ما إن يبزُغ هلال شهر محرّم، مُؤذِناً ببداية عاشوراء الإمام الحسين بن علي (ع)، حتى يبدأ بعض أصحاب الأقلام بتصويب النقد والتشكيك في كتاباتهم ومقالاتهم في ما يخصّ شكل ومضمون إحياء هذه المناسبة التي يقيمها مئات الملايين على هذه البسيطة، بما تحمل وتختزن من مفاهيم ومبادئ إنسانية رائدة. أشعرني كاتب مقالة «الشهادة الشاهدة الكبرى على مآسينا» (الأخبار ــــ الاثنين 10 أيلول 2018)، وأنا أتصفّح سطور مقالته، أنه هو فقط من يعيش الحسين بن علي، وهو يضع اللوم على مجالس العزاء في الفقر والجهل والبؤس والحرمان، ويضع سياسة بلد هنا أو هناك على مذبح هذه المجالس، حتى صرت أنظر إليه مُخلّصاً. وإن كان حاله كذلك فعلاً، وأنه صاحب الكلمة الجريئة والحريص على ما فرّط به الآخرون، فليُسمعنا ما لم نسمعْه من غيره، ولْيَصدح بالأسماء التي يراها فراعنة عصره ويزيديّيه.

والأنكى من كل ذلك، استغلاله لكلمة الشهادة والشهداء، وهو يُظهر نفسه حامياً لمسيرتهم وعطائهم وتضحياتهم، وقد غفل عن أن تلك المجالس ذاتها، والتي يرمي سهام نقده عليها، هي التي ذرفت الدموع التي روت جذور القوة والنخوة في داخلهم، ورطّبوا بها قلوبهم حتى وقفوا بوجه حكام الجور والطغيان، ودحروا الصهاينة وأزلامهم والتكفيريين وأذنابهم.
ولست هاهنا مُعلِّقاً على كل ما أبداه تصحيحاً أو تخطيئاً، إنما جلّ همّي هو في بيان الروح التي تكلّم بها، وهو يستخفّ بتلك الدموع التي تُذرف في تلك المجالس حزناً يُشعل ثورة وعنفواناً قلّما يوجد بغيرها من الدموع. جلّ همي في تلك الروح التي تتناغم مع حملات المغرضين بهدف النيل من هيبة عاشوراء والبكاء على أبي عبد الله الحسين، وكأني به قد نسي قول الرسول الأكرم (ص): «إن لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً»، ونسي قول الإمام علي بن موسى الرضا: «فعَلى مثل الحسين فَلْيبكِ الباكون»، فما الذي يفهمه جنابه من كل ذلك يا ترى؟!
وقد وقع الكاتب في شبهة لطالما وقع فيها الكثيرون، وهي أن إحياء عاشوراء لا يقتصر على إقامة العزاء فقط، بل إنه منظومة حركية متكاملة وشاملة، يُخاطَب بوجوب إحيائها المفكّر الحر، وكل من له باع في الفكر والأدب والتاريخ والسياسة، بل والعسكر أيضاً، فعلامَ يُحمل وزر ما يراه من فقر وحرمان وسكوت على الاستغلاليين في وطن، فيه ما فيه من الزواريب والأزقة السياسية والسلطوية التي خلّفها لنا الاستعمار، على تلك المجالس البريئة التي لا تدعو إلا إلى إعلاء صوت الحق بوجه الطغاة والطغيان؟ وهو يعلم، لو تفكّر قليلاً، أن ساعات قليلة من أيام طويلة ليست المسؤولة عن عظم القبح الذي عليه نظام بلده، الذي يرفع من شأن الرأسماليين، ويحطّ من حقوق الضعفاء والمساكين.
وقد وقع الكاتب في سطحية مفرطة، عندما ذكر أولئك الذين يرفعون أصوات مذاييع سياراتهم بالأناشيد العاشورائية، وارتداء الناس السواد حزناً وتأسّياً، وأنهم يتديّنون فقط في مثل هذه المناسبة، وحاول التملّص من قبح ما يرومه بعدم التعميم! وكذلك عندما تكلّم وادعى الأسطرة (حسب تعبيره ويقصد بها الأساطير) في تلك المجالس، وإني أراه في ذلك يعيش في زوايا بعض الأزمنة الغابرة، إذ إن النسبة الأعمّ والأكبر من تلك المجالس، على الأقل الحالية منها، لا تحمل في طيّاتها أسطرة، إلا إذا كان أيضاً من دعاة التجربة وتفنيد الغيبيات.
وقد مال قلمه تصويباً بسهامه نحو رجال الدين، مُتلبِّساً لبوس المجدِّدين الذين لطالما كثروا في هذا الزمن، ومُتّكئاً على كلمات بعضهم مِمَّن غاصوا في ما لا يعنيهم في الكثير من كتاباتهم، لأقول له في ذلك فقط: «ما هكذا تورد الإبل»، وإن في ذلك مصادرة كبرى لا تروق أصحابَ الوعي والتعقّل من القرّاء.
ولعلّ البعض يقول إن الكاتب لم ينفِ فلسفة البكاء، لأقول: إن التقريع الشديد أخُو النفي إذا ما تولّد منه التوهين والتشكيك.
وأود القول أخيراً، إنني سأبكي، وسأظلّ أبكي، ولن يفلح الرامون لكسر هيبة عاشوراء من قلبي. وها هو التاريخ السالف قد حكى، والحاضر منه يحكينا، أن لذاك البكاء على الحسين كلمات، صدح صداها هناك على الثغور، فتُرجمت عزاً ونصراً يتلوه نصر، ولسنا أذلّاء كما يتصور ضيّقو الأفق، بل إننا نقارع الطغيان والاستكبار، وكلّ ما لدينا من عاشوراء.