على رغم صغر مساحة بيروت، تنمو فيها المولات كالفطر. وقد تجدّدت موجة بناء المولات ــ التي ظهرت بقوة بعد الحرب الأهلية اللبنانية ــ حوالي عام 2005 لتطاول محيط بيروت وقلبها. فظهر «سيتي مول» في الدورة، و«بيروت مول» في الشياح، و«أسواق بيروت» في وسط بيروت، و«سيتي سنتر» في الحازمية، وآخرها «آ بي سي مول» في فردان، ومن المتوقع أن يظهر المزيد منها في عين الرمانة والخندق الغميق.

وبين المول والآخر، مدينة تحاول ألّا تتفتّت. وبين تفسّخات النيوليبرالية العميقة، وشبكة العلاقات الاجتماعية والموروث الثقافي المديني والذاكرة والبيوت، لا تظهر بيروت حتى اليوم أية مقاومة للمول: ها هو يتمدّد وها هو يُطرح كالشكل الأكثر حداثة وعصرية للمدينة، ولعلاقتنا بها...
من الغريب أن تصبح المجمّعات التجارية المعروفة باسم «مول»، جسماً مقبولاً، عادياً وطبيعياً في مُدننا ومناطقنا. عبر شكلها وحجمها والممارسات المكانية فيها، تتضارب المولات مع ما عرفته مناطقنا من مبانٍ ووظائف وتطرح علاقة جديدة بين الأفراد والمكان.
فما يخفى عامّة، وفي ظل تحوّل العادات المكانية الاجتماعية، فور ظهور مول في مدينة أو حي، هو دور هذه المجمعات التجارية وتأثيرها: أولاً في تجسيد المقاربة السياسية للفكر المهيمن لماهية المساحات العامّة، وثانياً في تكريس الفصل الطبقي مادة أساسية في المجال المديني وسياساته.
تتحوّل بيروت شيئاً فشيئاً إلى مدينة مهشّمة مجزّأة بفضل أنماط تقسيم اجتماعية ــ سياسية تنعكس في المجال المديني فتخلق جزراً متفاوتة طبقياً ومحاور سيطرة في ما بينها. تصبح المدينة عبر هذه التقسيمات، مركزاً لتراكم رأس المال يتبلور عبر ممارسات وأشكال استبدادية من إنتاج المكان. نتيجة لذلك، تنمو قطبية واضحة وغير عادلة، بحيث تتمركز المباني وأحياء الطبقة البورجوازية في ما يشبه جزراً مسوّرة، بينما يتمّ إقصاء الطبقة العاملة والمهمشين في غيتوات تحمّلها الوصمة الاجتماعية أكثر ممّا تستطيع. وبين الغيتوات والجزر المسوّرة، تتمدّد سلطة الخصخصة وسيطرتها. تتشظّى المدينة، أي يتمّ تقسيم مجالها إلى أجزاء غير مترابطة، لأن البورجوازية، بكل سهولة، لا تريد العيش مع الفقراء... أو رؤيتهم.
في البداية، شكّلت المولات تصوّراً لـ«مركز للمجتمع، حيث يلتقي الناس لممارسة التبضّع والنشاطات الثقافية والتفاعل الاجتماعي». اليوم، يتمّ الدفع بالمولات كجسم مديني سياسي، لأن تكون مركز المدينة في المستقبل: مركز التجارة، والتفاعل الاجتماعي، والثقافي، ومركز إعادة التخطيط المديني. بمعنى أن توجيه الطبقة الحاكمة للتطورات الحاصلة في المدينة، لا يأتي فقط عبر القوانين وسوق العقارات، بل عبر تحريك قطعة في فضاء المدينة: هنا سنبني مولاً، وسيتمكّن من تغيير أسعار العقارات، وتغيير الشكل المديني وإقصاء السكان من هذه المنطقة ومحيطها!
إن ما تنتجه السياسات المدينية عبر المولات وتحاول تكريسه كشكل مديني حديث وضروري، هو التقسيم الأفقي للمكان. بمعنى أن تحديد ما يجري على مستوى خرائط مدننا ومناطقنا من تغيير ديموغرافي ومضاربات عقارية وموجات عمرانية، يتمّ تنفيذه عبر عدّة أدوات، تلعب كل منها دوراً معيّناً. للمولات دور سياسيّ ــ اقتصادي بامتياز، بتوجيه أسعار العقارات والموجات العمرانية؛ وتقوم بذلك عبر إعلانها المنطقة مكاناً آمناً من الجريمة والتعديات من جهة، وخالياً من الطبقة العاملة والمهمشين من جهة أخرى.

تؤّمن المولات الفصل الطبقي المأمول


عند بناء مول، تتمّ دراسة العوامل التالية لتقرير من ستكون المجموعة الاقتصادية الجندرية العمرية التي سيجذبها المول. ويأخذ ذلك بالحسبان، المسافة والوقت اللذان يفصلان بين المول والمراكز والأحياء السكنية «الراقية»، سهولة الوصول، حجم المول، عدد المحلات المشهورة التي يضمها، عدد المحلات، وغيرها. ويكون تحديد الطبقة التي يستهدفها هذا المول أو ذاك، المدماك الأساس في بناء صيغة المول وعمارته.
في الأسواق التقليدية، تتجاور الطبقات في المجال العام: إن لم يكن ذلك في المحل نفسه، فعلى الأقل في المساحات العامّة التي تصلها ببعضها البعض. في سوق الحمرا، في مار الياس، في السوق القديم في صيدا وصور، تتزاحم الأرصفة ببنات وأبناء القرى والمدن، بعاملات المنازل الأجنبيات، بربّات المنازل، وبأبناء وبنات الطبقة البورجوازية: هنّ وهم متساوون هناك، لكن ليس في المول.
فالمول بوظيفته المكانية الاجتماعية، استطاع أن يحتل دور المكان العام (بدلاً من الساحة والحديقة العامةّ والكورنيش وغيرها) كمكان الاتصال والاحتكاك والتماس من جهة، ومكان التمثيل (representation) من جهة أخرى. بمعنى أن الأفراد والمجموعات تلتقي وتحتكّ بغيرها، بمن يشبهها ومن لا يشبهها في المكان العام، كما أنها تبرز للآخرين هويتها وانتماءاتها (الثقافية، الجندرية، الإثنية، السياسية، الطبقية، الخ). فبينما تقدّم المولات مكاناً تجارياً، تماماً كالأسواق التقليدية، إلاّ أنها تفعل أكثر من ذلك بكثير. فهي وبأنظمة المراقبة والأمان فيها، من كاميرات وأنظمة تفتيش لسيارات الزوار و/أو الزوار أنفسهم، كما بالتواجد الضمني لموظّفي الشركات الأمنية فيها، تضمن عدم دخول من يظهرون بمظهر أقل ترتيباً وغنى من البورجوازية. فبينما يفترض بالمول أن «يحمي» الناس من «الطقس السيء والقاسي، لكنه أيضاً يقدّم أيضاً مفهوم المجمعات التجارية كعوالم بحد ذاتها ــ خالية من الطقس السيء، والحياة، والجريمة، والوسخ، والمشكلات».
يعرض المول على مستخدميه «تسييجاً» أمنياً، اقتصادياً، اجتماعياً لنشاطاتهم: يتلقّى مستخدمو المول عند دخولهم إلى حرمه وعداً بفضاء خال من الحوادث السياسية والأمنية وتأكيداً على استحالة الخلط الطبقي. فمن المستحيل مثلاً أن تحصل تظاهرات شعبية في المول، وفي حال حصل خرق أمني ولو صغير، فكاميرات المراقبة وموظّفو شركات الأمن والبوابات الحديدية جاهزة لهذا الغرض بالذات، كما أن المنع الانتقائي لمن يستطيع أن يدخل إلى المول، غالباً ما يكون مبنياً على الشكل الخارجي واللون، مع ما يحمله ذلك من دلالات طبقية.
يقول ماثيو غندي في مقاله عن «تعقيد ووحشية المدينة المعاصرة»، أن «خطابات الماضي المتعلّقة بالصحة قد تمّ توسيعها بشكل جذري، لتأخذ أشكال تكنولوجيا المراقبة الجديدة والسيطرة، من أجل بناء كوردونات الصحة للقرن الواحد والعشرين». بمعنى أنه حيث كانت النظرة «العلمية» للفقراء والمهاجرين والملونين وبيوتهم وأحيائهم، اعتبارها مكاناً للأمراض يجب فصل أبناء الطبقة البورجوازية عنه، احتلّت اليوم فكرة الأمن والمراقبة مكان هذه النظرة إذ أصبحت كاميرات المراقبة والشرطة وموظفو شركات الأمن، هم من يفصلون بين الطبقات، ويرسمون ذلك الطوق من المجال «الصحي» الذي لا يمكن لبنات وأبناء الطبقة العاملة اجتيازه. أما ألكس جيفري فيقول عن التطويق ــ أي شكل من أشكال التسييج والفصل عن الخارج ــ الذي يخلقه التخطيط المديني المتعلّق بإنتاج المولات، بأنه «تجميع لعوائق، وحواجز أمنية، وحرس، والاقتصاد السياسي للفضاء المديني، ييسّر البيئة التنظيمية والاستثمارات الاجتماعية السياسية. هو استثمار الدولة في مجموعات على حساب مجموعات أخرى، وهو خيار اجتماعي- سياسي غير عادل».
ليس نقاشنا هنا عن مول محدّد، لأن كل واحد منهم يلعب دوراً أقوى أو أضعف في الاتجاه نفسه: تثبيت حتمية التفاوت الطبقي في إطار مقونن ومقبول اجتماعياً وسياسياً. تفعل المولات فعلها هذا، كقطعة شطرنج فقط، لا كلاعب وحيد. وبينما لا نستطيع اعتبار المول قطعة الشاه أو الملكة في لعبة شطرنج، لكنّه بالتأكيد يحتلّ دور الفيل تارة، والحصان تارة أخرى.
تؤّمن المولات الفصل الطبقي المأمول: تتبضّع الطبقة البورجوازية وتتنزّه وتشارك بالنشاطات الثقافية، والطبقة العاملة، في ثياب الوظيفة، وراء المنضدة أو الصندوق، تعمل بصمت. لا يعني هذا تعميماً بأن الطبقة العاملة ككل لا تذهب إلى المول، لكن البورجوازية هي الطبقة الأساسية المستهدفة من بناء المولات. أي أن وظيفة المول في الكثير من الأحيان، هي تكريس للقطبية الطبقية في المجال المديني.
وفي صميم أي نقاش حول المجمّعات التجارية، يجدر النظر إلى ما تطرحه الدولة عبر السماح لهذه المجمّعات بالاستيطان السريع والكثيف وفي مسافات متقاربة، من لغة سياسية حول رؤيتها للمدينة والمجال العام، ومن يملكون أحقية التواجد في المدينة، وبأي شكل. أعتقد بأن نيل سميث يختصر في مقاله عن الأشكال الجديدة للتخطيط المديني، ما تصنعه المولات، والكومباوندات وغيرها، من إعادة هيكلة للمجال المكاني. «إن إعادة الهيكلة الاجتماعية الاقتصادية هي في الوقت عينه إعادة هيكلة المجال/ البُعد المكاني، بقدر ما يبلور هذا المجال/ البُعد شكل القوة الاجتماعية ــ من يتمّ رفعه إلى مركز القوّة ومن يتمّ احتواؤه والسيطرة عليه؟ من يربح ومن يخسر؟ــ من خلال مساحات معاد صنعها».


المراجع:
Gruen, V., and Smith, L. (1960), Shopping Towns, U.SA.: The Planning of Shopping Centers. New York: Van Nostrand Reinhold.

http://www.acrwebsite.org/search/view-conference-proceedings.aspx?Id=7196

http://www.acrwebsite.org/search/view-conference-proceedings.aspx?Id=7196

Gandy, M.(2005) Cyborg urbanization: Complexity and monstrosity in the contemporary city.
International Journal of Urban and Regional Research 29(1):26–49

Jeffrey, A., McFarlane, C., & Vasudevan, A. (2012). Rethinking enclosure: Space, subjectivity and the commons. Antipode, 44(4), 1247-1267.

Smith, N. (2002). New globalism, new urbanism: gentrification as global urban strategy. Antipode, 34(3), 427-450.