تتعدد أوجه الحروب في زمننا الحالي، من الحروب الصلبة أو العسكرية، إلى الحروب الاقتصادية، وحديثاً حرب الفضاء السيبراني. يستخدم مصطلح «الحرب السيبرانية» لتوصيف مروحة كبيرة من السلوكات المتعلقة بشبكة الإنترنت أو «الفضاء السيبراني»، بداية من الاستطلاعات البسيطة، إلى اختراق المواقع وقطع شبكة الإنترنت في منطقة معينة، أو التجسس والتدمير الكلي.

من هذه الاستعمالات غير النزيهة، ولد مصطلح «حرب الفضاء السيبراني» الذي يتضمن، بالإضافة إلى ما ذكر، أيّ محاولة منظمة «لوقف أو إلحاق الهزيمة بشيء يُنظر إليه باعتباره خطراً أو سيئاً». هذا الهجوم السيبراني قد يطاول أنظمة وشبكات البلد الإلكترونية الحيوية الأخرى، كشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات وأي شبكة متصلة مباشرة أو غير مباشرة بالإنترنت. خطورة هذا العالم أنه لا يمكن سنّ قوانين لتنظيم العمل فيه أو مراقبته، كما يشير المحامي جان نمور، وهو خبير في القانون الدولي، قائلاً: «يتمتع الموضوع بحساسية عالية على ساحة الصراع الدولي، خاصة من الجهة الأمنية والاقتصادية والعسكرية، بعدما تحوّل إلى إحدى أدوات هذا الصراع، وقد بدأت أغلبية الدول وضع خطط رقمية وقوانين للحدّ من تأثيراته السلبية، وفي الوقت عينه يطرح أكثر من تحدٍّ على الصعيد القانوني، لأنه لا يمكن التصدي له بواسطة الوسائل القانونية التقليدية، أي القوانين الداخلية، ويتطلب تعاوناً دولياً عبر اتفاقات متعددة الأطراف. إن تشعب الموضوع من الناحية التقنية، وغياب ضابط دولي له، يجعلان من تأثير هذه الاتفاقات محدوداً، لكننا نلمس انعكاسات إيجابية على العلاقات الدولية بين الأطراف الموقعة عليها عبر إيجاد مساحات مشتركة للتعاون».
حاولت الولايات المتحدة الأميركية فرض سيطرتها على هذا المضمار، لأنها استشعرت أهميته الكبيرة في خلق تفوق نوعي في سباقها لفرض سيطرتها على الساحة الدولية. ولكن كما في باقي المضامير، كانت روسيا لها بالمرصاد بتطوير «جيش إلكتروني» تفوق على نظيره الأميركي في جوانب عدة باعتراف الخبراء الأميركيين أنفسهم. لكن مع تفوقها في هذا العالم الإفتراضي تسعى روسيا إلى تنظيم هذا العالم المخفي من خلال تعاون دولي يمنع أي أفعال جرمية تسيء إلى الدول الأخرى. وللوصول إلى هذه الغاية، أعدّت روسيا وثيقة تتضمن مشروعاً سيُعرَض في الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستقام خلال هذا الشهر، ووزعته عبر وزارة خارجيتها على ديبلوماسيي جميع الدول التي تنطوي تحت لواء الأمم المتحدة. وسننشر مضمون هذا المشروع للمرة الأولى لإظهار نقاط القوة الذي يتضمنه.
في بداية الوثيقة، هنالك إشارة إلى الجهود المبذولة من روسيا لتأمين هذا العالم الافتراضي المُخفى والخطير، وهذا الجهد بدأ منذ ما يقارب عشرين عاماً، إذ كانت روسيا أول دولة في العالم تثير في الأمم المتحدة مسألة التحديات والتهديدات التي نشأت في مجال المعلومات، وقد أدرج بند «التطورات في مجال المعلومات والاتصالات السلكية واللاسلكية في سياق الأمن الدولي» في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة سنوياً منذ 1998.
لقد جرى تبني القرار بالعنوان نفسه المذكور سابقاً، بموافقة غالبية الدول، من الجمعية العامة لسنوات عدة، وقد زاد عدد المشتركين في دعم المشروع باطراد، حتى تجاوز في 2016 الثمانين دولة. في العام الماضي، ولضمان استمرار النقاش حول أمن المعلومات الدولي في الأمم المتحدة، اقترحت روسيا مع أكثر من 60 دولة أن تعتمد الجمعية العامة قراراً إجرائياً بشأن الحفاظ على هذه القضية في جدول أعمال دورتها الثالثة والسبعين، وقد اعتمد هذا القرار بتصويت الأغلبية.
ساعدت المناقشة التي دامت سنوات طويلة مع فريق الخبراء الحكوميين للأمم المتحدة المعني بنظام المعلومات الدولي على إحراز تقدم كبير في معالجة مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بضمان نظام المعلومات الدولي. ومع ذلك، المهمة الرئيسية لا تزال صعبة المنال، إذ لا توجد حتى الآن قواعد سلوك عالمية في الفضاء الإلكتروني وافقت عليها جميع الدول. ولهذا، تدعو روسيا جميع الدول إلى «اتخاذ خطوة حاسمة نحو صياغة هذه القواعد واعتمادها»، وهي تخطط هذا العام لمخاطبة الجمعية العامة باقتراح لتأييد القائمة الأولية لقواعد السلوك المسؤول للدول في مجال المعلومات.
تحقيقاً لهذه الغاية، ستقدم روسيا مشروع القرار إلى اللجنة الأولى للجمعية العامة. تحتوي هذه الوثيقة على القائمة الأولية لقواعد سلوك الدول في حيّز المعلومات، وتستند هذه القواعد في المقام الأول إلى أحكام الجمعية العامة في 2010 و2013 و2015 بشأن تقارير نظم المعلومات الدولية المعتمدة. وبمجرد موافقة الجمعية، ستصبح هذه القواعد التي تتمتع بتوصيات خبراء من مختلف أرجاء العالم، وثيقة أممية وتكتسب وزناً سياسياً حقيقياً.
يتضمن هذا المشروع 25 بنداً من قواعد سلوك الدول التي ستنظم الفضاء السيبراني، ومن بينها هناك هذه الأحكام ذات الأهمية الحاسمة:
• استخدام تكنولوجيا الاتصالات المعلوماتية للأغراض السلمية فقط.
• التركيز على الجهود الدولية لمنع النزاعات في هذا المجال.
• التزام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة في هذا المجال، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وعدم استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
• عدم استخدام تكنولوجيا الاتصالات المعلوماتية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
• عدم استخدام وكلاء للهجمات السيبرانية.
• منع أدوات تكنولوجيا الاتصالات المعلومات الخبيثة، والوظائف الضارة الخفية.
ومن المتوقع أن تشكل القواعد الخمس والعشرون القائمة الأولية التي سيجري وضعها وتعديلها وتوسيعها في ما بعد. ويعتقد الخبراء الروس أنه ينبغي أن يسري العمل بهذا المشروع في الأمم المتحدة عام 2019، ما يكفل مواصلة المناقشة بشأن نظام المعلومات الدولي وتطويره لما فيه مصلحة الدول كافة.
ختاماً، تشير هذه الوثيقة إلى أن من شأن هذا المشروع منع الحروب والصراعات في مجال المعلومات والفضاء السيبراني، التي يمكن أن تكون لغايات عسكرية أو سياسية. تسعى روسيا إلى نظام عالمي رقمي عادل ومنصف في المجال الرقمي، يحمي مصالح جميع البلدان بغضّ النظر عن مستوى تطورها التكنولوجي، وهي تعارض أي محاولات لإقامة هيمنتها أو فرض «قواعد اللعبة» من جانب واحد، وهي قد تفيد لاعبين معينين فقط. وتعتقد روسيا أنه ينبغي التركيز خاصة على بناء القدرات والدعم التكنولوجي في استخدام تكنولوجيا الإتصالات المعلوماتية. في الوقت نفسه، من الضروري تزويد المتلقين بالضمانات أن هذه التقنيات لا تحتوي على أي وظائف خبيثة خفية.