إن تأمين العناية الصحية للمواطن في المجتمعات العالمية هو حق، ولكنه يُلقي على الدولة وعلى المجتمعِ أعباءً اقتصادية لا يُستهان بها. على سبيل المثال، تبلغ نسبة التضخم في كلفة العناية الصحية في الولايات المتحدة حوالى 5% سنوياً، وهي أعلى - بما يقارب الضعف - من نسبة زيادة الدخل القومي. وهذه الزيادة ستقع على الكل، من دولة وأفراد (عاملين ومستخدِمين أو أرباب عمل). حتى أن المستخدِمين يتوقعون أن المعدل السنوي لكلفة كل مريض سيصل إلى 15000$ عام 2019، سيتحمّل المستخدِم ثلثي المبلغ، والثلث الباقي يُلقى على عاتق المستخدَم المريض. وهذا العبء يهدد كل المجتمعات، ومن ضمنها المجتمع اللبناني. ولذلك، فإن الحاجة ماسّة لتنظيم هذا القطاع، من خلال مشروع وطني تتضافر فيه كل الكفاءات المهنية، من طبية وتمريضية وإدارية، وبشكل شفاف تكون الدولة مسؤولة عن تطبيقه، ويكون الجهاز الطبي، من مستشفيات وأطباء وجهاز تمريضي، في تنفيذه. والمشروع الوطني هدفه تقديم عناية صحية مميزة بأقلّ كلفة ممكنة. وهذا المشروع يجب أن لا يركّز على الأفراد الفاسدين وكيفية معاقبتهم؛ فقد ثَبُت، بنتيجة الدراسات والإحصاءات العالمية، أن هذه الطريقة تأثيرها على معالجة الهدر ضئيل جداً، والأهم أن يكون هناك مشروع وطني يأخذ في الاعتبار تجارب المجتمعات الأخرى في هذا المضمار، ويكون أساساً لضبط المخالفين وإرشادهم لا لعقابهم. فمع أن شعبنا هو الذي اخترع العجلة، لكننا لسنا بحاجة إلى إعادة اختراعها في هذا المضمار (Reinvent the Wheel)، كما يقول المثل. فهناك مُسلّمات في العناية الصحية يجب أن يعتمد عليها المشروع الوطني، أهمها الـ«Standardization» الذي يعني: توحيد المقاييس، والمعايرة الدائمة، والتقييم المستمر للأداء.

وبالإضافة إلى اعتماد المشروع الوطني على الكفاءات الموفورة على الأرض، هناك متطلّبات تُعتبر مؤشرات حقيقية أهمها:
-توفر العناية الصحية النوعية والممتازة.
-وقف الهدر.
-معالجة الفساد.
والتركيز على كلفة العناية الصحية في المستشفيات ونوعيتها هو اليوم من أهم الأمور الملقاة على عاتق الدولة وإدارة المستشفيات والمجتمع.
من الظواهر التي انتشرت في العناية الصحية خلال السنوات العشر الماضية، وقوع المسؤولية في معادلة العناية والدراية (Care and Cost) على هيئة قيادية في المستشفيات، تتكوّن من مدير طبي (Chief Medical Officer)، إلى جانب المدير الإداري (Chief operating Officer)، والمدير المالي (Chief Financial Officer)، ورئيس الأطباء في المستشفى (President of the Medical Staff)، ورئيسة أو رئيس القطاع التمريضي.
هؤلاء، في عملهم اليومي، يجب أن يُسلّموا بالحقائق الآتية:
1- الريادة في تخفيف كلفة العناية الصحية هي أهم المهام التي يتطلّع إليها المشرّع وصاحب الأمر. فقوننة عملية الإصلاح الحالية (fordable Care Act or ACA)، مثلاً، في الولايات المتحدة، فشلت في القيام بالمهمة.
2- الإصلاحات الحديثة نجحت في خفض التعرفة الصحية في الولايات المتحدة، ولكنها فشلت في تخفيف كلفة العناية الصحية التي تتعلق أكثر بالهدر غير المشروع والفساد.
3- التحول من التعويض على العناية الخاصة (التعرفة الصحية) إلى العناية الجماعية لأي مرض مزمن، أي التحزُّم (Capitation)، أصبح أمراً مفروغاً منه، ولا حياد عنه. وهو لا يقع على عاتق الدولة فقط، بل على أرباب العمل، وعلى المواطن. وفي الوقت نفسه، فإن التحول السكاني كزيادة العمر، ومعه زيادة الأمراض المزمنة، يزيد الثقل على الدولة وعلى المواطن.
4- ملاءمة العناية الصحية وتأثيرها يعتمدان على أمرين: السيطرة على الكلفة وضبط النمو في الجهاز الطبي.
5- شبكات العناية الصحية المفروضة من متطلبات السوق أصبح وجودها حرجاً لملاءمة العناية الصحية ولتفعيلها.
6- ليس هناك نطاق محدّد للوصول إلى النجاح في هذا الأمر، فمراقبة تلاؤم العناية الصحية وفعاليتها يجب أن تستمر رغم أن نطاق متطلبات السوق يزداد يوماً بعد يوم.
7- وجود نظام يسمح بإطلاق النمو في الجهاز الطبي ويضبطه، كي يكون ملائماً وفعّالاً وبعيداً عن الإسراف.
8- العملية الجذرية والجوهرية لتخفيض الكلفة في العناية الصحية هي في طبيعتها أكثر من جعل الإدارة فعّالة. فقوانين الإصلاح، وابتكارات السوق من ناحية العناية الصحية المستقلة، والتحولات السكّانية، كلها تتطلّب تغييراً في المسار.
9- حتى تكون الخطة فعالة، من المهم اعتبار الأطباء فريقاً في العمل، لا سبباً للمشكلة وهو السائد الآن.
10- كما سنرى لاحقاً، القياديون في الإدارة لهم مهمة أساسية، وهي تسريع وتوسيع الجهد لمحو التباينات في العناية الصحية. فهذه المهمات لا تقع على عاتق الأطباء فقط، لا بل إن إدارة المستشفى لها مهمة كبيرة في تسهيل هذا الجهد.
11- حالة العناية الراهنة لا يمكن قبولها ودعمها. فهي تركّز على الأطباء والمختصين، وبينهم الذين يعتمدون على إنجازاتهم الشخصية وميراثهم في هذا الحقل، وعلى البنى التي أقاموها لأنفسهم. فالضغط من ارتفاع التعرفة الصحية، وتضاؤل الجهد والإنهاك اللذان يصيبان الأطباء بسبب العمر، وبسبب الازدحام والحاجة إلى التَثقّف في علوم الطب ومتطلبات المهنة في تحولاتها الجديدة وفي زيادة كلفتها، كل هذا الضغط يدعو إلى عدم التسليم بالوضع الراهن.
12- العمل على تحسين الإنتاج، والتخفيف من الإرهاق، تفرضهما حاجة واحدة فقط: التغيير. إن أكثر من 60% من الأطباء يشكون من الإرهاق، ومعدل الوقت الذي يصرفه الطبيب في العناية بالمرضى لا يتجاوز الـ27% من وقته، والباقي يُصرف على التدوين والمجالات الأخرى المتعلقة بالتدوين نفسه.
والمدير الطبي، الذي هو طبيب غير ممارس، ولا يزاحم أحداً، خبير في الخطوط الإرشادية العريضة (Guidelines) التي تبنَّتها المجموعات الطبية المهنية، كل واحدة في اختصاصها. ومهمة رئيس الجهاز الطبي رسم تنظيم مسار الحالات التي تدخل المستشفى بدون تلكؤ وتباطؤ، وذلك اعتماداً على تلك الخطوط الإرشادية العريضة (Evidence Based Medicine or Guideline) التي أصبحت مُسلّمات. فزمن المقولة بأن كل طبيب له رأيه الشخصي، وأسلوبه السحري في معالجة أي مرض، قد ولّى تحت وطأة تلك الخطوط الإرشادية، لأن مسار أي مرض من الأمراض المزمنة المعروفة لا يتغيّر من طبيب إلى آخر. وما هو مهم وفعّال هو خبرة الطبيب، ودرجة علمه، ومقدار إلمامه بالابتكارات الجديدة في المرض المعالَج. كلّ هذه الأشياء مهمة للمدير الإداري والمدير المالي في مواجهتهما لمجلس الأمناء، وعلى عاتق المدير الطبي ورئيس الأطباء في المستشفى تقع مسؤولية معالجة كلّ المؤشرات.
والخلاصة، فالمعادلة يجب أن تحرص على زيادة تمايز العناية الصحية من جهة، ومن جهة أخرى زيادة الدراية لتخفيض الكلفة إلى أدنى قدر ممكن. ولتحقيق ذلك، ثلاثة أشياء يجب أن تؤخَذ في الاعتبار:
1) أحقية المريض في الدخول إلى المستشفى، ومن ثم المدة اللازمة لبقائه فيه، وهو ما يسمى بـ(Clinical Utilization). ومراقبة هذه الناحية لها أهمية كبيرة في قطع الهدر والإسراف والتلكؤ. بحسب الدراسات الحديثة، فإن 42% من الهدر يأتي من التباينات بين الممارسات المهنية، سواء الطبية أو التمريضية أو الإدارية. والتباين على أنواع:
• التباين في كلفة فاتورة الاستشفاء من مستشفى إلى آخر ومن طبيب إلى آخر.
• التباين في درجة العناية. فبالإضافة إلى العناية المميزة التي تتّصف بها أغلب المستشفيات وأغلب الأطباء، هناك عناية سيئة تظهر من وقت إلى آخر ومن مستشفى إلى آخر.
• التباين في طلبات الفحوصات المخبرية، والأشعة المحورية والمغناطيسية، وفي عدد الاستشارات المهنية التي غالباً ما تكون تنفيعية من طبيب إلى آخر، وهي صنف من أصناف الفساد.
• التباين بين أفراد الجهاز التمريضي من ناحية الفعالية والبراعة والجدارة.
• التباين في أحقية الدخول إلى المستشفى من مكان إلى آخر.
• التباين في معالجة الاشتراكات المرضية غير المتوقعة.
• التباين في نسبة المرضى الذين يُكثرون من التردد إلى المستشفى، أو بالأحرى عملية إعادة الإدخال (Readmission Rate) في وقت قصير بعد الإدخال الأول، أو الثاني إلخ... هذه التباينات هي إحدى طرق الهدر ويجب محوها.
هناك طريقتان لمعالجة التباينات: الطريقة الأفقية والطريقة الشاقولية. الطريقة الأفقية غايتها التركيز على ظاهرة استعمال أغلى الموارد في كل الحالات المتعددة. هذه الموارد قد تتعلق باستعمال الصور الإشعاعية والمحورية والمغناطيسية، أو قد تتعلق باستعمال الأدوية المكلفة. الهدف من هذه الطريقة هو تغيير طرق الممارسة عند مجموعة صغيرة من الأطباء، أداؤها خارج إطار الإرشادات الطبية. أما الطريقة الشاقولية فتعتمد على تحليل الأداء في مرض معيّن أو في مجموعة من الناس ذات علّة واحدة، فهناك مُسلّمات عن مقدار الكلفة لأي حالة مزمنة، سواء كانت الحالة فردية أو عامة على كل المجموعة، لتحسين نتائج المعالجة.
2) المستشفيات تدّعي أن الضمان الاجتماعي وشركات الضمان الصحية الأخرى لا تدفع فواتيرها عن المرضى الذين تم إدخالهم إلى المستشفيات، ولكن السؤال: هل هذه الفواتير محقة؟ أم أن هناك هدراً، والمريض لم يكن بحاجة إلى دخول المستشفى أو البقاء فيه مدة طويلة؟ وإلى أي مدى عملية الدخول إلى المستشفى «للنقاهة» شائعة في لبنان؟
3) تبنّي خطوط الإرشاد العريضة بخصوص أي مرض وأي اختصاص.
تقييم أداء مختلف الإدارات وموظفيها، والارتياب الإيجابي به، أمر هام في تمييز العناية الصحية وفي تخفيف الهدر. وحين يكون هذا التقييم شفافاً وموضوعياً فإنه أمضى سلاح لتعبئة العاملين وشحذ هممهم للعمل الجاد والمنتج. ثلاث مقولات يجب أن تُتجنّب حتى يكون الارتياب محقاً وإيجابياً:
1- تجنب القول بأن كلّ العاملين يتميزون بأداء ممتاز. فالتقييم العام غير الصحيح كهذا يجعل من الصعب تحديد المميزين فعلاً في المؤسسة، والذين يضيعون في ازدحام «الكل المميّز»، وتضيع ابتكاراتهم وبالتالي حقوقهم، كما أنه يُفقِد غير المميّزين الحافز إلى التحسّن وتطوير أدائهم.
2- تجنب الوقوع فريسة للحالة النفسية للعامل وانفعالاته. فالعامل حتى قبل الحديث معه واعِ لمقدار تقصيره، ومن ردّ فعله: فإما أن يعتذر، وإما أن ينكر، وإما أن يتصرّف بما يشبه ذرف الدموع، أو يعمد إلى انفعالات أخرى. وفي هذه الحالة، يقع المُقيِّم في حيرة من هذا الأمر، فلا يعرف كيف يتصرف، لا بل ينكف عن أي تصرّف، وهذا يؤدي إلى إضاعة وقتَيهما. فمن واجب المُقيِّم أن لا يحيدَ عن الموضوع الأساسي، وأن يتصرف بتقديم الإثباتات، وبعقل وبحكمة وبدبلوماسية، في إيصال رسالته إلى العامل المعني. فالهدفُ ليس العقاب، ولكنه محاولة للتعبئة في المشروع المحدد.
3- تجنب التركيزِ على الأداء الحالي للعامل ونسيان أدائه السابق والإيجابي. فالوسائل التقنية متوفرة اليوم لحفظ المعلومات عن أداء كلّ عامل. وكما قلنا سابقاً، الهدف ليس العقاب، وإنما إعادة العامل إلى الانضباط والممارسة ضمن المشروع المقرر، وتحقيق الغايات منه.
والخلاصة، فإن العناية والدراية (Care and Cost) تتطلّب تضافر الفريق القيادي بمجمله، شامِلاً القيادة الحكومية والقيادة الطبية والقيادة الإدارية للمستشفيات. وبغير ذلك، تسوء المعاملة ويبقى الهدر والإسراف والفساد.
*كاتب وطبيب، رئيس سابق لمنظمة
الأطباء العرب الأميركيين