دعيتُ في إحدى المرات إلى قناة «فرانس 24» للتكلم عن انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي الإيراني. في نهاية الحلقة، قلت إن دونالد ترامب سيعود ويفاوض الإيرانيين عبر الأوروبيين، خصوصاً أن هؤلاء هم بحاجة ماسة من الناحية الاقتصادية إلى السوق الإيرانية، وفي الوقت عينه يخشون الدخول في حروب عالمية لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل.

ترامب فعل فعلته، انسحب من الاتفاق النووي 5+1، أعلن الحرب على إيران وحلفائها وفي الوقت عينه على أوروبا، تاركاً للأخيرة المهمة الشاقة، وهي المفاوضات مع إيران، التي هي أيضاً بشكل ما لمصلحة واشنطن. الرئيس ترامب يعرف تمام المعرفة أن قرار أوروبا ليس حراً وهي لا تستطيع أخذ القرارات التي تحلو لها إن كانت لا توافق بالحد الأدنى المصالح الأميركية.
في هذا تكمن هيمنة أميركا على القارة العجوز. هذا الشيء كان واضحاً عندما قررت الدول الأوروبية بقاءها في الاتفاق النووي الإيراني، لكن تم انسحاب فوري لشركاتها من السوق الإيرانية على غرار شركة «توتال» للنفط و«بيجو» للسيارات. هذا الشيء يترجم الخضوع الطوعي الأوروبي للأوامر الأميركية. فكلّ ما بعد ذلك هو محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ترامب يتعامل مع الأوروبيين كعبيد خاضعين كلياً لسيدهم، يملي عليهم شروطه وهم ينفذون. المشكلة أن الأوروبيين لا يستطيعون إلا التماهي مع المطالب الأميركية، بسبب هيمنة المحورالصهيو-أميركي عليهم في المجال السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي، خارجياً وداخلياً، ما يحد في الوقت عينه من المناورات لحماية مصالحهم.
عملت اللوبيات الأميركية - الصهيونية منذ سنين طويلة لإيصال أزلامها إلى مفاصل دقيقة في المنظومات السياسية الأوروبية. هؤلاء جاهزون في أي وقت لقلب الطاولة على رؤوس الجميع إن حاولت أوروبا الخروج عن السياق الأميركي أو التخلف أو التمايز الكلي معها. أما إسرائيل، فهي أصبحت عبئاً ثقيلاً على كاهل الأوروبيين، لكن العلاقة هي على غرار علاقة أوروبا بالولايات المتحدة.

عملت اللوبيات الأميركية - الصهيونية لإيصال أزلامها إلى مفاصل دقيقة في المنظومات الأوروبية


يجب التنبّه أيضاً إلى أن هناك حرباً خفية قائمة منذ وقت بين الأوروبيين أنفسهم، ما يعطي الفرصة لترامب للتدخل أكثر فأكثر في الشأن الأوروبي عبر الأشخاص الذين ذكرناهم وبعض اللوبيات العاملة لمصلحة الإدارة الأميركية.
الخلافات السياسية القائمة بين الأوروبيين تترجم على سبيل المثال بالخلاف القائم منذ سنين بين فرنسا وألمانيا اللتين تتنافسان على قيادة الاتحاد الأوروبي. أما الدول الأوروبية الأخرى، فهناك خلافات عدة بينها منها سياسية ومنها اجتماعية. والخلاف أيضاً حول الحروب القائمة في الشرق الأوسط، والعلاقة مع إيران، والنظرة إلى الإسلام السياسي، ومشكلة المهاجرين، ناهيك عن المشاكل الاقتصادية التي قد تقسم ظهر الاتحاد الأوروبي.
فإن نظرنا عن قرب إلى علاقة دول الاتحاد الأوروبي ببعضها بعضاً، نرى جيداً أن هناك غياب تجانس وتوافق، وأن كل منظومة سياسية تفكر وتعمل أولاً لمصلحتها، ما يضع الفكرة الأوروبية على المحك. يجب ألا ننسى: هناك سياسيون أوروبيون منتخبون كنواب في البرلمان الأوروبي وفي الوقت عينه هم يناهضون ويعملون على تفكيك هذه المنظومة السياسية، أو على الأقل يدّعون ذلك، ما يخلق تناقضاً كبيراً يُضعف الاتحاد ويجعل أبوابه مفتوحة على مصاريعها في وجه خروقات خارجية منها الأميركية.
أما الشعوب الأوروبية، فهي تعي أن هناك مشكلة كبيرة، وهيمنة خارجية، ومنحى سياسياً منحرفاً، ومشاكل اقتصادية واجتماعية قد تتفاقم في المستقبل، لكن ليس بيدها الوسائل والطرق للتغيير، ناهيك عن منطق المعارضة الأوروبية الرجعي وغير المجدي. فإن رأينا على سبيل المثال كيف تتصرف الأحزاب والنقابات في بعض الدول على غرار فرنسا، نعي تماماً الدور غير الفعّال، الذي لا يقلق السلطات السياسية. فما بالنا بمقاومة الهيمنة الصهيو-الأميركية على أوروبا، ما يفسر بعض الشيء تصرفات الرئيس الأميركي بخصوص أوروبا.
لا يترك ترامب منذ انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني فرصة إلا ويستغلها لابتزاز أوروبا وإخضاعها بالقوة ضارباً بعرض الحائط كل القيم الدولية وحسن التعامل مع الحلفاء. وها هو يعيد تهديد الأوروبيين في قمة «الحلف الأطلسي» طالباً منهم دفع المبالغ المتوجبة عليهم في مشاركتهم في «الناتو»، وزيادة مشاركتهم المالية هم الذين يتكلفون الكثير. الأوروبيون يشاركون عبر «الناتو» بمحاصرة روسيا والصين عسكرياً. يجبر ترامب الأوروبيين من خلال «الناتو» ومنظمات أخرى على المشاركة في الحروب القائمة في سوريا واليمن.
فهم ترامب وإدارته عمق الاختلاف والانقسام الأوروبي إن كان على مستوى النخب السياسية أو مستوى الشعوب، كما فهم حاجتهم إلى الاتفاق النووي الإيراني. من هذا المنطلق، يخطو ترامب خطوته متعددة الأبعاد ومنها إخضاع أوروبا كلياً، بل العمل على انهيارها. وفي الوقت عينه، جعلها تتحمل تداعيات تصرفاته. أوروبا أُجبرت على خدمة أكثر وأكثر مصالح أميركا في العالم بوضعها في مأزق لا مثيل له. فالمتضرر الأكبر من انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني يبقى أوروبا العالقة بين مطرقة الولايات المتحدة وسندان بقية الدول الكبرى.
* كاتب ومحلل سياسي