امتلأت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه السنة بالمواقف تجاه إيران واتفاقها النووي. فلم تكد تخلو جلسة من إعلان لتأييد الاتفاق أو رفض جدواه. کما کان لسياسة إيران الإقليمية وبرنامجها الصاروخي نصيب من اللعلعة في المنظمة الدولية. فقد عقدت الولايات المتحدة علی هامش اجتماعات الجمعية العامة «قمة إيران» لمناقشة «التهديد الإيراني» بحضور إسرائيلي وسعودي رفيعين، ذلك بعدما أعجم رئيسها وأعرب في وصف الخطر الإيراني وضرورة مجابهته في الجمعية العامة. کما عُقدت جلسة هامشية أخری للمنظمة الأميرکية «متحدون ضد إيران نووية». وتبيّن لاحقاً أن الرئيس دونالد ترامب لم يشف غليله بعدما حمل ملف إيران إلی مجلس الأمن في جلسة شُطب اسم ايران من عنوانها تفادياً لاحتمال حضور من يُمثّلها. وحسب الرئيس ترامب وفريقه المتعطش لنبذ سلوك طهران وسياساتها، تهدف الولايات المتحدة إلى الضغط والتضييق علی إيران بغية حملها علی العودة إلى المفاوضات وفق برنامج عمل أميرکي. إلا أنه، علی خلاف المطروح أميرکياً، لم يحفل وفد إيران إلی الأمم المتحدة بلغة التهديد، بل أبدی الرئيس حسن روحاني صورة منطقية مقبولة دولياً بتفنيده حجج واشنطن وتكذيبه جنوحها للسلم بعد خروجها من الاتفاق النووي، داعياً إياها للعودة إلى الاتفاق. فليس وارداً في طهران الامتثال لطلبات جديدة، سواء من الولايات المتحدة أو شرکائها الأوروبيين. وثمة إجماع إيراني يتبدّی أکثر کلما ازداد الوعيد الأميركي: لن تتراجع طهران أمام واشنطن قيد أنملة، سواء کان ذلك في الملف النووي أو في الساحات الإقليمية. ينبع القرار من تجربة إيران في التعاطي مع الولايات المتحدة علی مرّ العقود. وتقول خلاصة تلك التجربة التي جاءت علی لسان مرشدها الأعلی: «يُشجّع التراجع العدو؛ ويتراجع العدو أمام الثبات». بذلك يمكن القول إننا مقبلون علی مرحلة تتّسم بالتحدي والضغط، وقد ترقی إلى مواجهات أکثر سخونة.

تولي طهران، في هذه المرحلة، ردع الولايات المتحدة في الإقليم أولوية قصوی. ففي مرحلة الانتهاء من «داعش»، أصبحت قوة إيران الإقليمية محط أنظار واشنطن وشرکائها الإقليميين من إسرائيليين وسعوديين، والمطلوب تقزيم تلك القوة. إلا أن إيران التي بنت قوتها الإقليمية علی رؤية تقول بضرورة رفض الهيمنة الأميرکية، وعبر نسج شبكة من تحالفات (محور المقاومة) عُمّدت بالدم في أکثر من ساحة إقليمية، ليست في طور التراجع عن تلك الرؤية ولا عن هذه الشبكة. ويؤمن استراتيجيو إيران بأن قيمة ووزن إيران في الشرق الأوسط ينبعان من إتيانها برؤية إقليمية إسلامية لرفض التبعية والهيمنة الأميرکية علی المسلمين والعمل وفق تلك الرؤية. لذلك، يعني التراجع في ما يعنيه تغييراً في تلك الرؤية وإسقاطات علی الإقليم، منها انحدار وزن إيران والمسلمين أمام زيادة نفوذ واشنطن وسيطرتها. وهذا غير وارد اليوم في حسابات طهران. لذلك وبدل التراجع، ترکّز طهران علی ردع العداء الأميرکي.
يأخذ الردع الإيراني ثلاثة أوجه مترابطة. وقد رأينا جزءاً من الوجه الأول في نيويورك: مناکفة سياسية ودولية وإحراج واشنطن وزيادة کلفة مواجهتها إيران علی المستوی الدولي. وإن قسنا خطابا ترامب وروحاني في الجمعية العامة، سنری تغييراً جذرياً في موقع المدافع عن النظام الدولي والمعارض له. فإيران التي طالما رأت النظام الدولي «نظام سلطة» يُستخدم لإذلال الشعوب المستقلة، تدافع بقوة عن «القانون الدولي» و«مبادئ الأمم المتحدة» أمام سلوك واشنطن العدائي. أما الولايات المتحدة، أهم الواضعين لهذا النظام، فتضرب قانونه عرض الحائط بخرقها قراراته، ويتعالی رئيسها علی المنظمة وأعضائها قائلاً بأحقية القوة في العلاقات الدولية. بذلك تصبح الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية، کمحكمة لاهاي، أدوات ردع سياسي وقانوني أمام سلوك واشنطن الأحادي والمستفز للحلفاء والشرکاء.
أما الوجهان الثاني والثالث للردع الإيراني، فيأتيان داخلياً عبر زيادة قوة ودقة صواريخها الباليستية، وإقليمياً عبر زيادة دعم الحلفاء ومناکفة الحضور والنفوذ الأميرکيين. رکّزت إدارة ترامب علی برنامج إيران الصاروخي ونشاطها الإقليمي لنسف الاتفاق النووي، أملاً بأن تستعيد واشنطن الإجماع الدولي ضد طهران بعدما انفض الجمع بالاتفاق النووي. ورغم أن الحجج الإيرانية تبدو أکثر إقناعاً لرؤية المجتمع الدولي، إلا أن ذلك لا يكفي طهران. فالقوة تردع کما هو واضح في تجربة العقود الأربعة بعد الثورة الإسلامية لعام 1979 وکما اتضح أخيراً في النموذج الكوري الشمالي. لذلك ثمة ترکيز إيراني علی تطوير منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية. فلا تمتلك طهران حلفاء دوليين يزوّدونها بالصواريخ الردعية وهي في أمسّ الحاجة إلى أدوات ردع، والواضح أن الضغط سيزداد علی إيران في المرحلة المقبلة، لذلك سيزداد ترکيزها علی تطوير برنامجها الصاروخي. تبدو طهران واثقة من إتيان الردع الصاروخي أکله أمام أعدائها، في ردعهم أولاً، وقبولهم علی مضض واقع قوة إيران ومحور المقاومة، ثانياً.
أما في الشرق الأوسط، فتزداد طهران نشاطاً سياسياً وعسكرياً. فعلی الصعيد السياسي، ثمة حراك مستمر للانتهاء من حالة التشرذم السياسي في العراق بانتخاب رئيس للوزراء. ونُقل أن التحضيرات تجرى بين طهران وحلفائها في العراق وخارجه لانتخاب رئيس للوزراء يبتعد عن دائرة النفوذ الأميرکية ولا يتفاخر، کما فعل حيدر العبادي، بامتثاله لعقوبات الأخيرة علی طهران. وفي سوريا، تحاول طهران وحلفاؤها الانتهاء من إدلب لتسليط الضوء علی مناطق السيطرة الأميرکية في شمال شرق سوريا. أي أن الانتهاء من أولوية ضرب «داعش» و«القاعدة» وإخوته، سيؤدي إلى إعطاء الولايات المتحدة وقواتها علی الأرض الأولوية من قبل طهران ومحور المقاومة. لذلك يزداد الضغط الأميرکي کلما اقتربت الساعة الصفر لعملية استعادة إدلب. فالهدف الثاني لمحور المقاومة بعد إدلب مؤرق لواشنطن، لكن أولويات محور المقاومة تحدد وفقاً لرؤيتها لا للمطلوب أميرکياً، لذلك ستأتي ساعة التحرك نحو شرق الفرات عاجلاً أو آجلاً. وبشکل عام، يمثل التمسّك بمحور المقاومة وزيادة تماسكه هدف إيران لردع الولايات المتحدة ومقامرات شرکائها الإقليميين في المرحلة المقبلة.
تزداد ثلاثية إيران لردع واشنطن حراکاً، وتماسكاً، کلّما ازدادت ضغوط الأخيرة. فالرئيس الإيراني المعتدل، مثلاً، يتكلّم بنبرة أکثر ثورية في هكذا مرحلة. ويزداد النشاط لإنهاء الخلافات في العراق وزيادة الضغط علی واشنطن في سوريا. ويتصاعد العمل علی زيادة قوة صواريخ إيران الباليستية ودقتها. کل تلك سياسات يُحرّکها عداء ترامب لإيران وسياسته المستفزّة، فهل تُخطئ إدارته التقدير، أم أنها تعادي طهران بغية التصعيد والمواجهة. مهما تکن الإجابة، فإنها لن تُخلّ بسياسة طهران علی مستوياتها الثلاثة.
* باحث في العلوم السياسية وزميل باحث في مركز «بلفر» في جامعة «هارفرد»