(أبو عماد)*

تتزايد المؤشرات على اقتراب التوصل إلى إيجاد تسوية ما حول قطاع غزة، تسوية تقوم على مقايضة بحلول للمعاناة المعيشية والإنسانية المتفاقمة في القطاع مقابل تحييد سلاح المقاومة، عبر التوصل إلى «هدنة» طويلة الأمد، تتفاوت التقديرات والتسريبات بشأن مدتها.
لا شك في أن أهالي غزة يعيشون أصعب معاناة يعرفها أي مجتمع إنساني حالياً على وجه الأرض، معاناة سبّبها الحصار الظالم الذي يمارسه العدو الإسرائيلي منذ ما يقارب اثنتي عشرة سنة، والدمار المنهجي للبنى التحتية في ثلاث حروب كان هدفها التدمير وزرع اليأس، إضافة إلى الإجراءات العقابية التي تمارسها السلطة الفلسطينية في رام الله، بحجة تمكين الحكومة واستعادة السلطة. ويسجل لأهالي غزة ولمقاومتها التي خرجت من نسيجها الاجتماعي أنها سجلت بطولات ستبقى خالدة على صفحات التاريخ، وأنها في كل مرة يُظن فيها أن الوضع وصل إلى طريق مسدود تبدع غزة وسائل جديدة للمقاومة واستمرار المواجهة مع العدو، ويبدي أهلها دوماً استعداداً منقطع النظير لدفع ثمن المقاومة والاستمرار في المواجهة. كل ذلك رغم الجراح والمعاناة التي يجب أن تنتهي فوراً. فهذا أمر محسوم، وخارج النقاش.
لكن ما ينبغي إثارته للنقاش، في حال صدق التوقعات بقرب التوصل إلى التسوية التي تحاك خيوطها في أكثر من عاصمة غربية وإقليمية، قيمة مثل هذه التسوية في السياق العام للقضية الفلسطينية. فالتسوية، بالصيغة التي يحكى عنها، لا تقايض «المساعدات الإنسانية» بالهدنة العسكرية فحسب، بل تقايض المساعدات بالقضية الفلسطينية كلها.
نشأت جميع حركات المقاومة الفلسطينية لتحرير فلسطين واستعادة الأرض، كل الأرض. فهذا هو الشعار الذي رفعته كل الفصائل، عند انطلاقتها على الأقل؛ وهو الشعار الذي كان يعبِّر عن أهداف المقاومة والنضال الفلسطيني. واستمدت حركات المقاومة، ولا سيما الإسلامية، وعلى وجه الخصوص «الجهاد الإسلامي» و«حماس»، شرعيتها من مواجهة الانحراف عن الشعار الأساسي لدى «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومن تمسكها بالهدف الأساسي للشعب. ما يجري اليوم من مباحثات بشأن التسوية حول غزة يدفع إلى التساؤل، على فرض صوابية إجراء مثل تلك المقايضة للتخفيف من معاناة الأهالي: هل ستقبل المقاومة الانكفاء داخل القطاع وترك العدو الصهيوني يستكمل مشاريعه في تهويد القدس، ومصادرة الأراضي في الضفة المحتلة، والإعداد لمخطط ترحيل جديد لمن بقي من أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948، وهو ما يمهد له بقوة إقرار «قانون القومية» في الكنيست أخيراً؟ وهل مسموح، من الناحيتين السياسية والشعبية، التراجع عن هدف التحرير الكامل والمواجهة اليومية المستمرة مع العدو في كل فلسطين، حتى مقابل تحويل غزة إلى «سنغافورة»؟ ألا يسمح ذلك للبعض بتصوير قبول مثل تلك التسوية، في حال إتمامها، بأن قوى المقاومة المشاركة فيها باتت جزءاً من «صفقة القرن» التي تعدّها الإدارة الأميركية لإنهاء القضية الفلسطينية؟
يتزايد الحديث أخيراً عن أن تجربة المقاومة الفلسطينية باتت تقترب أكثر فأكثر مما انتهت إليه تجربة «منظمة التحرير»، بل وصلت متأخرة عنها بربع قرن من الزمن. لا شك في أن المقاومة سطّرت بطولات، وقدمت تضحيات، وأفشلت الكثير من المؤامرات. لكن أليس الارتكاز على مثل هذه البطولات والتضحيات هو ما تذرع به الذين ساروا في درب التسويات؟ هل يحق لفصيل، مهما علا شأنه، أن يجري منفرداً - أو بالشراكة مع فصيل آخر - مثل تلك التسوية، ويحاول تمريرها أو فرضها على الشعب؟
يبدو أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها الفصائل الفلسطينية كافة، على اختلاف مشاربها، غياب آلية صنع الاستراتيجيات، وأن كل من يستشعر في نفسه القدرة يحاول تمرير رؤياه، ارتكازاً على ماضيه من جهة، أو اعتماداً على تقديراته الخاصة، من جهة أخرى، وهنا مكمن الخلل الذي يحوّل كل الانتصارات العسكرية والتضحيات الميدانية إلى خسائر سياسية، وألا تتحول الإنجازات إلى تراكم، بل تضيع على أعتاب السياسات التكتيكية.
رغم أن العدو الصهيوني نجح في إقامة دولة مصطنعة، وحكومات فعالة، فإنه لم يستغنِ قَطّ عن البحث عن أطر غير حكومية تضع له استراتيجيات تتناسب مع طبيعة كل مرحلة. ويُعَدّ مؤتمر «هرتسيليا» السنوي أحد أبرز الأطر التي تناقش الاستراتيجيات، إضافة إلى مؤتمرات أخرى، مثل «أيباك» وغيره. أما في الحالة الفلسطينية، فتغيب مثل تلك الأطر تماماً، فضلاً عن العجز عن مجرد عقد اجتماع للإطار القيادي للقوى والفصائل الفلسطينية، رغم خطورة المرحلة التي تمرّ بها القضية ودقتها.
لنعترف جميعاً بأنّنا نقترب سريعاً من لحظة الحقيقة العارية: استراتيجية المفاوضات أدخلت القضية في متاهات استغلها العدو للإطباق على الأرض وتهديد الوجود الفلسطيني بشكل غير مسبوق، واستراتيجية المقاومة فشلت في وقف الانهيار الذي سبّبته المفاوضات. الخطيئة الكبرى هي في اعتبار التفاوض والمقاومة هدفين بذاتهما، في حين أنهما مجرد وسيلتين، ولا يمكنهما أن تكونا غير ذلك.
ما نحتاج إليه في هذه المرحلة، هو الخروج من عقلية الحفاظ على الوسائل وما حققته من مكاسب، وإعادة توجيه الوعي والتفكير باستراتيجيات نحو الهدف الحقيقي، استراتيجيات مواجهة العدو الصهيوني، والمقاومة اليومية ضد العدو، على امتداد فلسطين، وإنقاذ المسجد الأقصى، وتحرير الأرض. تلك الاستراتيجيات تتحقق بالتلاقي والتفكير خارج الأطر التي باتت قيوداً تأسر أصحابها. وهي تحتاج بلا شك إلى كل صاحب رأي ليس من الشعب الفلسطيني وحده، بل من كل العرب والمسلمين وأحرار العالم. فهل نجرؤ على الاعتراف بأخطائنا وفعل ما ينبغي لنا فعله؟
* سياسي فلسطيني