تحدّثتُ في القسم الأوّل من المقالة (السبت الماضي) عن الجانب المنهجي وكيف أنّه يؤثّر على نتائج الاستطلاع، وهناك جوانب أخرى تتعلّق بالوضع القمعي المُميّز في العالم العربي وعلى حظر إمكانيّة نشوء مجتمع مدني وقطاعات مدنيّة، حرّة ومُستقلّة عن الحكومة وعن حكومات أجنبيّة. وكل هذا يعيق عمليّة استطلاع الرأي العام العربي ويُضفي على نتائج الاستطلاع -أي استطلاع- نتائج تشابه التنجيم وضرب المندل في الكثير من الأحيان. وتعتري مشاكل أخرى عمليّة الاستطلاع في كل المجتمعات (غرباً وشرقاً) ومنها لجوء المُستجوبين والمُستجوبات إلى الكذب في الكثير من الأحيان. هذه مشاكل ليس لها حلاً بعد، ولم يُكتشف إكسير للصدق والصراحة.
أما سؤال مصادر تهديد أمن البلدان العربيّة فتضمّن تأكيداً أن إسرائيل لا تزال تشكّل عند الرأي العربي (وإن بنسب متفاوتة كثيراً) مصدراً أكيداً لتهديد الأمن القومي العربي (أو تهديد أمن البلدان العربيّة كل على حدة، كما ورد في التقرير). لكن تفاوت النسب يطرح تساؤلات شرعيّة ومشروعة. إن مفهوم الأمن القومي العربي لا وجود له هذه الأيّام لأن إعلام دول الخليج المُهيمِن لا يسمح إلّا بالأمن الطائفي والأمن العالمي -من منظور التحالف الإسرائيلي-الأميركي: أو هو يسمح بالعبث بأمن الأنظمة وراحتها بالأمن القومي العربي. أي إن ثقافة الأمن القومي العربي التي زرعها ورسخّها النظام الناصري (والتي عبّر عنها حزب البعث بالسيّارات المُفخّخة بين جناحيْ الحزب الذي تشدّق بشعارات الوحدة العربيّة) لم تعد مطروحة هذه الأيّام خصوصاً أن ثقافة الأمن الخليجي وثقافة الدولة القطريّة الضيّقة هي السائدة. فكيف يمكن أن تكون إسرائيل تشكّل تهديداً للأمن فيما يضخّ الإعلام العربي المُهيمِن حملات تحريض وتأجيج طائفي تجعل من دولة الاحتلال الإسرائيلي دولة عربيّة سنيّة في عقل المؤسّسة السعوديّة الحاكمة، وفي عقل الإعلام الإسرائيلي المُهيمِن الذي بات يعتبر أن شمعون بيريز هو شيخ من شيوخ السنّة. لكن التقرير لم يسأل عن تهديد الأمن القومي العربي بل سأل (جدول ١٠، ص. ٤٧) عن تهديد إسرائيل لكل بلد على حدة. فجاءت النسبة في الجزائر ١٣% وفي السعوديّة ٨٪ وفي تونس ٣٪، فيما كانت النسبة ٧٨% في فلسطين (لكن الاستطلاع خلط الأمر على المُستجوّب الفلسطيني، ففصل بين التهديد الإسرائيلي والتهديد الأميركي، فقال ١٠% إن أميركا تشكّل التهديد الأكبر، فيما كان يمكن دمج الإجابة بين أميركا والعدوّ الإسرائيلي ليس لأن الدولتين لا تفصلان في مؤامراتهما ضد الشعب الفلسطيني بل لأن الشعب الفلسطيني لا يميّز بين هذيْن العدوّيْن التاريخيّيْن له).
وأجاب ٥٠٪ من السعوديّين بأن دولة إيران هي التهديد الأكبر لأمنهم، فيما لم يختر إلاّ ٢٪ (أقل من نسبة هامش الخطأ) أميركا كمصدر التهديد الأكبر لأمنهم. ومن المُلفت ان الشعب المصري (حسب الاستطلاع على الأقل) اختار إسرائيل كمصدر خطر بنسبة ٤١٪ فيما لم يختر إلّا ٢٪ دولة إيران. وقد حازت إيران على نسب أكبر من المستجوبين (كمصدر خطر يفوق خطر العدوّ الإسرائيلي) في دول السعوديّة والعراق والكويت. لكن نسب تحديد إسرائيل كمصدر خطر في تناقص عمّا كان الانطباع عليه في سنوات سابقة: حتى في لبنان فإن ٥٣٪ فقط اختارت إسرائيل كمصدر تهديد أساس للبلد. أي ان جهود الإعلام الخليجي في تحوير أنظار الشعب العربي عن الخطر الإسرائيلي تكلّلت بالنجاح، وأن هناك الكثير من العرب لا يكترث لاحتلال فلسطين ولا للتهديد الكبير الذي تشكّله دولة العدوّ الإسرائيلي على كل العرب من دون استثناء (ولا تخجل دولة العدوّ من الاعتراف بنواياها العدوانيّة نحو كل العرب والمسلمين، وإن أراد بعض العرب عدم التصديق).

أجاب 2٪ من
السعوديّين بأن أميركا مصدر التهديد الأكبر لأمنهم

أما القسم الثاني من التقرير فقد تعاطى مع نسب الثقة بمؤسّسات الدولة —هذا إذا كان يصلح وصف دكاكين وأجهزة الدول العربيّة بـ«المؤسّسات». لكن جهاز المخابرات حاز نحو سبعين في المئة من الثقة في مجمل الدول العربيّة (ص. ٥٠). هل يُعقَل أن يحوز الجهاز الذي يمارس القمع والترهيب والإرهاب والتعذيب على هذه النسبة العالية؟ ألا يشي هذا بخلل ما في الاستطلاع (أو في ظروف إجراء الاستطلاع): قد يشي هذا بدرجة الخوف التي تساور عقول العرب في ما يتعلّق بإعطاء جواب عن درجة الرضا عن الجهاز الذي يتخصّص في ممارسة القمع والفساد والتعذيب والقتل. هذا القسم يرسم علامات استفهام على مدى صدقيّة الإجابات في استطلاع يعتمد على مقابلات وجاهيّة من قبل شركات على علاقة ودّ مع حكومات تخيف مواطنيها وتحيلهم على السجن والجلد بتهم استحسان تغريدات أو إعادة نشرها.
لكن الاستطلاع عن ثقة المستجيبين بالمجالس التشرعيّة تكاد تثير الضحك. طبعاً، إن السؤال عبر الحدود في هذا الموضوع لا يمكن الركون إليه من دون تقسيم المجالس (او البلدان) على أساس تلك التي تجرى فيه انتخابات ذات حد أدنى من المصداقيّة وبلدان لا تتمتع انتخاباتها بأي درجة من المصداقيّة، أو بناء على معيار المجالس ذات السلطة التشريعيّة وتلك التي لا سلطة تشريعيّة لديها بتاتاً (مثل دول الخليج وسوريا والأردن وغيرها). إذ إن الاستطلاع (ص. ٦٦) أتى بنتيجة مفادها أن المجلسيْن «التشريعيّيْن» في الكويت والسعوديّة يحظيا بأعلى درجة من الثقة (٩٠٪ ثم ٨٧٪ على التوالي) بين كل البلدان العربيّة، وان لبنان والعراق والمغرب وتونس تتمتع بأدنى درجة من الثقة. يمكن قراءة النتائج عكسيّاً هنا: أنه كل ما ارتفعت نسبة الثقة بالمجلس «التشريعي» كلّما تدنّت مصداقيّة الانتخابات وكلّما تدنّت سلطات التشريع لهذه المجالس. لا، أكثر من ذلك، يقول الاستطلاع إنّ الرأي العام في السعودية يرضى عن «الواجب الرقابي» للمجلس التشريعي بنسب أكبر من دول لبنان والعراق والمغرب (ص. ٧٢). وحتى في مجال الرقابة على الإنفاق العام، يحظى المجلس «التشريعي» السعودي بأعلى ثقة (بعد تونس) من الرأي العام، كأن هذا المجلس يتمتّع بذرّة من السلطة والرقابة على الإنفاق العام في المملكة (ص. ٧٥). ويثني الرأي العام السعودي في الاستطلاع على دور هذا المجلس حتى في مجال تشريعات «تساهم في حريّات المواطنين» بدرجات أعلى من لبنان والمغرب (ص. ٨٠).
وينزع التفسير إلى وضع استنثاءات من دون شروح: تُستثنى المملكة السعوديّة من سؤال حول الثقة بالأحزاب السياسيّة (ص. ٦٨)، فيما تتمتّع الأحزاب السياسيّة بالجزائر والسودان بثقة تفوق ثقة الرأي العام بالأحزاب في لبنان والعراق وتونس: وهنا أيضاً يمكن قراءة النتائج بصورة عكسيّة. وحظيت مصر والسعوديّة بدرجات عالية من الموافقة من المواطنين (والمواطنات؟) على سياسات بلدانهم الخارجيّ. وفي مجالات الفساد ومحاربته، حظيت مصر والسعوديّة بأعلى الدرجات (ص. ١٠٠)، ممّا يعاكس الانطباع العربي العام عن دور الحكومات في الفساد وعن درجة ثقة الشعب بنيّة الحكومات في محاربة الفساد. أما في قدرة الدولة على تطبيق القانون بالتساوي بين الناس، فإن الدول الأقل تسلطيّة (تونس ولبنان وبدرجة أقلّ العراق) حازت نسب أدنى مقارنة بثقة الرأي العام بدور الدولة في التطبيق العادل للقانون في السعوديّة والأردن وموريتانيا. هنا أيضاً، تصلح القراءة العكسيّة.
الاعتماد على شبكة
الإنترنت كمصدر
معلومات لا يزال ضئيلاً
في الدول العربيّة

وحسناً فعل التقرير في القسم المتعلّق بالآراء من الديمقراطيّة في ترك المجال مفتوحاً أمام المواطنين (والمواطنات) كي يقدّموا تعريفاتهم الخاصّة بالديمقراطيّة، لكن هذا الأسلوب يميّع من الإجابات ويشوّشها. فقد قدّم عدد لا بأس به من المواطنين تعريف الديمقراطيّة على أنه يشتمل على «إقامة نظام حكم ديمقراطي»: لكن هذا على طريقة «فسّر الماء بعد الجهد بالماءِ» (ص. ١١٤). كما أن ترك الأجوبة المفتوحة قد يعيق عمليّة فهم وتصنيف آراء الرأي العام إذا كانت مفاهيم مغلوطة عن الديمقراطيّة تسود بين الناس في الدول العربيّة، وهذا واضح في الإجابات، وهذا ناتج عن ضخّ دعاية سياسيّة غربيّة عن الديمقراطيّة لا علاقة لها بحقيقة النظم الديمقراطيّة (في الغرب وفي دول نامية). كيف يمكن قبول تعريف شروط تحقيق الديمقراطيّة على أنها تشتمل على «تحسين الأوضاع الاقتصاديّة»؟ هل قدّمت نظم دول الغرب في الخمسينيات تحسيناً لـ«الأوضاع الاقتصاديّة» أكثر من الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين؟ هل فرنسا الديمقراطيّة قدّمت نموذجاً عن تحسين «الأوضاع الاقتصاديّة» أكثر من نموذج الصين غير الديمقراطيّة؟ ليس للنظام الديمقراطي من جواب واحد عن الاقتصاد، لكن ترويج أميركا لنفسها أحدث تشويها فظيعاً في فهم العرب لهذا النوع من نظام الحكم. والأبرز في المغالطات الشعبيّة عن حقيقة شروط الديمقراطيّة هو في إدراج بند «المساواة والعدل بين المواطنين»: إن الديمقراطيّة الأميركيّة مثلاً أقيمت على أساس مساواة في تكافؤ الفرص فقط، ونظريّاً فقط، وليس في تحقيق ما يُسمّى بـ«المساواة في نتاج» العمل الاقتصادي والاجتماعي (أي أن النظام الأميركي يرفض الحدّ من فضليّة العرق والطبقة والجندرة والإثنيّة). وهناك مَن أدرج بند «تحقيق الأمن والأمان والاستقرار» كشرط لتحقيق الديمقراطيّة مع ان نسبة الجريمة في أميركا تفوق النسب في معظم الدول القمعيّة في العالم. وفي «الشكل ٩٠» يؤمن نحو ٢٠٪ فقط في أن «النظام الديمقراطي يتعارض مع الإسلام»: وهذا يعني أن الأكثريّة (نحو ٧١٪) لا تؤمن أن هناك تعارضاً (ص. ١١٨). لكن ماذا يعني هذا بالضبط؟ إن النظام الديمقراطي يتعارض مع الإسلام كما انه يتعارض مع اليهوديّة ومع المسيحيّة إذا أقحمت نفسها في نظام الحكم أو في الهويّة السياسيّة للدولة: والمثال الإسرائيلي فاقع في هذا الصدد. لا يمكن ضمان تحقيق الديقراطيّة -حتى لو سلّمنا، كما فعلت كل الدول العربيّة في «مشروع السلام العربي» السيّئ الذكر، بحق إسرائيل في احتلال فلسطين ضمن أراضي ١٩٤٨— مع إعلان يهوديّة الدولة. أما إذا كان الإيمان بعدم تعارض الإسلام مع الديمقراطيّة هو تأكيد عدم تعارض الثقافة الإسلاميّة العربيّة مع النظام الديمقراطي فهذا أمر آخر يحتمل المراجعة أو ان هذا الموقف هو اعتذاري-سياسي أكثر مما هو تعريف نظري بالديمقراطيّة. لكن المُلفت ان الرأي العام في العالم العربي قرنَ بين الديمقراطيّة وكل الصفات الإيجابيّة في كل المجالات، اي ان الرأي العام العربي يعاني من سوء فهم فظيع في مفهوم الديمقراطيّة نتيجة تشويش الرأي العام العربي بدعاية سياسيّة أجنبيّة ومحليّة عن أفضال النظم الديمقراطيّة وعن قدرتها على حل كل مشاكل المجتمع (على طريقة «الديمقراطيّة هي الحل»، حسب وصف علاء الأسواني الطوطمي والذي لا يختلف منهجيّة عن شعار «الإسلام هو الحلّ»، وشعار الأسواني لم يتعارض مع طغيان السيسي إلا عندما ضاق صدر الطاغية بآراء الأسواني). والعلاقة بين الموافقة على أفضليّة النظام الديمقراطي وبين درجة التسلّط في الدولة المُستجوَبة كانت علاقة عكسيّة في الدول العربيّة (ص. ١٣٥).
وفي سؤال عن «ملاءمة» (كيف فهم المُستجوَبون هذا المصطلح في دول عربيّة عدّة؟) نظام محكوم بالشريعة الإسلاميّة من دون وجود انتخابات أو أحزاب سياسيّة، وافقت أكثريّة في دول متعدّدة على الطرح بنسب ٧٠٪ في السعوديّة و٥٤٪ في موريتانيا وفي ٨٣٪ في فلسطين (ص. ١٤٩). لكن، ألا تتعارض هذه الإجابات عن إجابات سابقة عن ملاءمة وصلاحيّة الديموقراطيّة في الدول العربيّة؟ هنا تختلط المفاهيم وتتشوّش الإجابات عند الرأي العام. وفي استطلاع آخر (ص. ١٥٢)، ثبتَ عدم شعبيّة الخيار غير الديمقراطي عند الرأي العام العربي. هل إضافة كلمة إسلام أو شريعة على خيار غير ديمقراطي تزيد من شعبيّة الخيار؟ يبدو ذلك. وهناك موافقة كبيرة على تسلم «حزب سياسي إسلامي» السلطة عن طريق الانتخابات (ص. ١٥٨)، لكن ما المعنى (أو ما المفهوم عند العامّة لـ«حزب سياسي إسلامي»)؟ هل يعنون حزب تابع لـ«الإخوان»، ام للسلفيّة؟ وماذا عن حزب خاضع بالكامل لتنظيم «الدولة الإسلاميّة» على سبيل المثال؟ لا بدّ أنهم يعنون شيئاً آخر تماماً في فهمهم لمصطلح «حزب سياسي إسلامي».
وفي مجال تقييم الحريّات في بلدانهم، تظهر أيضاً ملابسات إجراء استطلاع رأي وجاهيّة في الدول العربيّة. هل يُعقل مثلاً ان الشعب في السعوديّة يعبّر عن نسبة رضى عن الحريّات الصحافيّة والتعبيريّة بنسبة ٧٣٪ وفي الأردن بنسبة ٨٢٪، وفي مصر بنسبة ٦٣٪ فيما تنعدم الحريّات في كل هذه الدول؟ هل فهم المستجوبون السؤال أم الجواب ينمّ عن حالة ذعر من التصريح بالحقيقة والمكنونات؟ وهل يُعقَل ان تكون نسبة الرضى عن الحريّات في لبنان ٧٠٪، حيث يمكن انتقاد كل أركان الحكم ومن دون استثناء، قريبة جدّاً من النسبة في السعوديّة حيث يُجلد المرء ويُسجن في حالة انتقاد لهيئة تفتيش صحيّ، كما حدث هذا الأسبوع؟ لا، والأنكى (أو الأغرب) ان الشعب في السعوديّة (بنسبة بين «مضمونة بشكل كامل» و«مضمونة إلى حدٍّ ما» —٧٣٪) يوافق على ان حريات التجمّع والتنظيم والتظاهر والانتساب في الأحزاب مضمونة في المملكة، فيما هذه الحريّات هي ممنوعة بالكامل؟ وحتى الشعب في مصر جمهوريّة السيسي يوافق بنسبة ٥٨٪ على ان هذه الحريّات هي مضمونة؟ هذه النتائج ترسم علامات استفهام على نتائج الاستطلاع، بما هو خاص بهذا الاستطلاع وطرق إجرائه ومنهجيّته، أو بما هو عام في إجراء الاستطلاعات في بلادنا لأسباب تتعدّد ولا تنحصر بواحدة أو اثنتيْن. وهناك استطلاع (ص. ١٧٢) يوافق فيه الشعب السعودي بنسبة ٦٥٪ أن مقاضاة الحكومة وتدوال السلطة والانتخابات الدوريّة هي مضمونة في بلادهم (ويوافق على ذلك الشعب في الأردن والكويت والمغرب حيث السلطة مُحتكرة من قبل سلالة حاكمة). أما في تقييم مستوى الديمقراطيّة في بلادهم (العلامة هي من عشرة على عشرة، للمستوى الكامل والفضلي في الديمقراطيّة) فقد حازت المملكة الكويتيّة والسعوديّة والأردنيّة أعلى العلامات بين كل الدول العربيّة (بنسب ٦,٨ و٦,٥ و٦,٦ على التوالي). كيف يمكن ان تكون علامة احترام الديمقراطيّة في هذه الدول أعلى منها في لبنان وتونس (٤,٦ و٥,٠ على التوالي)؟ ألا ترسم هذه النتائج علامات استفهام فظيعة وتدعو إلى إعادة النظر في الطرق والمنهجيّة لإجراء الاستطلاع أو حتى في صدقيّة الاستطلاعات بصورة مطلقة في بعض الدول؟ هل يمكن مثلاً النزوع لخيار الاستطلاع الهاتفي بديلاً من الاستطلاع الوجاهي لكسب إجابات أكثر صدقيّة؟
أما في مجال المتابعة السياسيّة، فنكتشف ان الاعتماد على شبكة الإنترنت كمصدر معلومات لا يزال ضئيلاً في الدول العربيّة (ص. ١٨٦) مقارنة بالدول الغربيّة: فنسبة الاعتماد على الإنترنت كمصدر لمتابعة السياسة بين الشباب في أميركا تعادل النسبة التي تعتمد على القنوات الفضائيّة في بلادنا. ففي دراسة شاملة لـ«مشروع ميديا إنسيْت» يتبيّن ان الشباب «الألفي» (أي هؤلاء في الأعمار بين ١٨ و٣٤) في أميركا لا يزور مواقع الأخبار ولا يقرأ الصحف ولا يشاهد الأخبار التلفزيونيّة بنسب كبيرة أبداً، بل هو يعتمد بصورة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أبرز للأخبار. وهذا يجعل من مصدر الأخبار ضيّق ومحدّد ومُكرّر لأن الناس لا تتابع على وسائل التواصل الاجتماعي إلّا من كان يماثلها في الرأي: هذا يقّلل من احتمال قراءة رأي مخالف لرأي القارئ (وهذا غير متاح بصورة كبيرة في الشاشات التلفزيونيّة او في الجرائد التي باتت أقل رحابة في نشرها لآراء متنوّعة —إن إعلام التحزّب هو السائد هنا، وبصورة متزايدة). لكن هذه النسب في العالم العربي ستزداد عندما تتحسّن خدمات الإنترنت، كما ان المحطّات الأخباريّة وافرة أكثر في عالمنا العربي—على سوئها— ممّا هي عليه في أميركا حيث تحوّلت شبكة «سي. إن. إن» هي أيضاً إلى محطة تعنى بالمنوّعات والتسلية وأخبار المشاهير. ونسبة الذين (واللواتي؟) يعتمدون على الإنترنت كمصدر أخبار في السعوديّة مثلاً لا تزيد في عام ٢٠١٥ عن ٨٪ (ص. ١٨٨) مع ان خدمات الإنترنت في السعوديّة (من حيث السرعة والانتشار) تتفوّق على الكثير من الدول العربيّة. هل يعني هذا ان الشعب في عدد من الدول العربيّة يخضع بالكامل للتبعئة والقولبة والدعاية من قبل الحكومات؟
ويظهر الاستطلاع ان «المحطات الوطنيّة» (أي المحليّة في كل دولة) باتت هي الأكثر استحواذاً على المشاهدة، مع ان الاستطلاع يظهر موقعاً متقدّماً لـ«الجزيرة» لا يتوافق مع نسبة التدنّي في المشاهدة الذي لحق بالمحطة بعد اندلاع الانتفاضات العربيّة، كما ان موقع «الجزيرة» على الإنترنت شهد تدنيّاً كبيراً في المتابعة في السنوات الأخيرة (في تونس مثلاً لا تحظى «الجزيرة» إلا بنسبة ٢,٥٪ من المتابعة كمصدر أخبار، وفق الاستطلاع نفسه). لكن المشهد في تونس (الأقل تسلّطاً من معظم الدول العربيّة باستثناء لبنان ربّما، على علّاته) يؤشّر إلى نزعات مستقبليّة: ففي تونس تحوز «القنوات الوطنيّة» على أعلى نسب متابعة، يليها مباشرة موقع «فايسبوك» كمصدر أخبار. هذا يزيد من أهميّة مواقع التواصل الاجتماعي ويؤكّد أن الحكومات القائمة ستزيد من وتيرة قمعها في السنوات المُقبلة، كما فعلت كل دول الخليج أخيراً باسم «محاربة الإرهاب» (حتى دعاة اللاعنف في بلادنا يُزجّ بهم في السجون باسم «محاربة الإرهاب»، وبموافقة غربيّة).
وظهر في الاستطلاع أنّ نسبة المشاركة السياسيّة (غير الاقتراع وهو غير متوفّر في كل العربيّة) هي ضئيلة جدّاً، لكنّها ضئيلة أيضاً في اميركا (هذا ما درسه عالم الاجتماع، روبرت بتنم، في كتابه «لعب البولنغ فرادى»، والذي لاحظ فيه تدنّي نسب العمل الجماعي السياسي والاجتماعي في أميركا على مرّ السنوات). ونسب المشاركة الضئيلة (في العالم العربي وفي اميركا) تعود لأسباب مختلفة ومتنوّعة لكنها تتعلّق بالتشاؤم السياسي من احتمالات تغيير حقيقي (إن نسبة المشاركة السياسيّة بين الفقراء هنا تقلّ بنسب كبيرة عن نسبة المشاركة بين الميسورين، مثلاً). كما ان نسبة المنتسبين لأحزاب سياسيّة ضئيلة هي أيضاً في الاستطلاع (ص. ٢٢٣) لكن الأسباب تتعدّد وتتنوّع بين الدول العربيّة حيث تمنع بعضها مجرّد وجود أحزاب، او تحدد أو تقيّد معظمها حريّة الأحزاب وإنشاءها وحركتها.

* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)