عندما اندلعت عام 2012 تظاهرات في مختلف أنحاء «عبر الأردن» احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة والفساد المستشري في عروق النظام والانبطاح غير المشروط للعدو الصهيوني، في استعادة لانتفاضة عام 1989، التي أنذرت بعواقب وخيمة على سيدنا جلالة الملك المفدى وعرشه القصبي، تنطّح قادة بعض عشائر البلاد للدفاع عنه، وفي مقدمهم فيصل الفايز ومعه عمه سامي الفايز، شيخ مشايخ بني صخر، الذي هدد في اجتماع عشيري بأن القبيلة ستقطع يد كل من يحاول المساس بالنظام، وأن سيدهم ومولاهم جلالة الملك خط أحمر!

وقوف شيخ مشايخ بني صخر وبقية العشائر البدوية إلى جانب النظام والملك المفدى لم يكن بالأمر الجديد، إذ يعود الدعم إلى عام 1921 عندما فصل الاحتلال البريطاني شرق فلسطين عن بلاد الشام عام 1916 وأطلق على المنطقة المستحدثة اسماً توراتياً هو «عبر الأردن/ transjordan»، وعين عبد الله بن الحسين «أميراً مؤقتاً تحت التجربة على «عبر الأردن» لمدة ستة أشهر بمعاش مقداره ستة آلاف جنيه استرليني، وأنيطت به مهمة منع الوطنيين السوريين من اتخاذ أراضي الإمارة منطلقاً لعمليات معادية للاحتلال الفرنسي في سوريا، وكذلك منع أي نشاط فلسطيني معادٍ للصهيونية في الإمارة الصحراوية المستحدثة وفي فلسطين «الانتداب».
معروف أن الملك المؤسس، الذي ورث الخيانة عن والده وهو كبيرهم الذي علمهم العمالة، سليل الخيانة، تعاون مع الحركة الصهيونية ودعمها ليس فقط للسيطرة على فلسطين، بل إنه دعا «الوكالة اليهودية» إلى استعمار أراض في «عبر الأردن»، وهو أمر عارضته بريطانيا لأنه لم يناسب خططها للمنطقة؛ لكن هذا موضوع طويل سنعود إليه ضمن منبر آخر. المهم أن عبد الله بن الحسين لم يكن وحيداً في استجداء موافقة الحركة الصهيونية على استعمار «عبر الأردن»، بل انضمت إليه بعض عشائر البلاد ومنهم «بنو صخر». فالمؤرخ الإشكنازي يؤاب ألون، صاحب مؤلف «شيخ المشايخ: مثقال الفايز والقيادة العشيرية في الأردن المعاصر»، الصادر عن جامعة ستانفرد الأميركية، كتب أن مثقال الفايز (ت. عام 1967) أقام علاقات مختلفة مع قوى عدة في المنطقة، كما «أقام اتصالات علنية مع الحركة الصهيونية وعرض عليها بيعها بعض أراضي القبيلة لإقامة مستوطنات يهودية فيها، ص. 5». كما أنه التقى، بناءً على طلبه، هو وغيره من شيوخ عشائر شرق الأردن، حاييم وايزمن، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية في أريحا هارعاً إليه من شمال سوريا في نيسان/ أبريل 1920. ومن المهم هنا تذكير القارئ بأن الكاتب الإشكنازي/ الإسرائيلي اعتمد على مراجع كثيرة ولقاءات مع قادة بني صخر وشكرهم على تعاونهم معه وتسهيل مهمته، وأكد في الوقت نفسه أنهم «سيشعرون بالسرور» من عمله!
للحقيقة فحسب، بنو صخر تحالفوا مع العثمانيين في البداية وقاوموا استعمار بريطانيا لشرق الأردن، لكنهم غيّروا الولاء بعد انتصار الأخيرة في الحرب. ومن الأمور المعروفة أن ولاء بني صخر وغيرهم من العشائر البدوية هو لأنفسهم أولاً وأخيراً. هذه مقدمة غاية في الاختصار تأخذنا إلى موضوعنا اليوم وهو حملات «العشائر» و«الجنرالات» المتقاعدين والحراك كما يسمون أنفسهم، وبياناتهم المسمومة المحرضة على الفلسطينيين وعلى الملكة رانيا وعائلتها بما وصل إلى التشهير بها وحتى القذف بعرضها، مصدرها المتصهينون الأعراب وأذنابهم في الخليج الفارسي.
لنعد قليلاً إلى الماضي القريب ونتذكر عرضنا مؤلفاً عن كرة القدم في العالم العربي حيث أشرنا إلى أن هتافات ألتراس الفريق الفيصلي الملكي كانت «طلِّقها يا بو حسين وخذ بدالها ثنتين»! هتافات ألتراس فريق الوحدات الفلسطيني كانت تضامناً مع الأهل في فلسطين المحتلة ومع الشعب المصري ضد حكم العسكر الجديد، أي أن الفلسطينيين في الأردن لم ينجروا إلى العنصرية وأبدوا، للمرة الألف بعد الألف، انتماءهم القومي العربي الأصيل، وليس قومجية الأعراب المتصهينة.
بعض أعضاء ما يسمى الحراك، ومنهم العميد المتقاعد المدعو عيد محمد أبو وندي شتم الملكة رانيا واتهمها بأنها ستبيع الأردن كما باع الفلسطينيون بلادهم؛ حرفياً: «وصلت قناعة لدى الشعب الأردني أن الملك عبد الله لا يمون على شيء بالأردن ولا يستطيع أن يدير الدولة، ولدى الأردنيين القناعة بأن الملكة هي صاحبة النفوذ وأنها تدير الدولة وتشكل الوزارات وتعين المديرين ويمتصون دماء الأردنيين. وسوف تبيع الأردن كما بيعت فلسطين... الشعب الأردني وصل إلى مرحلة الذل والجوع بعد غلاء الأسعار والضرائب وبيع جميع ما يملكه من أراضٍ إلى الفلسطينيين المجرمين الذين باعوا أراضيهم لليهود»! لكنه يعترف ضمناً بأن النظام فاسد منذ أن أسسته بريطانيا عام 1916 عندما قال في البيان نفسه: «... علماً بأن الكذابين والمنافقين المستشارين لكم لم يقدموا شهيداً واحداً في تاريخ الأردن منذ عام 1916 وإنما كان هدفهم حماية زبائن الفساد والرشوة ومسابقة من يكون أكثر رصيداً بالبنوك بالملايين وليس بالدنانير ووضع خطط الهرب من الأردن إذا لزم الأمر كما عمل غيرهم».
أما من يوصف بأنه «المعارض» الأردني «الشرس» [كذا] وهو فارس ظاهر الفايز، فتقول الأخبار إنه «فجّر مفاجأة من العيار الثقيل عندما ظهر في شريط فيديو داخل مركز أمني وهو يعتذر من الملك عبد الله الثاني ويطلب الصفح والتسامح، مؤكداً قبل الإفراج عنه بمناسبة عيد الفطر أنه لم يقصد أي إساءة إلى سيده وولي نعمته، وتعهد، هو وأولاده، بالمحافظة على الولاء لـ«مولاي جلالة الملك وللعرش المفدى». للتذكير، ظهر قبلها وسط مجموعة من الرجال وسط بلدة مأدبا شتم خلالها الملك عندما وصفه بأنه «قمرجي»، وشتم الملكة رانيا عندما وصفها بأنها «شيطانة».
أما ما تناقلته بعض الصحف الرقمية عن تعريض الصحافي الفلسطيني (هو يصف نفسه بأنه أردني ولحم كتفه أردني - ز. م.) عبد الفتاح طوقان، بشرف الملكة رانيا الذي اتهمها بأنها قضت بضعة أيام مع المغني «بونو» على ظهر يخته، بغياب زوجها ملك الأردن عبد الله وزوج المغني، فهي مسألة تستحق التعامل معها على نحو منفصل، نود قبلها التأكد من صحة الكلام المنسوب إليه. البيانات المحرضة على الفلسطينيين ومحاولة شيطنتهم واتهامهم المستمر بأنهم باعوا وطنهم، ما هي سوى تمهيد سيكولوجي لقبول مشروع التسوية الأميركي المسمى «صفقة القرن» الذي تبناه أعراب الخليج الفارسي والهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وينفذه المتصهينون العرب والأعراب والخونة من الطرفين. الحقيقة التاريخية التي تناقلتها أجهزة التلفاز مباشرة والتي تفقأ عيون العملاء والخونة أن الفلسطينيين يقدمون أرواحهم طواعية من أجل العودة إلى بلادهم، وليس لفرارهم منها.
علينا أن ندرك أنه كلما ارتفع صراخ العملاء والخونة بأكذوبة بيع الفلسطينيين بلادهم السمجة والمستهلكة إلى درجة الابتذال، فثمة مؤامرة جديدة تحاك ضد وطننا وقضيتنا الوطنية والقومية، وهذه المرة أيضاً بأيدي أعراب الخليج الفارسي المنبطحين أمام داوننغ ستريت والبيت الأبيض وتل أبيب.