّ وتغيير «نوعية» الجمهور التي تتابع في الملعب. مُنعت، مثلاً، مدرّجات «الوقوف» ذات الأسعار الزهيدة، وأصبح القانون ينصّ على مقاعد مفردة لكلّ مشاهد، ما أخرج الجمهور التقليدي الشعبي من الملاعب (حتّى تفهم الجوّ الذي كان سائداً قبل «تحديث» اللعبة، وثقافة النوادي والمشجّعين أيّامها، تكفي قراءة شهادةٍ قرأتها مرّة لكاتب بريطاني يصف فيها تجربته الأولى في الملعب، والعادات التي لا يمكن تخيّلها اليوم. بعد صفرة النهاية مباشرة، يقول الكاتب، وجد نفسه يراقب في جزعٍ جماهير فريقه وهي تقفز ــــ آلافاً ــــ عن الحاجز الذي يفصل بينها وبين الجمهور المنافس، لتنقضّ عليه في معركةٍ طاحنة. وفي الأسبوع التالي، يضيف الكاتب، كان هو يقفز معهم).

II ــ وسائل التّواصل
العمليّة ذاتها هي التي أفرزت «فيسبوك» و«تويتر» وباقي شركات/مواقع التواصل الاجتماعي منبراً أوحداً لأفكارنا ونقاشاتنا وتشكيل الجماعات الافتراضيّة. هذه الوسائط «إمبريالية»، بمعنى أنّها لم تتجاور مع المنابر البديلة - مثل المنتديات والمدونات وغيرها، وهي أقلّ مركزية وأكثر ديمقراطية وأقلّ تجارية من النمط الحالي) بل استبدلتها واستوعبتها، وهي تسعى باطّرادٍ إلى استيعاب مختلف أشكال الـ«ميديا»، من الصحافة إلى التلفزيون إلى التواصل الصوتي، إلخ. مع تحوّل الفايسبوك إلى تجربةٍ جماعيّة (ومنفذاً إجبارياً لكلّ من يريد نشر الإعلانات والأفكار والمنتجات الإعلاميّة)، كرّر الجميع النّقد الشهير الذي وجّهه إمبرتو إيكو، عن أنّ «فيسبوك» يسمح لـ«جحافل الحمقى» بالتحكّم بالميدان على قدر المساواة مع المفكّرين (أي إن طبقات «الفلترة» التقليدية، من سلطات وخبراء ومحررين يقرّرون ما يستحقّ النشر وما لا يستحقّ، قد أُزيلت، وأصبح «السوق» مفتوحاً للجميع). لكن ما يقلقني حقّاً، علاقة الفيسبوك بمن هم «فوق»، أي السلطات والقانون، وليس من هم «تحت».
«فيسبوك» يعطيك، نظرياً، الحقّ بقول ما تريد والتواصل مع مليارات البشر، ولكنّه ــ وهذا هو الوجه الآخر للمعادلة ــ يضع كلّ أفكارك ومحادثاتك وصداقاتك هذه في «السجلّ العام» وتحت عين الدّولة. القانون التاريخي أنّ كلّ ما يقع تحت عين الدّولة يخضع، تلقائياً، للتقنين والتنظيم والسيطرة (وقوانين «الجرائم الإلكترونية» وكلّ هذا). وجود مسافةٍ بين ما تقوله في «المجال العام» وبين مجالك الخاصّ، الحميمي والشخصي، الذي تبنيه لنفسك ولا يقع تحت عين أحد ولا تضطرّ إلى أن تبرّره لأحد، هو أساسي ضمن أي مفهوم للحريات الفرديّة. حتّى في أقسى الدّول السلطويّة وأشرس الأنظمة العربيّة، دعك من الكليشيهات، ستجد النّاس يتكلّمون بحريّة في «مجالهم الخاص» هذا وبين الأصدقاء والمعارف. هم يتغيّرون ويأخذون حذرهم ويتلبّسون شخصية مختلفة وخطاباً محايداً فقط حين يكون كلامهم واقعاً في «السجلّ العام»: أمام غرباء، في مؤسسة رسمية، على الإعلام… ما يفعله «فيسبوك» - فيما هو يعطيك هذه الفسحة - أنّه يضع كلّ نشاطك وأحاديثك وأفكارك (وحتّى «الإعجاب») في «السجل العامّ»، تحت رقابة الدّولة والمجتمع. إنّ اختفاء المسافة بين المجال الشخصي، الخاص والفردي والذي لا رقابة لأحد عليه، وبين «المجال العام»، إن حصل، لا يجعلك تفقد حرّيّتك وتراقب نفسك فحسب، بل هو سيدفعك إلى الجنون (ومن السيناريوهات التي أجدها محتملة في المستقبل، سيناريو دولة فاشيّة مدعّمة بالتكنولوجيا الحديثة، ستنسيك النازيّين، وهي لن تحاسبك على ما تقوله من الآن فصاعداً، بل على كلّ ما قلته وفعلته في الماضي ـــــ فكلّه مسجّل).
هناك سببٌ آخر أقنعني بأنّ الفايسبوك هو صفقة خاسرة (إلّا بمعنى التجسّس على أعدائك ومن تكره، أنا تقريباً لا أعرف ما يقوله أصدقائي هناك)، ولكنّه يحتاج إلى توطئة واستطراد. في نصٍّ شهير للكاتب الراحل دايفيد فوستر والاس عن صناعة الإباحية (البورنو)، يفرد والاس توصيفاً للأسباب التي تدفع الناس إلى مشاهدة الأفلام الجنسيّة. يتفحّص الكاتب حالة رجلٍ يتابع، بإخلاصٍ ومنهجيّة، كل ما يصدر عن سينما البورنو. والرّجل شرطيّ، في منتصف العمر، ليست فيه علائم هوسٍ أو طيش، بل هو رزينٌ لطيف، ويبدو لك حين تتعامل معه أنّه إنسان عائلي و«أخلاقي». السّبب الذي قدّمه هذا الشرطي كان مثيراً. النظريّة، باختصار، هي أنّ حالة العري والجماع هي أكثر حالاتنا ضعفاً وحميميّة على الإطلاق، لا يرانا أحدٌ فيها سوى أزواجنا (وحتّى الزوج، في دياناتٍ وثقافات، لا يراك على هذه الحال). حين تضع الممثّلة نفسها أمام الكاميرا وهي عارية، فهذا أقصى درجات الانتهاك والإذلال أمام المشاهدين: هي تعرض نفسها، بهذه الحالة الحميمة والهشّة، أمام الكاميرا وعيون ملايين النّاس. لهذا السّبب، يضيف الشّرطي، تضع الممثّلات ما يشبه «قناعاً بلاستيكياً» أثناء التصوير. وجه مخدّر لا حياة فيه، وتمثيلٌ مبالغ لا يخفي الزّيف. هذا «القناع» هو الدّفاع الوحيد الذي تملكه الممثّلة في وجه كشفها وإذلالها: أنت ستراني، لكن لن تراني على حقيقتي. ستحصل على دمية تشبهني، ولكني لن أظهر لك شخصيتي وحركاتي وتعابيري الحقيقية حين أكون حرّة. رغم ذلك، يكتب والاس، فإنّ هذا السّتار يسقط في لحظاتٍ معيّنة. لهنيهاتٍ لا أكثر، ولسببٍ أو لآخر، يختفي القناع عن وجه الممثّلة خلال المشهد وتظهر «على حقيقتها»، عفويّة نادرة في الحركة أو الكلام أو الصّوت تكشف ما يقوم التمثيل على إخفائه. ضابط الشّرطة الذي يحبّ الأفلام الإباحية يقول إنّه يقضي ساعاتٍ في المشاهدة فقط حتّى يلتقط هذه اللحظات.
هناك شيءٌ شبيه، في رأيي، في ديناميّة الفيسبوك. كلٌّ من «نجوم» الفيسبوك يحاول بثّ صورةً معيّنة عن نفسه: الناشط الغاضب، المثقّف العميق، الفيلسوف المتوحّد، ضاحك الليل، إلخ… ليس مهمّاً ماذا. ما أزعمه أنّ النّاس لا يراقبون الفيسبوك حتّى يحصلوا على هذه «الوجبة» الثابتة، بل إنّ ما ينتظره الجميع هو «الاستثناء»: في نهاية الأمر، ستخطو خطوةً خطأً، أو تقول شيئاً غبياً فتسقط هذه الصّورة؛ أو يصطدم واحدٌ بالآخر ويعلى التشاتم، أو تُكشف رسالة تحرّش أو فضيحة. هذه اللحظات، وليس «المسار الاعتيادي» والتواصل الاجتماعي «الرسمي»، هو ما يبحث عنه روّاد فيسبوك، وهو ما تتمنّى أن تقع عليه كلّما فتحت جهازك (فلنعترف، لا أحد يدخل «فيسبوك» حتّى يتثقّف أو يخوض نقاشات عميقة ويجسّ نبض الـ«اغورا»). لماذا تدخل نفسك في هذه اللعبة؟ هنا السؤال: ولماذا تتبرّع بأي معلومات عنك حتّى يحكم عليها الآخرون ويتصيّدون عثراتها، وتظلّ محفوظةً لدى شركة خاصّة إلى الأبد؟ ولماذا تشارك في معمعة هي تعطي ــــ بنيوياً ـــــ الأفضلية للوقح والشتّام، ولمن لا يملك خجلاً وكرامة؟ بالمناسبة، الـ«فيسبوكي» الذي لا يخطئ ويظلّ «محترماً»، والذي لن يخرج يوماً عن الدّور ولن يُستفَزّ ولن يتورّط في صراع فاضح هو، بمقاييس «فيسبوك»، شخصية مملّة لا تستحقّ المتابعة.

III ــ «باب الحارة»
أكثر السوريّين يعرفون أنّ مسلسل «باب الحارة»، وكامل موجة المسلسلات السورية التي اشتهرت في السوق العربية وتصوّر «الحارة الدمشقيّة القديمة»، لها «جدٌّ أكبر» ومرجعية. في جزئه الأوّل والأكثر نجاحاً كان «باب الحارة»، تقريباً، استنساخٌ لمسلسل «أيّام شاميّة» الذي خرج في أوائل التسعينيات (وهو للمخرج نفسه الذي أخرج «باب الحارة»، بسام الملا، وقد شارك العديد من ممثلي «أيام شامية» في «باب الحارة»). كامل «وصفة» باب الحارة عن الحارة الشاميّة، وطبيعة الحوارات وشكل الديكورات، وصولاً إلى أدقّ التفاصيل والشخصيات، لها مقابل/مرآة في «أيام شاميّة» (من «العقيد» إلى البائع المتجوّل ـــــ العنصر الكوميدي الخفيف ـــــ وصولاً إلى وجود العسكر الأجنبي في خلفيّة الأحداث؛ ولكنّه عثماني في حالة «أيام شاميّة» وفرنسي في «باب الحارة»، في إشارة إلى تغيّر السياسة والجمهور خلال عقدٍ ونصف). البنية السرديّة للمسلسلين تتشابه، لكنّ الأوّل كان إنتاجاً وطنيّاً للتلفزيون السّوري، على طريقة الثمانينيات وما قبلها، فيما «نسخته المحدثة» كانت إنتاج شركةٍ خاصّة تسعى إلى بيعه في سوق الفضائيات الخليجية.
لكنّ التشابهات بين العملين تقف عند حدود الشّكل. «أيّام شاميّة» لا يقدّم نفسه كمسلسل «تاريخي»، بل يعترف للمشاهد بأنه ذو طبيعة تمثيلية، كاريكاتورية، وأنّه يتكلّم حقّاً عن مجتمع اليوم ولا يوثّق الماضي، فيما «باب الحارة» يفتتح حلقاته بإشارة إلى أنّه تمثيلٌ تاريخي لدمشق القديمة. حين يصوّر «أيّام شاميّة» الفصل الشديد بين الجنسين، أو التزمّت المبالغ لدى شخصيّاته (كأن يحصل عراكٌ كبيرٌ في الحارة على فتح نافذةٍ تطلّ على منزل جار، تصل إلى أعلى المستويات ولا يحلّها «العقيد» نفسه)، فهو يقدّمها في صيغة سخرية (tongue-in-cheek) بمعنى: «انظروا إلى هؤلاء كيف كانوا في الماضي، كم هم سخيفون ومضحكون». في «باب الحارة»، بالمقابل، كانت التصرّفات ذاتها تقدّم بجديّة وإعجاب على أنّها معنى الرّجولة، وماضٍ «جميلٍ» فقدناه.
لكنّ الفارق الأكبر بين المسلسلين، وبين حقبتين يمثّلانهما، كان في المحتوى الاجتماعي. في «باب الحارة»، لا وجود تقريباً للطبقيّة أو لأغنياء وفقراء، بل هي أشبه بقرية السّنافر، التاجر والعامل والحرفي وصاحب الدكّان يسكنون بيوتاً متشابهة ويعيشون الحياة ذاتها. الشرّير في المسلسل هو اللصّ الّذي يحاول أن يرفع من مكانته عبر السّرقة من التّاجر. في «أيّام شاميّة»، الموقع الطّبقي واضحٌ لكلّ شخصيّة، وهو ما يسيّر الأحداث. هناك التّاجر الثّري والبخيل، الخائف أبداً على ماله (وهو الوحيد في المسلسل الذي يتزوّج امرأتين)، وهناك العامل الغريب عن الحيّ، الّذي يحاول تثبيت مكانه فيه، وهناك اليتيم الذي اضطرّت أمّه، في عام المجاعة، إلى بيع نصف منزلها مقابل طحينٍ لإطعام ولدها. بل إنّ العقدة الأساسية في المسلسل هي عن ذلك اليتيم الذي يضطرّ إلى الاستدانة لشراء بيته حتّى يتمكّن من الزّواج، فـ«يرهن شاربه» للتّاجر الجشع، ويرهن شرفه ويخاطر بسمعته وكيانه، وكلّ ذلك لأنّه فقيرٌ وضعيف.
الفارق بين منتجين ثقافيين، متشابهين ظاهراً، يصلح لتأريخ العلاقة بين الثقافة والسّوق، وبين الدّراما التي أنتجها «قطاعٌ عام» لسوقٍ محلّيّ، والدراما ذاتها حين جرت «إعادة توضيبها» حتّى تُباع إلى جمهورٍ عريضٍ محافظ. يكفي هنا أن نقارن بين «العبرة» الأساسيّة في العملين: «أيّام شاميّة» يروي قصّة تحوّل «قبضاي» تقليدي يلجأ إلى الحارة الشاميّة، وكيف اكتسب وعياً سياسيّاً قوميّاً «حديثاً» من خلال تجربته وتعلّمه، وتخلّى عن المفاهيم القديمة الموروثة للبطولة والرّجولة، فيتحوّل إلى «مقاوم» عروبيّ بدلاً من شقيّ حارات. ويتكلّل المسلسل، في مشهده الختاميّ، بعمليّة عسكريّة ينفّذها ورفاقه ضدّ العسكر التركي. في «باب الحارة»، بالمقابل، إنّ جوهر العمل هو عن رجلٍ يحلف يميناً كاذبة أمام النّاس، فينزل الله غضبه عليه ويدمّر حياته، ويرسل إليه أفعىً تشلّه وتقتله.