تعقيباً على الحديث الذي أجرته «الأخبار» مع رئيس بلدية بيروت المهندس جمال عيتاني في 28 أيلول 2018، يهم «بيروت مدينتي» توضيح بعض النقاط التي سجّلها هذا الأخير إزاء ملف معالجة النفايات ومفهومه للمساحات العامة والخضراء في بيروت. ومن أجل نقاش حقيقي وعلمي بعيد عن العموميات والاجتزاءات كما لاحظنا في أكثر من نقطة في المقال، يهمنا إيضاح النقاط الآتية:

في ما يخص مسألة الفرز والتخفيف من المصدر، وهي مسألة جوهرية تسبق عملية معالجة النفايات، ذكر المهندس عيتاني أنّ البلدية لم تتسلّم ملف النفايات إلا منذ 6 أشهر... وأنّها بدأت تتعاون أخيراً مع بعض الجهات غير الحكومية في منطقة رأس بيروت... نذكّر رئيس البلدية في هذا الصدد بأنّ القانون أوكل إلى البلديات في لبنان مهمة ضمان النظافة العامة والصحة العامة منذ السبعينيات (مرسوم المحافظة على النظافة العامة وقانون البلديات نفسه)، ولم يعد من المقبول التنصّل من هذه المسؤولية بحجّة تكليف جهات أخرى ملف النفايات خلافاً للقانون. وكما نذكّره بأنّ الوعود والتعهدات التي تصدّرت برنامجه الانتخابي مرّ عليها أكثر من سنتين، ولم تشهد العاصمة أي مبادرة جدّية وعلمية وشاملة ترتكز على مبادئ الفرز من المصدر، والتقليل، وإعادة الاستخدام، والتدوير؛ وهي آليات وتقنيات كما هو معلوم لا غنى عنها بمعزل عن مسألة المحارق... في حين نجحت مدن وقرى أخرى حيث لا يمكن حتى مقارنة حجم وموارد بلدياتها مع بلدية بيروت في تحقيق ذلك.
فما الذي منع البلدية منذ عام 2016 من نشر وتعميم ثقافة تخفيف النفايات من المصدر بالتنسيق مع الروابط والجمعيات والأهالي في مختلف أحياء العاصمة؟ هل كانت تنتظر إذاً مجلس الإنماء والإعمار للقيام بواجباتها؟
ما هي الخطوات التي قامت بها البلدية لحث الناس وتحفيزهم على الفرز؟ فبعد مرور عقود من الاستهتار وعدم دراية مدى مخاطر غياب سياسة شاملة تعالج ملف النفايات، هل من المعقول أن يراهن رئيس البلدية على فيديو تمّ نشره على الملصقات الإعلانية لمدة لا تتخطّى بضع ثوانٍ لتغيير سلوك مئات الآلاف من القاطنين في العاصمة؟
وكما أشار في جوابه بشأن شركة «رامكو»، نسائل رئيس البلدية لماذا لم يتخذ التدابير اللازمة، والتي هي في صلب صلاحياته، لمواجهة الرمي العشوائي والتخفيف منه؟ لماذا لم تبادر البلدية حتى اليوم إلى جمع النفايات الكبيرة الحجم والنفايات الورقية من المؤسسات الكبيرة والنفايات العضويّة مباشرةً من المطاعم والسوبر ماركت، كما وعد رئيسها في مؤتمره الصحافي في كانون الثاني 2017؟
ويهم «بيروت مدينتي»، التي تضم مجموعة كبيرة من الاختصاصيين البيئيين وتتعاون معهم، وتتجاوز تجاربهم قراءة حفنة من الدراسات، أن تلفت نظر رئيس البلدية الى أنّ الشاحنات التي تكبس النفايات خلال نقلها، كما هي الحال الآن، تمنع عملية فرزها وتقلل من فعالية إعادة تدويرها... ونتعجب حقيقة الأمر من لوم هؤلاء عبر الإيحاء بأنّهم يواجهون «التقنيات» بـ«مشاعر إنسانية»، ونتأمّل من رئيس البلدية الاستفادة من المعرفة والخبرات المتوفرة بدلاً من صدّها، ونحن نكرّر أنّنا لا نزال على أتم استعداد لوضعها في متناول البلدية، شرط التعاون والتنسيق الجديين.
أمّا بالنسبة الى مسألة المحارق، فلا يزال المهندس عيتاني وللأسف يجتزئ الإشكاليات الجوهرية من السياق الفعلي. الاعتراض الأساسي الذي نسجّله على نموذج ما يسميه «التفكك الحراري» الذي تعتزم بلدية بيروت اعتماده هو بسبب عدم ملاءمته لنوعية النفايات في بيروت وانعدام أي من الشروط الضرورية لكيفية استخدامها والمقومات التقنية والسياسيات البيئية المتطورة وآليات المحاسبة اللازمة التي ستؤدّي لا محال إلى نتائج كارثية في حال إقامة المحارق. باختصار، هي لا توافق المعايير البيئية العالمية التي تشترط اعتمادها.
لا نزال حتى اليوم ننتظر نتائج دراسة تقييم الأثر البيئي الاستراتيجي التي، بحسب المرسوم الرقم 8213/2012، من المفترض أن تبيّن بالأدلة والأرقام والبراهين العلمية مدى أحقّية اعتماد هذه التقنية ومدى آثارها على البيئة. كما من المفترض أن تتم صياغة دفتر الشروط على أساسها، وهو أمر جوهري ومفصلي في هذا السياق. ونحن نراهن على شفافية البلدية ومهنيتها في هذا المجال، ففي ظلّ التعتيم على المعلومات وصدور تقارير ومواقف دولية واضحة مثال استشاريين أوروبيين وتقارير الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، تحذّر من مخاطر اعتماد تقنية المحارق في لبنان، بات من الملحّ تزويد الرأي العام بالمعلومات اللازمة والوافية والكف عن اجتزاء جوانب جوهرية وحاسمة في مسار إدارة النفايات في المدينة.
لا نزال حتى اليوم ننتظر المسوّغات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بحسب المعايير المعتمدة دولياً، تجاوب على الاعتبارات المشروعة والعلمية التي أبرزتها «بيروت مدينتي» في كتاب وجّهته إلى البلدية في آب الماضي.
وبالرغم من أنّ المحارق معتمدة في بعض البلدان المتقدمة صناعياً، فهي لا تزال مصدراً لتلويث الهواء ببعض أنواع الانبعاثات الخطيرة على الصحة العامة، وكذلك ببعض أنواع الجزيئات المتناهية الصغر ونانوية القياس التي لا تزال تتفلت من أكثر أكياس الفلاتر تقدماًَ ومن أغشيتها في العالم الصناعي اليوم. وتتجه هذه البلدان بحسب توجيهات الاتحاد الأوروبي الحالية إلى الابتعاد عن هذه التقنية الأخطر والاتجاه نحو التقنيات الأقل خطورة التي لا ترتكز على الحرق. ونعلم أيضاً بأن إدارة النفايات الخطرة المتولدة عن المحارق التي تلتقطها تجهيزات مكافحة التلوث تتم معالجتها والتخلص السليم بيئياً منها في منشآت خاصة متخصصة باستقبال النفايات الخطرة، فما هي خططكم لمواجهة هذه المخاطر؟ ولماذا لا يتضمن مشروعكم آلية المعالجة البيولوجية والحيوية للنفايات الصلبة والتي تثبت التجارب والدراسة أنّها أكثر فعالية وأقلّ ضرراً في حال تنفيذها بموازاة تدابير صارمة تطبّق خطّة التقليل، وإعادة الاستخدام، والتدوير (3Rs)؟
أما ما تضمّنه المقال بشأن الأسئلة حول المشاريع الأخرى التي تتعلق بالفسحات العامة وشبكات النقل وغيرها في المدينة، فلن نطيل التعليق باعتبار أن معظم الأجوبة جاءت مقتضبة وغير وافية، تلقي اللوم على الآخرين أو تعترف بالتقصير من دون أي تبرير. إنّما يهم «بيروت مدينتي» في هذا الصدد تذكير أهالي بيروت وسكانها بأنّ بلدية Région Île-de-France وضعت في متناول بلدية بيروت دراستين شاملتين قابلتين للتنفيذ اليوم (مشروع النقل السلس plan de deplacement doux ودراسة المخطط الأخضر plan vert ترصدان وتربطان جميع الفسحات بما فيها الفضلات، لتثيبت شبكة خضراء مترابطة ومتناهية مع محيطها في كامل أنحاء المدينة، تخفّف جذرياً من أزمات السير وتتيح للمشاة التنقل بسلاسة وأمان. كما وضعت دراسة المخطط الأخضر تصوراً واضحاً لحرج بيروت يعالج مخلفات الحرب الأهلية ويعيد تأهيله بدلاً من قضمه وتقليص مساحته، بحجّة استعمال أرضه لمنشآت وأغراض تشوّه موقعه وتمنع التمتع به.
حتى اليوم، استعملت هاتان الدراستان كـ blue prints لتزيين جدران البلدية ومكاتبها فقط، ولم نر أو نقرأ في قرارات مجلس البلدية أو تصريحات رئيسها أي إشارة إلى نية أو آلية لتنفيذها.
وبالنسبة الى إشكالية النقل مثلاً، ومع إدراكنا الكامل بأنّ تنفيذ خطّة عامة تتطلب التعاون والتنسيق مع بلديات وجهات معنية أخرى، ماذا تتنظر البلدية لتنفيذ مشروع الـ Liaison Douce (وهو جزء من المشروع التجريبي لمشروع النقل السلس) الذي يربط حرج بيروت بوسط المدينة ويجعل من طريق الشام ممراً ملائماً للمشاة ويوفّر زحمات سير خانقة، والأهم من ذلك يساهم في تعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بدلاً من الفرز الطائفي والفئوي المتفشي في العاصمة؟
أخيراً، نستغرب الخفّة في أجوبة رئيس البلدية حين يلقي اللوم على المحافظ في قضايا مثل «الإيدن باي» وغيرها. فمع تحفظنا الكامل على السياسة المتبعة من قبل هذا الأخير بشأن عدد من القضايا، سبق أن واجهناه فيها بالعلن، نسائل المهندس عيتاني لماذا لم يتخذ مواقف وتدابير صارمة وعلنية كما فعل غيره من المسؤولين المنتخبين المؤتمنين على مصلحة المدينة، كما فعل نقيب المهندسين في أكثر من مناسبة؟ ما هي المبادرات العملية التي اتخذها للتنسيق والتعاون مع المحافظ بدلاً من ترديد أسطوانة أن لبلدية بيروت وضعية خاصة؟
في انتظار الجواب عن بعض الأسئلة، نأمل أن يكون النقاش واقعياً وشفّافاً ودقيقاً يصب في مصلحة المدينة وأهلها وسكانها.