الجَشِع هو توصيف أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نفسه، خلال مؤتمر صحافي. يمكن أن يكون هذا الكلام أصدق ما نَطَقَ به ذلك الرئيس منذ توليه السلطة حتى اليوم. فهو لم يكتفِ بنعت نفسه بتلك الصفة، بل ربطها بالولايات المتحدة، وفي ذلك أيضاً نَطَقَ بالحقيقة مباشرة، ومن دون أدنى مواربة. فالجَشع بالتعريف «هو طمع في غير حق، ورغبة في الحصول على أكثر مما قدر له»، وعليه، لا يمكن لأي عاقل أو متبصر أن يستغرب هذا الكلام الواضح والساطع كالشمس، خاصة أنه صادر عن الموقع الأول في تلك الدولة، وهو أدرى بنفسه وبها. فالتماهي بين الشخص الحاكم والدولة التي يحكمها مطلوب في الأساس، لكنّ التطابق في هذا التشبيه إلى هذا الحدّ هو أمر يتطلب الوقوف عنده لتبيانه وفهم مقاصده ومدلولاته.

فالولايات المتحدة هي كيان لم يقم ويزدهر إلّا على حساب الغير؛ الهنود الحمر، السكان الأصليون، كانوا أول من دفع ثمن جشع الأوروبيين، أجداد الأميركيين، واستعمارهم العالم الجديد على ما سمّوه. لقد كان القتل والإبادة والعدوان ومصادرة الأراضي النهج المتبع لكسب الجغرافيا، وأيضاً لبداية صناعة تاريخ. ومن ثم أصبح القهر والبلطجة أساساً لتلك السياسة التي استمرت وتطورت لتطاول بلداناً وشعوباً، نعتوا معظمها بحدائقهم الخلفية أو بمناطق لنفوذهم، ما مهدّ لاحقاً لاحتلالها ومصادرة قرارها واستلاب إرادة شعوبها. هي كانت سياسة امتهنها ذلك «العنصري» الذي وجد بلونه الأبيض معياراً لمقاربة العلاقة مع الآخر وتحديدها، فَقَتَل أصحاب العرق الأحمر واستعبد أصحاب الأسود، وعلى ذلك بنى إمبراطورية القهر المتنقلة في الزمان والمكان، والمبنية أعمدتها جمجمة فوق أخرى.
هذا الجَشِع هو الوريث الحقيقي والطبيعي لذلك التاريخ. وسياسته الخرقاء، بدورها، هي امتداد لسلوك أمعن في القتل والقهر والعنصرية، وامتهن السلب والنهب لضرب إرادة الشعوب، وتمادى في البلطجة حدّ «السلبطة»؛ وما انقلابات أميركا اللاتينية وديكتاتورياتها العسكرية القاتلة سوى شاهد على ذلك. وما ثروات العالم وخيراته، التي تُسحبُ من باطن الأرض ومن سطحها، لتذهب مباشرة إلى جيوب صاحب «الرأسمال المتحكم»، القابع في ما وراء بحار الظلم والظلمات إلّا دليل إضافي. وما من انقلابي أو فاشي أو استعماري أو قاتل أو ناهب أو سالب إلّا وجد الحماية والدعم والتبنّي عند سيد ذلك «البيت الأسود»، القائم على معاناة فقراء العالم، ومصادرة أحلامهم في بناء دول يستطيعون العيش فيها بكرامة.
هذا الجَشِع هو سليل وصديق أصحاب من سفك الدم وهدره في الشوارع خدمة لمصالح سياسات دولته واستبدادها، وسليل من حمى أصحاب البزّاة المرقّطة، المصنوعة من عرق فقراء العالم ودمهم، ليقمعوا ويقتلوا شعوبهم كأدوات، ضاربين بسيفه وسيف دولته، وأيضاً هو امتداد لتلك السرقة الموصوفة لأموال الشعوب وخيراتها، عبر ربطها بدولار فاقد للأخلاق وللتغطية النقدية الحقيقية، وقد أصبح ورقاً «كدشاً» من دون قيمة وبرتبة لص، يصول ويجول ويسلب ويجوّع ويتراكم في خزائن المفسدين والفاسدين والقتلة، ويُحرّم على كلّ فقير منسيّ ومنتشر في أربع جهات الأرض، يعاني الجوع والعوز والحرمان والأمراض والنظم السياسية التابعة... لقد أصبح عنواناً للحروب وشعارها؛ فبه يقاتل وبه يقتل ذلك «اليانكي» الذي ينتقم من كل شعوب الأرض وتاريخها، لأنه بذاته لا تاريخَ له.

لم ننسَ بعد تطاير بقايا قواتهم هباءً منثوراً في فضاء بيروت عاصمة المقاومة ومطلقتها


هذا الجَشِع هو سليل من شجّع على تدمير حضارات تمتد لآلاف السنين، لا لشيء، إلا لأن لا تاريخ يُكتب عن دولته، فكل ما يُذكر عنها ليس إلّا تعويضاً عن شيء مفقود، والذي يصطنعون معظمه بالحروب والقتل والاحتلال؛ فلو سألنا أكواخ الفقر، أكواخ الهنود الحمر، السكان الأصليين لأميركا، لأخبروك عن فنون التنكيل بهم ومن هم أربابها، ولو سألنا بغداد ودمشق وكابول والقدس وهانوي فقط عمّا فعلته أيادي ذلك «المتحضر»، هولاكو العصر الحديث، الآتي من وراء خمسة بحار، فلن تجد إلّا قولاً واحداً: قتلٌ ونهبٌ وتدميرٌ... لقد طغى وتجبّر، ومحطات التاريخ ومتاحفه تشهد على ذلك، وكمّ الحقد الدفين الذي برز في تدمير ذلك الموروث الإنساني والانتقام منه يؤكد أن فاقد الشيء لا يتحمل وجوده عند غيره؛ فإمّا له وإمّا للتدمير والتشويه، وعلى قاعدة أنّ التاريخ لا يكتبه إلّا الأقوياء، ولو لم يكن ذلك صحيحاً، ولن يكون.
هذا الجَشِع هو نتاج لذلك العقل المبني على الأنوية المستبدة التي لا تجد إلّا العنف والاستبداد للتعبير عن نفسها. هي ذلك الفكر المجبول بمتناقضات مختلفة، من نقص وفائض وتجبر وطمع وعنصرية واستعلاء... هي هي منذ تكوّنت، من مجموعة مهاجرين ومن عدة ممالك أوروبية، وللتذكير بأنهم كانوا من ضمن حملات استعمارية لمناطق حديثة الاكتشاف، بين مشرق الأرض ومغربها، ومن هنا نفهم تركيبة هذا العقل الذي يحاول فرض آليات تفكيره وتعميمها، والذي في أساسه استعماري واستغلالي وانتهازي، نشأ على فكرة السيطرة على كل شيء، ولو على حساب قتل الشعوب وسلبها أرضها ومقدراتها... هذا العقل نفسه، الذي نما متغذياً بخيرات الأرض كأنها مُلْك له فقط، هو المنتج لهذا النظام الحالي، والذي يُعَبَّر عن حقيقته وطبيعته بوضوح من خلال ذلك «المرابي» الذي يسوس العالم اليوم أو يحاول ذلك، وبخفة قلّ نظيرها، لكنها بالفعل أصدق توصيف لماهية ذلك النظام الإمبريالي الحاكم، بأشخاصه وسلوكاته و«سوقيته»، ولعلّ الإيجابية الوحيدة في ذلك تتمثّل في الكشف عن نوعية الأشخاص وتلك النظم التي تقود العالم منذ ثلاثة عقود. من هنا نرى ضرورة طرح السؤال الآتي: هل يُعقل أن يبقى هذا المسار مستمراً منذ ذلك التاريخ حتى اليوم؟
ربما سيكون الجواب عن هذا السؤال بأن العين لا تقاوم المخرز، وأن إمبراطورية الشر لا تزال تتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية كبيرة جداً، كما أن امتلاكها شبكة واسعة من المصالح والعلاقات تُعطيها حيوية للمناورة، بالإضافة إلى شبكة عملائها ومريديها، من نظم وكيانات وجماعات مرتبطة بالإرهاب والمافيا، التي تمنحها قدرة على التخريب والعرقلة في أي قضية، وفي أي مكان. ربما ستكثر الأجوبة في هذا الاتجاه وتتشعب، لكن في المحصلة، هي لا تزال تمتلك الكثير ممّا يمدّها بمسببات السيطرة والهيمنة وآلياتها.
وربما سيكون الجواب بأن ذلك «الجبروت» كُسر غير مرّة، وهُزم في مواقع ومواجهات عدة. وللدلالة على ذلك، نحيلك إلى تلك الحديقة الخلفية نفسها، اللصيقة جداً، بحكم الجغرافيا، بذلك «العتيّ»، إلى أميركا اللاتينية والجنوبية، فهناك كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا وبوليفيا وغيرها من الدول والحركات الثورية والتحررية. وإذا ابتعدنا أكثر، فسنصل إلى الشرق الأوسط، حيث بيروت، فاتحة عصر الانتصارات الحديثة؛ لم ننس بعد «المهزومين» وهم يفرّون منها إلى عرض البحر هرباً وتحت جنح الظلام. لم ننسَ بعد تطاير بقايا قواتهم هباءً منثوراً في فضاء عاصمة المقاومة ومطلقتها، تحت ضربات من قالوها مدوّية: «الوطن باقٍ والاحتلال إلى زوال». وها هي دمشق وبغداد تقولانها وتفعلانها. وإذا اتجهنا شرقاً، فستستقبلك هانوي وهو شي منه وبيونغ يانغ بأقواس انتصاراتهم على تلك القوى المتجبرة. وإن سرحنا في مختلف بلدان العالم الثالث، من آسيا إلى أفريقيا، فيكاد يكون المشهد، بجوهره، واحداً، وإن اختلفت السلوكات والأساليب. وإذا دققنا أكثر، فسنجد أن كل حركة مقاومة وطنية، في وجه أي احتلال أو استبداد، كانت أساساً في وجه صاحب تلك المدرسة التي عمّمت نهجها وزرعت صبيانها في العديد من الدول والمناطق حول العالم يعيثون في الأرض فساداً. وما مقاومة الشعب الفلسطيني إلّا ذلك النور الذي لا يجب أن ينطفئ، بل يُكمل مشواره حتى تُبصر القدس شمس حريتها، لتكسر «صفقة القرن»، وليُكسر من يحاول فرضها بالقوة والابتزاز.
هنا المحك وهنا الخيار؛ دربان لا ثالث لهما: إمّا انصياع وتبعية وإمّا مواجهة. فلكل طريق ناسها ومثالها ووجهتها ومآلها ونتائجها. ولكل عاقل قدرته على أخذ المسار الذي يقتنع به ويؤمن بمندرجاته ويتحمل نتائجه. هي خيارات واضحة جلية، لا لبس فيها ولا التباس. فمثال المقاومة؛ من بيروت إلى دمشق إلى بغداد إلى هافانا مروراً بهانوي وكاراكاس والقدس والقاهرة والجزائر وغيرها من المواقع والمواضع والعواصم والساحات... ومثال غيفارا وكاسترو وهوشي منه ونلسون مانديلا وجمال عبد الناصر، وآلاف الشهداء الذين قضوا على تلك الطريق وعلى امتداد العالم... يمكن أن يقدم الخيار الأوضح بهدف التزامه، والبناء عليه من أجل بناء مشروع مقاوم، مشروع يشمل كل مواقع الاشتباك وساحاته مع تلك المنظومة الفالتة والمتفلتة من كل قيم وأخلاق، التي تقودها إمبراطورية الشر تلك، التي تستعبد العالم وتقتل وتدمّر وتحاصر وتجوّع غير آبهة بأي ضوابط أخلاقية أو قانونية، ضاربة عرض حائطها بكل قول أو فعل أو موقف رافض لها ولسياساتها ولأدواتها المنتشرين في كل الجهات والمواقع، ما يعني أنّ خيارات المواجهة والتعامل معها ليست كثيرة؛ فكل سلاح موجّه بوضوح في هذا الاتجاه هو سلاح مقاوم، لن نسأل عن صاحبه ولا عن ماهيته، بل سنتشارك معه في القتال وسنحتفل معاً بالنصر.
* عضو مكتب سياسي ومسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني