السؤال الذي لا يستطيع أحد الإجابة الجازمة عنه إلا الرئيس المكلف سعد الحريري هو: هل تريد المملكة العربية السعودية (ولي العهد بالتحديد) أن يؤلف الحريري حكومة في لبنان، بالاندفاع والدعم اللذين كان يتلقّاهما والده الرئيس الشهيد من المملكة عندما كان يُكلَّف تشكيل حكوماته؟ ومن هنا إلى سؤال آخر أكثر حراجة: هل تخلّص ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، نهائياً، من فكرة استبدال سعد الحريري بشقيقه بهاء الدين الحريري، أم أن المسألة «نامت» قليلاً بانتظار ظروف أخرى؟

أصوات كثيرة قد تصدر للتشنيع بهذين السؤالين، والرد عليهما بالمعزوفة المعروفة، وهي أن المملكة لا تتدخل في الشؤون اللبنانية، ولا تطلب شيئاً من لبنان إلا خيره واستقامة الأحوال فيه... باستثناء الرئيس سعد الحريري نفسه الذي يبدو، من خلال حركته السياسية الخارجية (حث الرئيس الفرنسي على التدخل)، وجو «الانتظار» الذي يعيشه ويعطيه أسباباً داخلية لبنانية محلية، أنه مأزوم في علاقته مع المملكة، بدءاً بمصالحه المالية التي تتجمّد، وصولاً إلى مصالحه السياسية ومواقفه غير المغطّاة كما ينبغي سعودياً (حتى ولو زايد عليها كما جرى في آخر تصريح له عن معبر نصيب السوري). والمعلومات التي قالت إنه خاض الانتخابات النيابية من دون أي مال سعودي كانت تكهّنات، وأصبحت حقيقة واقعة ببعض الإشارات من أقرب البطانة. ثم إن زياراته الأخيرة إلى الرياض (لا يزال الملك سلمان يراعيه) لم تتكلّل بأي لقاء غير صوري يبدّل المعطيات مع ولي العهد، في الوقت الذي كانت لقاءاته السابقة خلال الأشهر الماضية مع ولي العهد مقترنة بـ«سيلفي» حريري لا يدلّ سوى على أن اللقاء حصل والابتسامات حضرت... أما ما عدا ذلك من الاتفاق والتعاون و«التحالف» ففي خبر ضائع!
إن الصور الفوتوغرافية واللقطات المتلفزة الآتية من المملكة السعودية لا يمكن الركون إليها والاعتماد عليها في تأكيد أو نفي شيء. وآخر تجلّياتها السلبية الفاقعة كانت قبل عامين بزيارة الأمير محمد بن سلمان، عند تعيينه وليّاً للعهد، لولي العهد الذي سبقه الأمير محمد بن نايف، وعناقه وتقبيل يديه والانحناء لتقبيل قدميه (من دون مبالغة). وهو ما لم يمنع ولي العهد الجديد من وضع ولي العهد السابق في الإقامة الجبرية، والتنكيل بأمواله (وأموال جميع أبناء عمومته) وممتلكاته ومشاريعه في اليوم التالي فوراً.
ليس سهلاً على من كان والده معتَمداً وطنياً (وكوزير خارجية مفترض) في المملكة العربية السعودية وسوريا ولبنان في مرحلة من المراحل، أن يتحوّل إلى وريث لعلاقة شبه محطّمة مع السعودية، ومحطّمة تماماً مع سوريا. أما في لبنان، فيُنتظَر من موقع رئاسة الحكومة أن يمنع العلاقة مع جمهور الحريري من التحطّم بعدما أصابتها سهام حادّة في الانتخابات. وفوق ذلك، تأتي تسريبات متعمّدة من شخصيات سعودية تعلن أن رجل السعودية الأول في لبنان لم يعد سعد الحريري، بل سياسي آخر كان الحريري نفسه قد أوصله إليها وركّز علاقته بها.
المشكلة عند الرئيس سعد الحريري مشكلتان لا واحدة: الأولى أنه «ليس كما يجب» مع المملكة، وهذا أساس في تكوينه السياسي وديمومته. والثانية أنه يريد تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة ودون ذلك عقبات محلية. والأسهل عليه طبعاً أن يعترف بالمشكلة المحلية ويصرح عنها ويضخّمها ويشغل الناس بها، معتبراً أنها تعوق التأليف الحكومي، لأن المشكلة الأخرى ممنوع عليه التصريح ولا التلميح إليها. ومن هنا، يسهل تصديق أن المملكة توصي بالتفاهم مع «القوات» و«التقدمي»، ليس حباً بهما، بل رغبة بإظهار أن العراقيل محلية، و«شوفوا يا لبنانيين شو بدكن تعملوا ببعضكم البعض»، وتالياً فإن التوصية بالتفاهم مع «القوات» و«التقدمي» هي إخراج سعودي لإبعاد المسؤولية عنها وجعلها لبنانية!
في علم النفس، إن الشخص المأزوم في موضوع معين يحاول غالباً (إذا كان الموضوع حساساً ودقيقاً وصعباً) ألّا يتطرق إليه، وأن يستعيض عنه بموضوع آخر يساعده في كتمان الموضوع الحساس الدقيق والصعب، والجهر بالموضوع الثاني وتوجيه الأنظار إليه. وفي علم النفس أيضاً، أن السجّان قد يطلق سجينه (الذي لا يزال محاصراً بماله وأعماله) من دون أن يوضح له شيئاً جديّاً عن مقبل أيامه، فيذهب خيال المسجون المحرّر وراء الهواجس والمخاوف والتوقعات السيئة، في عملية تعذيب نفسي لا تستقر قبل أن يبدّدها السجّان نفسه بطمأنة نهائية وحاسمة، يبدو أن الأمير محمد بن سلمان ليس في وارد تنفيذها حالياً.
لا يصدق اللبنانيون أن ما يمنع تشكيل الحكومة الجديدة هو مطالب «القوات» و«التقدمي» وحتى «التيار الوطني». فلطالما كان تشكيل الحكومات اللبنانية محاصراً بمطالب أقسى وأشد، لا بل إن مطالب الأطراف السياسية حالياً أهون بما لا يقاس. لكن حركة الرئيس سعد الحريري في تخطّيها لا تشبه أبداً حركة والده الشهيد في تخطّي العقبات أمام حكوماته. سعد الحريري «على مهلو». رفيق الحريري لم يكن «على مهلو»، بل كان لا يهدأ. أما سعد الحريري فيقتصر دوره على لقاءات مع القيادات تبدو إعلامية أكثر مما هي لتشكيل فعلي للحكومة، فضلاً عن مراهنته على «ضمير» الأفرقاء كما قال أكثر من مرة، واعتماده على ضخّ تفاؤل قولي كلامي كل أسبوعين عن قرب التأليف. ولا تأليف... لأن رأس الرئيس سعد الحريري في مكان آخر، هو رأس ولي العهد السعودي، وماذا يدور فيه تجاهه!
ولن ننسى أن قضية العلاقات اللبنانية السورية (عودة النازحين، مشاريع إعادة الإعمار، معبر نصيب، وأمور أخرى كثيرة) المرشّح أن تنفجر طولاً وعرضاً في أقرب فرصة؛ لأن التغاضي عنها أكثر سيدخل البلد في أزمات اقتصادية وسياسية. هي قضية ملحّة وعاجلة، وتدخل من باب الطوارئ إلى لبنان ما بعد عودة النظام السوري... إلى النظام السوري، وإن الرئيس سعد الحريري لا بدّ يخشى أن يكون تساهله فيها بمثابة الضربة القاضية له في السعودية، فيأخذ بالتصرّف كملك أكثر من ولي عهد الملك السعودي، ويضرب عرض الحائط كل الخطوات الإيجابية المطلوبة لبنانياً تجاه سوريا، المرفوضة سعودياً.
قال رئيس الجمهورية، العماد ميشال عون، إنه لن ينتظر أبعد من الأول من أيلول، وسيكون له موقف حاسم. طبعاً، اشتعلت عند ذلك ماكينة الدفاع عن «صلاحيات الرئيس المكلف» الذي لا تربطه مهلة معينة بالتأليف الحكومي، وتالياً أصبح «أهل السنة» في «خطر» عند الذين يرغبون في إخفاء العقدة الأساسية التي تشغل بال الرئيس سعد الحريري وهي علاقته بولي العهد السعودي. أما المواطن العادي الذي تكاد تطمره قضايا الفساد والنفايات والكهرباء والماء والمدارس وغيرها، فيتمنى أن تقال له الحقيقة في موقف جدّي وصريح.
الرئيس سعد الحريري أمام التحدّي. لا نطلب إليه نشر مأساته مع المملكة على صنوبر الإعلام (أليست مأساةً محاولة استبداله بشقيقه علناً وبالمبايعة؟ ثم الزيارة غير المُوفَّقة لوزير داخليته نهاد المشنوق صاحب الرأي الصاعق إبّان احتجاز الحريري، فضلاً عن الطريقة التي تم بها إبعاد السيد نادر الحريري من قرب الرئيس الحريري، وهو مدير مكتبه وحافظ أسراره و «عقله»، بقرار وشرط «أميري» كونه الرأس المدبّر لعملية رفض المبايعة). ولن نطلب كسر الجرّة بالتصريح عن واقعه معها، فهذا من المستحيلات كالغول والعنقاء والخل الوفي، وأمنياتنا الصادقة أن يكون في أمان تام معها طالما أنه يعتبرها «مملكة الخير»، بل أن يصارح اللبنانيين بأنه لا يستطيع تشكيل الحكومة في ظروف الاعتماد على «الضمير» والأخلاق غير الموجودَين أصلاً في السياسة اللبنانية إلا بالـ«ميكروسكوب»، وتالياً فإنه يترك الموقع لغيره علّه يقوم بذلك أفضل منه، وتحديداً في الملف السوري المُنتظَر فتحه على مصراعيه، أو أن يقدم تشكيلة حكومية يراها الأنسب اعتماداً، ليس على ضميره فحسب (فهذا لا يكفي)، بل على توازنات سياسية في البلد، ثم بعد ذلك ينصرف كرئيس لمجلس الوزراء إلى ترتيب بيته مع المملكة العربية السعودية. وحين يتم الترتيب وهو رئيس في السلطة، يكون ذلك أنفع مما لو هو خارجها. ولا ننسى أن موقعه هذا سلّح رئيس الجمهورية اللبنانية بـ«السلاح» الناجع لإخراجه من المملكة خلال «أزمة الاحتجاز»، أما لو كان عندها مواطناً عادياً لما كان بالإمكان التحرك الرسمي بذلك القدر العالي من المسؤولية والالتزام والضمير.
يريد سعد الحريري أن يكون في السلطة. هكذا قالت الانتخابات النيابية، وهكذا يقتضي «منطق» تقاسم السلطة في بلد كلبنان. لكن إذا كانت السعودية لا تريد له ذلك، ولا تعلن رأيها هذا، فماذا نفعل وكيف نستدل؟ أنبقى نردّد أن العقد «قواتية وتقدمية وباسيلية» إلى ما شاء رب العالمين، بانتظار وصول بهاء الدين الحريري مُكلَّفاً من ولي العهد في المملكة بحلّها؟
*شاعر وأستاذ جامعي