خلال السنوات التي استأثروا فيها بالحكم (من أواخر 2011 إلى أواخر 2013)، ارتكب الإسلاميون التونسيون أخطاءً اتصالية وحماقات سياسية جلبت لهم عداوة أغلب النخب التونسية، فضلاً عن غضب قطاعات واسعة من عامة الشعب. غطرسة حركة «النهضة»، وحالة النشوة التي كانت تعيشها مع ازدهار المدّ «الإخواني» في المنطقة (مصر، ليبيا، اليمن)، جعلتاها لا تقرأ حساباً لخصومها من يساريين وديمقراطيين ومثقفين، وحتى إعلاميين. لكن سرعان ما تغيّر اتجاه الريح في المنطقة، بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر، وبعد توحّد أغلب أطياف المعارضة في تونس، خلال اعتصام الرحيل وفي «جبهة الإنقاذ» (2013). تغيير كاد يعصف بحركة «النهضة»، ويعيدها إلى «محنة التسعينيات»، لكن ذكاء قائدها راشد الغنوشي، وقوة الضغوط الإقليمية والدولية، أوصلا إلى صفقة تاريخية بين الإسلاميين وجلّاديهم القدامى من رجالات الديكتاتورية (اجتماع الغنوشي وقايد السبسي في باريس في 2013).

منذ تلك الفترة، تغيّر أداء حركة «النهضة»، وأصبحت تدير معاركها بذكاء أكبر، وتحقق انتصارات صغيرة متتالية، وتتجاوز بسرعة انقساماتها الداخلية وصداماتها مع بقية القوى السياسية، لتستردّ صدارة المشهد السياسي بعدما خسرتها نسبياً ووقتياً في انتخابات 2014. لم تغيّر «النهضة» استراتيجيتها الاتصالية فقط، بل طوّرت أساليب إدارة معاركها مع خصومها، عبر استعمال الأسلحة نفسها التي يحاربونها بها. أصبحت تتقن سحب البساط من تحتهم عبر استعمال خطاباتهم ومفرداتهم وتكتيكاتهم. طريقة تعاملها مع قضية الساعة في تونس أبرز دليل على ذلك: تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، الذي ستتحول بعض فصوله إلى مبادرة تشريعية سيطرحها رئيس الجمهورية على مجلس نواب الشعب قريباً. يعتقد الكثير من المراقبين أن القانون هو ضربة انتخابية مزدوجة من حزب «نداء تونس». فمن جهة، هو طمأنة للقواعد «الحداثية»، ومن جهة أخرى، ضربة تحت الحزام للحليف / الخصم الأكبر - أي حركة «النهضة» - تضعه في الزاوية، وتجعله في إحراج أمام قواعده والمجتمع الدولي. حركة «النهضة»، ذات المرجعية الإسلامية المحافظة، تعادي التقرير والقوانين التي قد تنتج منه، ولكنها لا يمكن أن تجاهر بهذا العداء. الحلّ إذاً هو ضرب مشروع القانون بذكاء، وإفراغه من مضمونه عبر استعمال أدوات الخصوم وخطابهم وحتى حججهم.

استعمال مفردات الخطاب الراديكالي
العداوة بين اليسار والإسلاميين في تونس قديمة، ويبدو أنها أزلية. نشأت في الجامعة التونسية منذ سبعينيات القرن الماضي، وتنامت في العقود التي تلت تلك المرحلة، حتى وإن تخلّلتها بعض التقاطعات هنا وهناك في زمن الديكتاتورية. العداء الأيديولوجي لا يتعلّق فقط بالجانب الاقتصادي، بل يشمل أيضاً قضايا العلمانية والشريعة والهوية ومسائل الحريات الفردية. رغم العداوة بين الطرفين، فإن القواعد الإسلامية استفادت كثيراً من المسوّغات التي يسوقها اليوم جزء من اليسار لتبرير عدم انخراطه في معركة الحريات خصوصاً، والعلمنة عموماً. الكثير من اليساريين يرون أن الوقت غير مناسب لإثارة مثل هذه القضايا «النخبوية»، وأن الأولوية يجب أن تكون للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. يتخوّف هؤلاء من التصادم مع أغلبية الشعب المحافظة، كذلك لا يريدون أن يُحسَبوا على البرجوازية المرتبطة بالخارج.
هذه المبررات نفسها تستعملها قواعد إسلامية ليست لديها شجاعة الصدح بموقفها المعادي تماماً لمسألة الحريات والمساواة. فجأة، فطن الإسلاميون إلى وجود نساء كادحات في الأرياف والمدن، وإلى ضرورة معالجة أوضاعهن المعيشية قبل الحديث عن «التفاهات» من قبيل المساواة في الإرث والزواج بغير المسلم. وفطنوا أيضاً إلى انهيار العملة الوطنية، وأصبحوا يقولون إن الأولوية اليوم للمساواة بين الدينار التونسي والأورو. الإسلامي التونسي الذي يهلّل صباحاً ومساءً للسلطان النيو - عثماني رجب طيب أردوغان، والذي يفخر كثيراً برضا الدول الغربية والمؤسسات المالية العالمية عن توجّهاته النيوليبرالية، اكتشف أخيراً وجود شيء اسمه السيادة الوطنية، أعجبته كثيراً هذه السيادة، حتى إنه أصبح يَغار عليها من القوى الاستعمارية التي تريد ضربها عبر فرض «الشذوذ» الجنسي والزنا والمساواة في الإرث على الدولة التونسية المسلمة الطاهرة. يحدث أحياناً أن تجد نفسك مضطراً إلى التثبت في «هوية» كاتب مقال أو منشور «فيسبوك»: هل هو «أخ» أم «رفيق»؟

الديمقراطية هي الحل؟
موقف قيادات «النهضة»، وعلى رأسهم زعيم الحركة راشد الغنوشي، من التقرير، والمبادرة التشريعية التي اقترحها الرئيس في العيد الوطني للمرأة كان «مثالياً»: غابت التصريحات الإعلامية تقريباً، ولم تصرح الحركة بموقفها الرسمي للعلن، بل بلّغته إلى رئيس الجمهورية مباشرة في اجتماع مغلق. لم تهدّد حركة «النهضة» بتحريك الشارع، ولم تدعُ إلى الاحتجاج على التقرير بأي شكل من الأشكال، بل كان موقفها واضحاً: الآليات الديمقراطية هي التي ستحسم الأمر. إذ إن الآليات بالنسبة إلى القواعد الإسلامية هي الاستفتاء الشعبي، ما يعني أمراً واحداً: ذبح مشروع القانون بأيدي الأغلبية الساحقة. أَوَليس الاستفتاء أكثر الوسائل ديمقراطية؟ أَوَليس الشعب عماد الديمقراطية وصاحب القرار؟ ألم يكن خصوم حركة «النهضة» يشكّكون في ديمقراطيتها؟
أما القيادات، فهي أكثر «اعتدالاً»، أو فَلْنقل أكثر وعياً بالمطبات الداخلية والخارجية، وهي تعي أنه سيكون من المحرج المطالبة باستفتاء على مشروع قانون له طابع حقوقي، لذا ستسعى إلى قتله قتلاً رحيماً في مؤسسات البرلمان: مناقشته لمدة أشهر في اللجان المختصة حتى تمرّ العاصفة وتهدأ الأمور، إفراغه من مضامينه والموافقة على نسخة معدّلة وباهتة يُصدَّق عليها في جلسة علنية. حتى في صورة تعنّت بقية القوى البرلمانية ورفضها للتعديلات، فالنهضة تبقى الكتلة الأكبر عدداً، ويمكنها أيضاً أن تعوّل على أصوات نواب محافظين آخرين لإسقاط مشروع القانون، وكله بالديمقراطية وبما يرضي الله.

استلهام خبرات «إعلام العار»
«إعلام العار» هي التسمية التي أطلقها الإسلاميون على أغلب وسائل الإعلام التونسية التي لم تكنّ لهم الود خلال حكمهم، والتي كانت تتصيّد أخطاءهم وتندّد بممارساتهم. إحقاقاً للحق، بعض هذه الوسائل كان يلجأ إلى أساليب التشويه والشخصنة والتشهير والتعرّض للحياة الشخصية، وإخراج تصريحات القياديين الإسلاميين من سياقها، ونشر أخبار زائفة من دون احترام أدنى القواعد والأخلاقيات المهنية. كان للإعلام التونسي عموماً دور كبير في التصدي لتغوّل الإسلاميين واستنزاف جهودهم في معارك جانبية. قواعد حركة «النهضة» تعلّمت الدرس، وطبّقته في دعايتها المناهضة للجنة الحريات. مثلاً، سمّوها «لجنة بشرى» نسبة إلى رئيسة اللجنة، النائبة بشرى بالحاج حميدة، رغم أن هناك ثمانية أعضاء آخرين، وذلك لعدة غايات: تغييب عبارة «الحريات الفردية والمساواة»، ربط اللجنة باسم امرأة في مجتمع ما زال ذكورياً، رغم كل شيء، شخصنة أعمال اللجنة وربطها بتوجّهات وأيديولوجيا شخصية خلافية؛ فالسيدة بالحاج حميدة قيادية في الحركة النسوية، وكانت ناشطة يسارية قبل أن تنتقل إلى حزب «نداء تونس».
تقرير اللجنة، الذي يمتدّ على أكثر من مئتي صفحة من الاجتهادات الهادفة إلى تنقية المدونة القانونية التونسية من الفصول والبنود التي تتناقض مع دستور البلاد الجديد والمعاهدات الدولية، اختصره المعادون له في كونه تشريعاً للمثلية الجنسية (طالب التقرير بإلغاء العقوبة السجنية)، وتشجيعاً على الزنا (منح «ابن الزنى» الحق في الإرث)، وتجريماً لختان الذكور (كذبة ليس لها أي أساس في التقرير)، وضرباً للإسلام (مسألة المساواة في الإرث)، وروّجوا هذه المغالطات في مواقع التواصل الاجتماعي، والمساجد التابعة لهم، وغيرها من المنصّات لتجييش جزء كبير من التونسيين الذين لم يقرأوا حرفاً من التقرير.
في السنوات الماضية، تعلّم الإسلاميون التونسيون من أخطاء «إخوانهم المسلمين» في الوطن العربي، واستطاعوا أن يسلكوا طريقاً يضمن لهم أولاً البقاء في المشهد السياسي من دون حرب أهلية، ويمكّنهم أيضاً من السيطرة على البلاد ببطء ولكن بثبات. اليوم، ها هم يتعلّمون من خصومهم ويستعملون أدواتهم وأساليبهم، وحتى أدبياتهم لضربهم ولتفادي «الفخاخ» التي يَنصبها لهم الحلفاء والأعداء على حدّ سواء. فَلْنَنتظر ونرَ كيف ستدير حركة «النهضة» المعركة داخل البرلمان، وكيف ستتفاعل معها بقايا الكتل النيابية. في الأثناء، هناك «حرب باردة» خارج المؤسسات بين «الأغلبية» المحافظة و«الأقلية» المؤمنة بالحريات الفردية والمساواة.