يتمحور أغلب الجدل المستعر والمسموم الدائر في بريطانيا بشأن اتهام حزب العمل بمعاداة السامية حول التعبير عن معارضة القوانين والممارسات والأيديولوجيات والبيانات الإسرائيلية. فلا يمكن عاقلاً، على سبيل المثال، أن يفهم وصف ونستون تشرتشل لـ«اليهود الدوليين» في صحيفة «صنداي هرالد» في عام ١٩٢٠ بأنهم يخططون لـ«مؤامرة كونية لإسقاط الحضارة»، على أنه ليس تعبيراً عن معاداة السامية. كذلك لا يمكن عاقلاً أن لا يرى في بيانات اللورد آرثر بلفور التحذيرية عام ١٩٠٥ التي تنعت هجرة يهود أوروبا الشرقية إلى بريطانيا بوصفها «شرّاً لا لبس فيه» بأنها غير معادية للسامية (وما لا يجب إغفاله هنا، أن تشرتشل وبلفور كانا من عتاة الصهاينة المتنفذين والداعمين للحركة الصهيونية).

لكن الحرب المتواصلة في بريطانيا لا تقوم في أساسها باستهداف هؤلاء العنصريين الهامشيين الذين لا يزالون يؤمنون بمؤامرة يهودية كونية تسعى للسيطرة على العالم، بل تقوم على تعريف وصف إسرائيل بالمستعمرة الاستيطانية على أنه ضرب من ضروب معاداة السامية، وعلى أن المقاومة المناوئة للاستعمار التي تحارب الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي وقوانين إسرائيل العنصرية ليست إلا وجهاً من وجوه اللاسامية، أو أن مساءلة الامتيازات الاستعمارية والعرقية، القانونية والمؤسسية، التي تُمنح ليهود إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني ليست إلا تعبيراً عن معاداة السامية.
يبدو هذا السجال محيِّراً ومشوَّشاً لأي مراقب سياسي عادي، حيث إن إسرائيل هي التي تدعي أنها «الدولة اليهودية» وأنها تمثّل يهود العالم، على الرغم من أن أغلبيتهم ليسوا مواطنين إسرائيليين.
التناقض الذي ينخر هذا السجال البريطاني (أو الفرنسي أو الألماني أو الأميركي) حتى النخاع، هو أن الجانب الداعم لإسرائيل، ومعه قادة إسرائيل وأيديولوجيوها، هو مَن يدعو الناس إلى الاعتقاد بأن ممارسات إسرائيل هي ممارسات يهودية وأن إسرائيل تمثّل يهود العالم.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الحركة الصهيونية هي من اختارت أن تسمي دولتها «إسرائيل»، وهو الاسم الذي منحه الله ليعقوب في التوراة، حيث أصبح أبناء يعقوب يسمَّون «بني إسرائيل» أو «إسرائيل»، والأخيرون هم من أصبح «الشعب اليهودي»، أي أن «إسرائيل» تعني «الشعب اليهودي».

إسرائيل ومؤيدوها هم من يقومون بالخلط بين إسرائيل وكل اليهود


ومن خلال تسميتها لدولتها «الشعب اليهودي»، قامت الحركة الصهيونية بالخلط ما بين مشروعها الاستعماري وكل اليهود، حتى عندما كان أغلب اليهود يكنّون العداء لها ولا يزال أغلبهم يرفضون العيش في إسرائيل أو أن يصبحوا مواطنين فيها.
لذلك، يجب التشديد على أن إسرائيل ومؤيديها هم من يقومون بالخلط بين إسرائيل وكل اليهود، ومن ثم يزعمون أن التنديد بإسرائيل وبسياساتها وقوانينها وممارساتها وأيديولوجيتها ليس إلا تنديداً بالشعب اليهودي. فما يجري تجاهله في هذا السجال، أن المزاعم الأشد عداءً للسامية التي ترد فيه هي تلك المزاعم بعينها التي تطلقها الحكومة الإسرائيلية ومؤيدوها البريطانيون.
يقوم أغلبية المنددين في بريطانيا وخارجها الذين يستنكرون قوانين إسرائيل وسياساتها وممارساتها بالتنديد بسياساتها وممارساتها الاستعمارية-الاستيطانية وعشرات القوانين العنصرية التمييزية السارية فيها، بما فيها قانون الدولة القومية الذي صدر الشهر الماضي، لا بالتنديد بيهوديتها.
لكن قانون الدولة القومية يؤكد مرة أخرى أن إسرائيل هي «الوطن القومي للشعب اليهودي» وليست وطن المواطنين الإسرائيليين من مختلف الإثنيات والأديان، وأن «الدولة تعتبر تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية وستقوم بتشجيعه وبالدفع لإقامته وتعزيزه».
بناءً على ما تقدّم، لا يحق لمؤيدي إسرائيل الاستفادة من شقي التناقض هذا: فلا يجوز لهم من جهة الزعم أن للحركة الصهيونية الحق في استعمار أرض الفلسطينيين باسم اليهود، وأن لهذه الحركة الحق بمنح امتيازات لليهود وباضطهاد الشعب الفلسطيني والتمييز ضده باسم الشعب اليهودي، وأن لها الحق في أن تسمي دولتها «الشعب اليهودي» الذي تتكلم باسمه ونيابة عنه، وأن تزعم من جهة أخرى بعد كل هذا أن من يندِّد بإسرائيل إنما يندد بالشعب اليهودي!
للمفارقة، إن أغلبية المنددين بإسرائيل، بخلاف أغلبية مؤيديها، هم من يرفضون مزاعم إسرائيل بأنها تمثل كل اليهود، بل يصرون على أن قوانين إسرائيل العنصرية وسياساتها الاستعمارية إنما تمثل الحكومة الإسرائيلية لا الشعب اليهودي. وعندما يقاوم الشعب الفلسطيني الاستعمار والعنصرية الإسرائيليين، فإنه لا يقاوم هوية إسرائيل «اليهودية»، بل يقاوم طبيعتها الاستعمارية والعنصرية، حيث إن اتهام المقاومة الفلسطينية بمعاداة اليهود في هذا السياق يفترض أن الفلسطينيين كانوا سيقبلون باستعمار بلدهم لو أن مَن استعمرها كان مسيحياً أو مسلماً أو بوذياً أو هندوسياً، وأن ما لا يتحمله الفلسطينيون هو يهودية مستعمِرهم لا استعماره.
وبينما يقوم المنددون بإسرائيل في بريطانيا وخارجها بإدانة الاستيطان ــ الاستعماري الإسرائيلي والقوانين والممارسات الإسرائيلية العنصرية، يجب وينبغي لهم أن يشجبوا بقوة وبصوت عالٍ القيادة الإسرائيلية ومؤيديها في بريطانيا وخارجها لاستخدامهم هذا المنطق المعادي للسامية.
فإن كان هنالك تعريف لمعاداة السامية يجدر بحزب العمل (أو أي حزب أو مؤسسة) أن يتبناه في بريطانيا اليوم، يجب أن يتضمن هذا التعريف إدانة التعابير الاستعمارية والمعادية للسامية التي تزعم أن «إسرائيل هي الدولة اليهودية» أو أن «إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي» أو أن إسرائيل «تتكلم باسم اليهود ونيابة عنهم»، أو أن استعمار أراضي الشعب الفلسطيني «قيمة يهودية».
إن هذه المزاعم المعادية للسامية هي ما تشوّه صورة المجتمعات اليهودية حول العالم، لا مقاومة استعمار إسرائيل وعنصريتها.
* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك. صدر له أخيراً كتاب «الإسلام في الليبرالية» عن دار جداول، بيروت.