تشهد التظاهرات السلمية التي نظمت في مدينة ورقلة خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، على وجود إحساس متنام بالإحباط لدى الشباب المحتج، سببه ضعف التنمية والفساد البيروقراطي. وقد تركزت المطالب خاصة حول ضرورة وضع إجراءات لمحاربة التفاوتات الجهوية.

في ظرف أسبوع واحد، جرى تحرك شعبي للتنديد بضعف الخدمات الصحية، بعد وفاة طالبة، ومسيرة من أجل تنمية مستدامة، رفعت فيهما مطالبات برحيل الوالي، والمدير العام لشركة «سونطراك» (مؤسسة عامة للطاقة)، المتهم بـ«الزبونية والجهوية»، ما يطرح تساؤلات عن استمرار السوحلة، وازدهار المناطق الشمالية على حساب دواخل البلاد، على نحو مماثل لخريطة التنمية الاستعمارية التاريخية: كيف يمكن أن تكون اليوم إحدى أثرى ولايات الجزائر، التي تحوي التركزات الأساسية للأنشطة البترولية، من بين أدنى الولايات من ناحية التنمية؟
ورغم وضع الدولة استثمارات هائلة خلال السبعينيات، لتخفيف التفاوتات الجهوية، فرض الدخول في حقبة اللبرلة، والمنطق الاقتصادي الجديد، منطقاً مجالياً يقطع من التوازن الجهوي.
في واقع الأمر، بعد الحصول على الاستقلال، واجهت السلطة نسق نمو ديمغرافي سريع في المراكز المدينية، فعملت على خفض نسق الهجرة الريفية من خلال وضع برامج تنمية في المناطق المهملة. وعمل أول برنامج خاص لتنمية المناطق المحرومة وتجهيزها في عام 1966، على الاستجابة لما جاء في ميثاق الجزائر (1964) من دعوة لتصحيح التفاوتات المجالية. وضمنت تحركات الدولة، تنفيذ برنامج التنمية الوطنية، خاصة من خلال سياسة التصنيع، ومحاربة التفاوتات، وإدخال دينامية على أقاليم البلاد، ما أدى إلى تحسن حقيقي في مستوى عيش المواطنين، من ناحية ظروف العيش المادية، وكذلك النفاذ إلى الصحة والتعليم.
وكما يذكر الاقتصادي عبد اللطيف رابح، «خلال عشرين عاماً (من عام 1967 إلى 1986)، أنجزت نحو 1800 وحدة صناعية، و200 مشروع صناعي في مجالات تكرير النفط، وتسييل الغاز، والبتروكيماويات، والأسمدة، والبلاستيكيات، والإطارات، والمستشفيات الكبرى والجامعات. وخُلق أكثر من مليوني وظيفة، كذلك تخرج آلاف الطلبة من المدارس العليا والجامعات الوطنية والأجنبية. لقد رُفع تحدي بناء صناعة وطنية من الصفر، وصارت كل بلدة تحوي على الأقل 3 مدارس: مدرسة إعدادية، ومركز صحي، وسوق الفلاح. وتحوي كل ولاية مركزاً جامعياً».
تلك الإنجازات غير المسبوقة، التي تمثل إرث الاستراتيجية الوطنية للتنمية، التي سمحت حتى الثمانينيات بتخفيف التوتر الاجتماعي من خلال توزيع جيد ومتناغم للتنمية، تلقت ضربة قاصمة عبر إيقاف الاستثمارات المنتجة، الصناعية بالدرجة الأولى، وعبر سياسات الخصخصة الليبرالية. وتُرجم تبني اقتصاد السوق، بالتخلي عن السياسة الرامية لإقامة توازن جهوي، ما قاد إلى ركود اقتصادي، وتفاقم التفاوتات الاجتماعية والمجالية.

تهدئة التفاوتات الجهوية التي فاقمتها السياسات الليبرالية، تستوجب إعادة تأهيل الدولة


ويرى الاقتصادي الجزائري عمر بن درة، أن برامج الدولة الاستثمارية خلال السبعينيات، كانت «تستحق البقاء»، رغم أنها كانت «غير كافية بالنظر إلى التأخر الضخم الذي تراكم خلال الفترة الاستعمارية»، ورغم أن توزيع الاستثمارات لم يكن مثالياً بالنسبة إلى سكان المنطقة «الذين اعتبروا أن الثروات المستخرجة من الأرض التي يقيمون عليها، يجب أن تستثمر محلياً»، تمثل الخطأ في إدارة الظهر لسياسة الاستثمارات المنتجة بدل تصحيحها. كان يجب التعامل مع التصنيع من خلال «إعادة توجيهه للقطع مع منطق البرقرطة، ودمج أكبر عدد ممكن من الفاعلين، وليس عبر التخلي عنه لإدارة من دون قيادة استراتيجية أو رؤية متماسكة».
منذ بداية التسعينيات، وفي سياق العشرية السوداء، تخلت الدولة المركزية عن دورها الاقتصادي، وتقلص دورها تدريجاً لينحصر في وظيفة الأجهزة الأمنية، الموجهة لحماية المنصات البترولية. ويقول عمر بن درة: «لا توجد الإدارة إلا من خلال الحضور الأمني - العسكري في غياب أي شكل من أشكال الاهتمام باحتياجات المواطنين. ويفسر ذلك السخط المتنامي والقنوط الذي يعبر عنه المواطنون، الذين سلموا للفوضى، في سياق صحراوي معقد، وظروف قاسية في أحيان كثيرة».
وقد فاقم تراجع الدولة، وضعف تدخل الإدارة المركزية، الصعوبات التي يواجهها سكان تلك المناطق. يقول عبد اللطيف رابح إن «الشركات العمومية الكبرى تخلت عن مهماتها ذات الطابع الوطني، من خلال إخضاع الانتدابات في الوظائف اللوجستية، لمنطق الربح النابع من القطاع الخاص. وكان سكان الجنوب، وخاصة الشباب، الضحايا الرئيسيين».
قلص الانقطاع المفاجئ لسياسة التنمية وبرامجها، إمكانيات التطور الاقتصادي، بالتوازي مع تبني سياسة انفتاح اقتصادي تخدم مصالح البرجوازية وزبائنها. ووفقاً لعمر بن درة، ساهم الفساد المعمم في القمة البيروقراطية، بدرجة كبيرة في التخلي الكامل عن المواطنين القاطنين في بيئة ضاغطة بشكل خاص، فالمكاسب المالية - التي تجاوزت 800 مليار دولار _ من عوائد البترول من أراضي تلك المناطق، لم تخدم الأنشطة المحلية المنتجة إلا على نحو محدود. ولم يكن لبرامج التزويد بمياه الشرب أو البرامج الممنوحة لشركات أجنبية، سوى أثر محدود. وسمحت تلك البرامج بإبرام عقود توجد خلفها عمولات مرتفعة.
في جنوب البلاد، «يمثل انعدام الكفاءة، والفساد، وسوء المسؤولين المحليين، فضلاً عن غياب الدولة، مظاهر صارخة واضحة للعيان، أكثر مما هي عليه في الشمال، الذي يعيش ظروفاً طبيعية أكثر ملاءمة»، بحسب عمر بن درة.
بالنسبة إلى عبد اللطيف رابح، تستوجب تهدئة التفاوتات الجهوية، التي فاقمتها السياسات الليبرالية، إعادة تأهيل الدولة التنموية، ودعمها بقوة قطاع عام مُجدد، في إطار اقتصاد مختلط مخطط ومنظم. لكن بالنسبة إلى عمر بن درة، يرتهن وجود أي استراتيجية «فاعلة وفعالة» بتشريك الناس فيها. ويخلص إلى القول: «لكن يستوجب الحصول على رضا الناس وجود قناعة لديهم بأنهم ممثلون على نحو سليم. ويرتبط حل مشاكل سكان الجنوب، وكذلك سكان الشمال، بالإمكانات المادية لإيصال الماء والكهرباء والغاز، وبناء مستشفيات لائقة، وجامعات، ومساكن إلخ... لكني مقتنع بأنه لا يمكن اتباع هذه المقاربات التقنية على نحو فعال، إلا في إطار دولة القانون، التي يصير فيها نساء هذه البلاد ورجالها مواطنين محترمين، يتمتعون بكافة حقوقهم السياسية».