يشهد العالم سباقاً محموماً على إنشاء بنى تحتية عابرة للدول والتي تشمل خطوط سكك حديد وطرقات سريعة وشبكات اتصال وانترنت وخطوط أنابيب لنقل النفط والغاز وخطوط لنقل الطاقة الكهربائية. إن حيازة الدولة لموقع وحصة في هذه الشبكات تتيح لها جذب الإيرادات والاستثمارات والموارد وخلق فرص اقتصادية وتعميق النفوذ السياسي الخارجي. اليوم يعاد تأسيس السياسة الخارجية للدول بما يتناسب مع الاستفادة من هذه الشبكات التي أصبحت مدخلاً هاماً في التحالفات والصراعات الدولية بما فيها تلك التي تجري في منطقتنا.

الجغرافية الوظيفية أم السياسية؟
يحاجج الخبير الأميركي من أصل هندي في العلاقات الدولية، باراغ خانا، في كتابه «الجيو - اتصالية: رسم خرائط مستقبل الحضارة العالمية» (2016)، أن هذه البنى التحتية العابرة للحدود السياسية والجغرافية هي التي تنظّم العالم، فالعالم الواقعي مؤلف من هذه «الروابط الوظيفية». الحدود تخبرنا عن الجغرافيا السياسية، أما البنى التحتية تخبرنا من متصل بمن عبر «الجغرافية الوظيفية» التي تصبح أهم من الجغرافيا السياسية. قد يكون الصهاينة من أكثر المدركين في منطقتنا لهذه المسألة. في كل مرة تظهر خطط ومشاريع «سلام» لإنهاء «الصراع العربي الإسرائيلي»، يسارع الصهاينة مباشرة للحديث عن الاندماج الاقتصادي الإقليمي الذي من شأنه تحويل «إسرائيل» إلى وجود طبيعي داخل المنطقة، بل ويمنحها دوراً ريادياً، وهذا ما كان جوهر مشروع شمعون بيريز عام 1996 في كتابه «الشرق الأوسط الجديد».
بالمحصلة يرى «خانا» أن «الجيو-اتصالية» تغيّر إدراكنا لما يشكّل «الأقاليم الطبيعية»، فتصبح سلاسل التوريد والاتصالية لا السيادة والحدود هما المبدآن الناظمان للإنسانية في القرن الحادي والعشرين. من ميزة هذه الشبكات هي ما تمثله من مصالح هائلة مستدامة من الصعب تفكيكها نظراً لما يبذل فيها من موارد واستثمارات. يضاف إلى ذلك أن هذه البنى التحتية العابرة للحدود لديها شرعية من كونها حظيت بالموافقة الثنائية وبُنيت بما يجعلها أكثر حقيقية فيزيائياً من القانون والدبلوماسية، يقول «خانا».
في ظل التحولات الحالية لتصفية القضية الفلسطينية عبر ما يُسمى «صفقة القرن» والجهود الممنهجة لدفع التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني إلى مستوى غير مسبوق، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير المواصلات يسرائيل كاتس للمصادقة على مشروع «قضبان السلام» لإيجاد خط سكة حديد تجاري من البحر المتوسط وصولاً إلى السعودية مروراً بالحدود الأردنية ومدينة جنين شمال الضفة الغربية. بوضوح قالتها المحللة السياسية للقناة الإسرائيلية 12، دانة فايس، أن هذا المشروع ينضم لجهود أميركية للوصل بين «إسرائيل» والدول المعتدلة في المنطقة لمواجهة التهديد الإيراني، كونه يهدف إلى ربط الشرق الأوسط بالعالم وبأنه سيغير وجه الشرق الأوسط.
يكمل «خانا» تحليله بتقصّي التحولات في مفهوم وعناصر القوة والجيوبولتيك، فعندما نرسم «الجغرافيا الوظيفية» فنحن واقعاً نضع خرائط الروابط (لا الحدود) التي تجري من خلالها ممارسة القوة وممارسة النفوذ. القوة الأكثر اتصالية وسيطرة على خطوط النقل والتجارة والبنى التحتية العابرة للدول هي الأكثر نفوذاً في النظام الدولي لا تلك التي تحتل الأرض كما في الجيوبولتيك التقليدية. بالتالي إن أي قوة لن تصبح قوة عسكرية كبرى إلا بعد أن تصبح قوة كبرى في سلاسل التوريد، فتوازن الابتكار يقود توازن القوى وليس العكس. وهذا ما يسميه الكاتب «جيوبولتيك سلاسل التوريد» حيث السيطرة على هذه السلاسل أهم بما لا يقاس من السيطرة على مسارح المعارك التقليدية.
بالرغم من السيطرة العسكرية الإسرائيلية الفائقة وإخضاعها للنظام الأردني والسلطة الفلسطينية، إلا أن حكومة كيان الاحتلال لم تجد ذلك كافياً. فبعد تمهيد بدأ منذ توقيع اتفاق وادي عربة (1994) وقّعت تل أبيب وعمان والسلطة الفلسطينية عام 2005 اتفاقية لشق «قناة البحرين» برعاية أميركية لنقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت لدرء الجفاف عنه ولإقامة محطة لتحلية المياه تغذي الأطراف الثلاثة. وفي تموز 2017 بدأ المشروع حيّز التنفيذ. بالنتيجة ربطت «إسرائيل» الأمن المائي للأردنيين والفلسطينيين بمشروع القناة المائية، حيث أنها الأقدر على التمويل والتشغيل.

شد حبل سلاسل التوريد
يشبّه «خانا» منافسات العالم المعاصر بمنافسة شد الحبل، اللعبة غير القتالية الأكثر وحشيةً، حيث أغلب المجتمعات ليست في حال حرب، لكنها جميعها خاضعة للعبة شد حبل عالمية. في هذه اللعبة تأتي الجغرافيا السياسية والجغرافيا الاقتصادية معاً، حيث الحرب تزداد حول «سلاسل التوريد»، أي ليست حروباً لأجل حيز جغرافي بل على مسارات جريان الأموال والموارد والتكنولوجيا والبضائع والمواهب والمعرفة. كل طرف يريد شد «سلسلة التوريد في اتجاهه، ويصبح المنتج الأكبر للموارد والبضائع ويكسب القيمة الأكبر من التبادلات».
في ظل توتر العلاقات المصرية والإسرائيلية مع تركيا، انطلق العمل منذ 2014 لعقد اتفاقية غاز مصرية ــ إسرائيلية. بحلول عام 2015 أغلقت مصر منشأتي تسييل الغاز وخط الأنابيب إلى «إسرائيل» بعدما تعرض لهجمات عدة. في حين أن مجموعة «تمار» الإسرائيلية بدأت منذ عام 2014 بالتفاوض على إبرام صفقة غاز مع عملاء من القطاع الخاص في مصر. وفي تموز 2017 أقر البرلمان المصري مشروع قانون لتنظيم سوق الغاز والذي سمح لشركات القطاع الخاص الدخول في تجارة وتداول واستيراد الغاز الطبيعي. وبعدها في شباط 2018 أعلنت إسرائيل توقيع شركة «ديليك» الإسرائيلية اتفاقية ملزمة لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز (حقل تمار) إلى مصر، بقيمة 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات. جرى تظهير الصفقة على أنها مرتبطة بالقطاع الخاص ولا علاقة لها بالدولة المصرية. وتم تبرير الصفقة بأنها ستحوّل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة يشمل استقبال الغاز من دول عدة في شرق البحر المتوسط، ومنها إسرائيل وقبرص، حيث يجري تسييله وتصديره إلى أوروبا بما يحد من طموحات تركية لأداء هذا الدور. وصف نتنياهو الاتفاقية يومها بأنها تاريخية ويوم عيد.

يعتقد «خانا» أن الاتصالية هي قوة أكبر من كل الأيديولوجيات السياسية في العالم


تتوافق هذه الحالة مع قول «خانا»: «نحن في عالم لم يعد أحد يريد أن يؤسس مستعمرات بل يريد أن يكون محور الشبكات». لذا الهدف الاستراتيجي في عالم سلاسل التوريد ليس السيطرة وما تجره من التزامات وأعباء بل التأثير وما يولده من قيمة. قد يكون طريق الحرير الجديد أو «مبادرة حزام واحد – طريق واحد» الصينية التي يسميها «خانا» النموذج الصيني للعولمة من أبرز الشواهد على هذا الشكل الجديد من «الغزو». تستأجر الصين مساحات زراعية شاسعة في فييتنام وأفريقيا وتستثمر مناجم منغوليا وتخطط لاستئجار ميناء جوادر الباكستاني المطل على بحر العرب، كل هذا التوسع من دون طلقة واحدة.

إعادة تعريف الهويات والانتماءات
تتجاوز تأثيرات هذه البنى والمسارات التي تشبك الدولة بمحيطها الإقليمي والعالمي الأبعاد المادية إلى التأثير في إعادة تشكيل الهويات والانتماءات. المصالح والاتصال الدائم بين المجتمعات والأفراد لا بد أن يعيد تشكيل رؤيتهم لأنفسهم وهوياتهم وولاءاتهم، وهذا بطبيعة الحال لا يجري بطريقة متماثلة ومتوازنة. شعور المجتمعات المتباعدة بالانتماء إلى قضية أو ثقافة واحدة لا يضمن تحالفات مستدامة، لأن المجتمعات لا تبني انتماءاتها بطريقة محايدة بل تعيد تعريفها وفقاً لمصالحها والتأثيرات التي تتلقاها. وهكذا، يرى «خانا»، سنجد أن الأفراد الذين ينتمون لواحدة من هذه الشبكات الوظيفية هم أكثر شبهاً بنمط الحياة من مواطنيهم في الريف المجاور، والمدن الكبرى أصبحت تنتمي إلى سلاسل التوريد العالمية بقدر انتمائها إلى الدولة الأم. المفارقة التي لم يلتفت إليها «خانا» بخصوص هذه النقطة أن هذا الأمر سيُنتج نزعات لا مركزية بأشكالها المختلفة داخل الدولة بين المراكز التي استفادت من الشبكات وتلك التي تهمشت بسببها ويُنتج أشكال من الشعبوية والتمرد.
تستند مقاربة «خانا» على الرؤية الليبرالية للعالم التي ترى في التشبيك الاقتصادي والاعتماد المتبادل وتدفق المنتجات المادية والثقافية وسائل قادرة على بث القيم الليبرالية في أرجاء المعمورة. بهذا المعنى يعتقد «خانا» أن الاتصالية هي قوة أكبر من كل الايديولوجيات السياسية في العالم مجتمعة، مستشهداً أن دينغ فكك الثورة الثقافية من خلال ربط الصين بالاقتصاد العالمي. يبالغ «خانا» في وضع الأيديولوجيا في مواجهة الاتصالية وفي منح الثانية كل هذا التأثير الحاسم، وهو ما يجعله عاجزاً عن تفسير صعود الشعبوية وسياسات الهوية في الولايات المتحدة وأوروبا رغم أنها قوى تقع في قلب العالم وفي محور شبكات الاتصالية.
يحاجج «خانا» أن التبادلية الناتجة عن الجيو-اتصالية تكبح الحمائية والحصرية الاقتصادية والوطنية، إذ كل طرف ضمن سلسلة التوريد التي تجري عبرها 80% من التجارة العالمية قادر على الرد على خطوات طرف الآخر، أي الحمائية. ما يعزز هذه الاتصالية ويقيد جدوى الحمائية هي أن التجارة بشكل متزايد تعمل من خلال الموجات الرقمية وليس المحيطات، فالخدمات (تأمين، البنوك، المحاسبة، التصميم، الاستشارة، البرمجة، الصحة والتعليم والعقود القانونية) اليوم توازي 60% من قيمة التجارة الدولية.
إلا أن اندماج دولة ما في هذه الشبكات لا يعني البتة أن العوائد المادية الناتجة ستتوزع بشكل عادل داخل المجتمع، بل يتم الاستحواذ عليها من المراكز الاقتصادية والمالية القائمة سلفاً والتي تمتص أي نمو وتزيد من حدة التباينات. وبمنطق «خانا» نفسه الذي يرى أنه «عندما توفّر المواطنة القومية منافع أقل، تصبح مواطنة سلاسل التوريد أكثر أهمية بكثير»، يمكن قول العكس تماماً. إضافة إلى ذلك إن التواجد على خطوط تلك الشبكات يعكس ميزان القوى بين الدول وبالتالي هذا الحضور ليس متوازناً ومتساوياً بل يعاني من علاقات استغلال وتبعية. نتيجة كل ذلك، ستنشأ كتل اجتماعية تفضل خيار الانفكاك ولأنها في موقع أضعف مادياً فإنها تعوض عن ذلك باللجوء إلى «ترسانة» ثقافية وأيديولوجية، وربما العنف.
انعكس «الموقف الرومانسي» لـ«خانا» حول الشبكات والاتصالية على التشكيك بصلابة الحدود السياسية للدول. فأثناء أعمال القمة العالمية للحكومات في شباط 2017، رأى «خانا» أن القرن الحادي والعشرين قد يشهد منعطفاً مصيرياً، عندما تبادر دول العالم إلى إزالة الحدود السياسية – التي تصبح سائلة - من أجل الاندماج الاقتصادي، حيث سيحل الترابط مكان السيادة ليكون المبدأ الناظم للنظام العالمي الجديد. وقد بلغ به الحال أن يقول في محاضرة على قناة «تيد» أن ربط الضفة الغربية وغزة من شأنه أن يجلب السلام إلى الصراع في فلسطين. بينما تشهد الوقائع حول العالم صعوداً ملحوظاً للصراعات الحدودية كما في حالة روسيا وأوكرانيا وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وتوترات بحر الصين الجنوبي وحتى في المشرق العربي كان التمسك بشرعية حدود «سايكس بيكو» جزءاً من مواجهة «داعش». هذه المسألة دفعت دانيال دريزنر (أستاذ العلاقات الدولية في معهد فليتشر) للقول في صحيفة «نيويورك تايمز» إنه يخشى أن «خانا» لا يعلم عن ما يتكلم.
تشوّه آخر يصيب عمل هذه الشبكات من البنى التحتية الاتصالية العابرة للحدود يتمثل في سيطرة المصالح الخاصة عليها، مع الاتجاه العالمي إلى خصخصة هذه البنى من باب تقليص الانفاق العام. يشير «خانا» إلى أن شركات الاتصالات أنفقت 2 تريليون دولار على البنى التحتية للاتصالات بين 2009 -2014، وستنفق 4 تريليون أخرى بحلول 2020 لتحسين قدرة النفاذ إلى شبكات الاتصال حول العالم. يحوّل هذا التركّز شركات البنى التحتية للاتصال إلى «إمبراطوريات رقمية»، حيث هناك 30 شركة تقريباً تتحكم بـ90% من الإنترنت حول العالم. هذا الاحتكار من المصالح الخاصة يقلّص من مساحات الحرية والديموقراطية التي تصبح مقيدة بجهات وأجهزة غير منتخبة تنظمّها وفق مصالحها. كما يؤدي هذا الأمر إلى نوع من الأحادية والسيطرة (كما في قطاع الانترنت) لا سيما من قبل برامج مراقبة لوكالة الأمن القومي الأميركية، فتصبح الانترنت مساحة جيوبولوتيكية معقدة بشدة، تتزايد فيها مطالب الدول بالسيادة الرقمية إما لحماية خصوصية مواطنيها أو للسيطرة عليهم أكثر.

حالة العالم العربي
يثير «خانا» حالة العالم العربي داعياً إلى وجوب استعادة المجال العربي خرائطه التاريخية لاتصاله الداخلي. هذه الاتصالية الداخلية، وكما يذكر فيليب مانسل، أدت في حقبة الإمبراطورية العثمانية لخلق نظام مضاد للصراع الحضاري وخلقت سلاماً إقليمياً واسعاً لا سيما بعد القرن الثامن عشر في ظل تحسن العلاقات مع الإمبراطورية الفارسية في ظل معاهدة أرضروم 1847. يدعم «خانا» دعوته بالإشارة إلى أن الميزات الجيولوجية للعالم العربي أكثر أهمية من تلك السياسة كونه يتألف من دول غنية وفقيرة بالموارد النفطية، وغنية وفقيرة بالمصادر المائية، ولذا من الأهم للعرب وجيرانهم بناء قنوات مياه وأنابيب للنفط والغاز وسكك حديد أكثر من إقامة نقاط عسكرية حدودية. وهذا ما سيتيح للعالم العربي أن يشكّل محور شبكات من التواصل بين القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا.
بعد أن شهدت الحقبة العثمانية جملة مشاريع عملاقة للربط البري بالسكك الحديدية مثل سكة الحجاز وسكة بغداد – اسطنبول، تتقطع اليوم أوصال العالم العربي وترتسم حدوده بالدم والقواعد العسكرية الأجنبية. في حين أن العالم اليوم وخاصة في آسيا، يسير في مسار معاكس تماماً. فبحسب «انترناشينال ريل واي جورنال»، المجلة الشهرية التي تغطي منذ عام 1961 صناعة سكك الحديد حول العالم، في العالم اليوم 1500 مشروع بنى سكك حديد مخططة أو تحت التنفيذ بكلفة 2.1 تريليون دولار، وبطول 140.000 كلم (يمكن أن تُمد هذه الخطوط 3 مرات ونصف المرة حول الكرة الأرضية عند خط الاستواء). حصة دول الدخل المنخفض والمتوسط هي 85% من هذه المشاريع، و50% منها في آسيا.

خطر التقسيم الحقيقي للمنطقة لم يعد بخلق دويلات جديدة وإعادة رسم الحدود السياسية


ومن فئة «المشاريع تحت التنفيذ» تحوز آسيا 72% بطول 47 ألف كلم. لجعل الأرقام ذات معنى قليلاً، تخيّل مثلاً أن المسافة بين لبنان على شواطئ المتوسط واليمن المطل على المحيط الهندي هي ما يقارب 2400 كم. من ناحية أخرى في ما تنفق آسيا 951 مليار دولار على هذه المشاريع، أنفقت الدول العربية بين عامي 2010 و2015 نحو 800 مليار دولار على ميزانياتها العسكرية، بحسب صندوق النقد العربي. تقود الصين جهود بناء الشبكات في آسيا، بينما في العالم العربي تقود دول النفط جهود التفتيت والحرب لحرمان المنطقة وشعوبها من فرص النهوض والاستقلال. الجهد الأبرز لدول النفط كان بناء أنابيب لضخ النفط والغاز باتجاه بحر العرب مروراً بحضرموت في اليمن وباتجاه البحر الأحمر عبر السعودية وذلك بهدف حرمان إيران من القدرة على قطع تدفق النفط من مضيق هرمز حين تدعو الحاجة.
منذ الاجتياح الأميركي للعراق وحتى مرحلة «داعش» وما بعدها، يكرر الأميركيون فكرة إقامة كيان سياسي في غرب العراق يكون بمثابة منطقة عازلة في قلب محور المقاومة لقطع التواصل البري بين إيران والعراق من جهة وسوريا ولبنان وفلسطين من جهة أخرى. إلا أن خطر التقسيم الحقيقي للمنطقة لم يعد بخلق دويلات جديدة وإعادة رسم الحدود السياسية بل بإقامة هذه «الروابط الوظيفية» التي تستلحق كل من يقبل بمشروع الاحتلال والهيمنة وبعزل الآخرين عنها ومنعهم من بناء إقامة روابط وظيفية خاصة بهم. فتصبح هذه الخطوط الجيو اتصالية أداة تقسيم وأداة استتباع، تقسيم إعداء المشروع الإسرائيلي – الأميركي واستتباع الخاضعين.

خاتمة
تتجاوز الفكرة الأميركية في إقامة مناطق عازلة بين دول محور المقاومة هدف قطع خطوط الإمداد العسكري واللوجستي، فطوال فترة حكم نظام صدام حسين كانت طهران تمد قوى المقاومة في المشرق العربي بترسانة تسليحية هائلة من دون المرور بالبر العراقي. يدرك الأميركيون وحلفاؤهم الإقليميون أن بناء شبكات للاتصال والتواصل بين شعوب هذه المنطقة سيعزز من المصالح المتبادلة ومن الإحساس بالهوية المشتركة وبالتالي يعظّم الايمان بالمقاومة ومضامينها وكذلك الفهم المشترك للقضايا والتحديات والأدوار، وكذلك يوسّع دائرة الكتل الاجتماعية التي تنتسب لهذه المشروع داخل كل دولة. يرى «خانا» أنّ هذا زمن «تحالفات البنى التحتية» حيث قوة الروابط تقاس برسم خرائط الاتصالية بين مجموعة الدول وحجم التدفقات على هذه الخطوط، في المحصلة لا يتصل الأفراد ببعضهم من خلال السياسة بل السوق والإعلام.
الفكرة الأيديولوجية بحاجة إلى رافعة مادية تقدم للناس منافع وعوائد ملموسة ومستدامة تزيد من قدرتهم على المواجهة واحتمال المخاطر والتكاليف. الأيديولوجيا كافية لـ«الخاصّة» من الموالين للقضية التي يرونها فوق وجودهم، إلا أن ذلك لم يكن يوماً حال الأغلبية من «العامّة». في حزيران الماضي وخلال زيارة مسؤول إيراني رفيع إلى دمشق جرى الحديث عن مشروع اتفاق تجاري استراتيجي بين إيران والعراق وسوريا والذي يشمل إنشاء خط سكة حديد. إقامة هذه المشروعات بين قوى محور المقاومة سيضمن تثبيتاً مستداماً للمنجزات العسكرية ويمنحها بعداً ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. وهذه المشروعات ينبغي أن يشترك الناس العاديون في تمويلها والاستثمار بها وإدارتها والإشراف عليها. بالرغم من الشوائب في مقاربة «خانا» إلا أن فكرة «الجيو – اتصالية» تصبح مدخلاً أساسياً في تحديد المنتصرين في صراعات المنطقة.
* كاتب لبناني