حين تستخدم السلطة الحبس الانفرادي ضدّ معتقل بعينه، فهذا يعني أنها تعتبره مؤثّراً في الآخرين، وتخشى لفرط «هشاشتها» انتقال هذا التأثير إلى دوائر أوسع من «مريديه». يحصل ذلك مع أيّ سلطة، بما فيها تلك التي تتمتّع بتأييد جماهيري واسع، إذ إنّ معايير الشرعية الانتخابية أو التمثيلية تصبح هنا أوهن من الفعل الاحتجاجي، ولا يمكن بالتالي التعويل عليها كثيراً في احتواء التناقضات الاجتماعية الناشئة بمعيّة الصراع بين طبقات المجتمع.


بالطبع، ليست هذه هي الحال تماماً في مصر؛ فالسلطة الآن تحظى بقاعدة جماهيرية واسعة نسبياً، وتحاول ما أمكنها احتواء الصراع الاجتماعي المتصاعد بين الفقراء والأغنياء، ولكنها تبقى سلطة في النهاية، وعبورها امتحان الاستفتاء على الدستور بنجاح لا يقلّل من تأثير التحرّكات الاحتجاجية عليها وعلى قاعدتها الاجتماعية العريضة. وقد بدأت بالفعل دوائر إعلامية قريبة من السلطة في الإشارة إلى الأمر، عبر تحذيرها من مغبّة التعويل على الصندوق وحده. فبحكم مشاركة هؤلاء (ومنهم مثلاً إبراهيم عيسى) في احتجاجات سابقة يعرفون أنّ الاستقرار الاجتماعي لا يأتي من طريق الإجماع التصويتي فقط. ما المانع مثلاً أن يترافق الإجماع ذاك مع حزمة كبيرة من «الإصلاحات» الجذرية لأوضاع المؤسّسات؟ وللعلم فقط فإنّ الوضع الذي تعيشه الطبقات الشعبية والمفقرة هناك لم يعد يحتمل المزيد من الوقت، وبالتالي يتعيّن الشروع بالإصلاحات مباشرة، وقبل إتمام الاستحقاقات الانتخابية حتّى، لأنّ غيابها يعني أنّ الحكم الحالي لم يستجب كما يجب لطلبات الأغلبية التي يدّعي تمثيلها. ثمّة رجل يؤمن بهذه النظرية، إلّا أنّه عاجز عن مناقشتها حالياً، بفعل احتجازه من جانب السلطة، وإيداعه في زنزانة انفرادية كما نقلت عنه أخته الناشطة والحقوقية منى سيف. أعترف بأنني لم أكن متابعاً في السابق لعلاء عبد الفتاح ونشاطاته، ولكنه بدأ منذ فترة يستحوذ على اهتمامي، سواء في نتاجه النظري عبر ما يكتبه من تغريدات على موقعه على «تويتر» (يجب بالفعل عدم الاستخفاف بالنقاشات التي تجري افتراضياً بين نشطاء اليسار)، أو من خلال مساهماته الحركية التي كان آخرها تأسيسه بالاشتراك مع آخرين للتيار اليساري الراديكالي المسمّى جبهة طريق الثورة (ثوّار). بالطبع، لا يعجب نشاطه الكثيرين، فهو راديكالي أكثر ممّا ينبغي بالنسبة إليهم، ومنحاز إلى الفقراء ضدّ الطبقات التي تهمّشهم وتنهبهم باستمرار، وهذا هو سبب دخوله المتكرّر إلى السجن في عهود مختلفة (مبارك والمجلس العسكري السابق والإخوان والسلطة الحالية). لكن هذه المرّة يكتسب وجوده هناك معنى مضاعفاً، فهو لم يعارض موجة 30 يونيو كما فعل الكثير من رفاقه، وحين أبدى اعتراضه على إفرازاتها المتأخّرة لم يكن في وارد المواجهة مع الشعب الذي صنعها، ولو فعل لأخذ اعتقاله منحى آخر. المهمّ أنه أصبح الآن ضدّ السلطة، وهذا من وجهة نظر مؤيّدي الجيش والحكومة «الموالية له» سبب كاف لوضع الرجل في الخانة ذاتها مع الإخوان، وبالتالي تجريده من أي حيثيّة مستقلّة تميّزه عنهم. من يلومه بعد ذلك إذا خرج من سجنه مطالباً ليس فقط بنزع الشرعية عن السلطة الحالية، بل بإنهاء مفاعل 30 يونيو من أساسها! لقد جرّد الرجل بفعل الدعاية الفاشيّة السوداء التي مورست ضدّه بعد اعتقاله من كلّ شيء، بما في ذلك حقّه الطبيعي في ممارسة النقد. وانعكس هذا الأمر على موقفه من المرحلة «ومن الحياة عموماً»، إذ لا يعقل «أن تعزل شخصاً في سجنه» وتحرمه أيّ إمكانية للتواصل مع آخرين (قيل إنّه تواصل مع عائلته منذ فترة)، ثم تتوقّع منه بعد ذلك موقفاً مختلفاً منك ومن شرعيتك الشعبية. والحال أنّها شرعية على المحكّ الآن، فهي وإن تأكّدت بالانتخابات لاحقاً (بشقّيها الرئاسي والبرلماني)، إلا أنّها تبقى بغياب الضوابط التي تحكم عمليات توقيف الأفراد ومحاكمتهم منقوصة إلى حدّ كبير. فاعتقال علاء وأحمد دومة وآيات حمادة وأحمد ماهر وآخرين جرى بموجب قانون مؤقّت سنّته الحكومة لضبط الشارع، وتفادي انزلاقه إلى مطبّات الإخوان وعنفهم، وبإقرار الدستور الذي يكفل في إحدى مواده حقّ التظاهر السلمي وينيطه بالقانون فقط أصبح الاستمرار في تطبيق القانون المؤقّت والمتلاعب به من جانب السلطة ضرباً من ضروب العبث. بالأساس بدأت الاعتقالات تتوسّع منذ فترة، وتظهر بمظهر الخشية من الطلاب والثوريين عموماً، لا من الإخوان وحلفائهم فحسب، وهذا سبب إضافي لتوكيد الهشاشة في بنية السلطة، وخصوصاً عندما تتعامل بمنطق الانتقام والثأر من أفراد لهم باع في الاحتجاجات ضدّ الشرطة والجيش. بهذا المعنى يصبح العزل نهجاً في مواجهة أشخاص معروفين بالصلابة ورفض الإذعان، ولا يعود فقط ممارسة من جملة الممارسات التي تتّبعها السلطة مع معتقليها. لنلاحظ مثلاً كيف عبّر علاء عبد الفتاح عن هذا الأمر في رسالته التي بعث بها من سجنه إلى عائلته وأصدقائه، وهي بحسب أخته منى كتبت في كانون الأول الماضي، ولم تصل إليهم إلّا قبل أيام. يقول علاء: «يمكن دي أصعب حاجة في الحبس، إن حد يبقى متحكم بوقتك بالشكل ده... لدرجة انك تتحرم حتى من القلق لأن مش هعرف إن ابني خالد خد دور برد غير بعد ما يكون خف... إن حد تاني متحكم بتزامن إحساسنا بنفس الحاجة... يعني مثلاً العاصفة الثلجية، وصلني المدد اللي بعتوه عشان البرد بعد ما خلصت خلاص». من الواضح أنّ نقمة الرجل على السلطة قد تضاعفت، فهو وإن لم يتطرّق إليها مباشرة، إلا أنّه يلمّح إلى وجودها بوضوح عبر الحديث عن آليات السيطرة التي تستخدم في السجن للتحكّم بوقته وانفعالاته وحاجته إلى الآخرين. الشعور بوطأة السلطة وعنفها موجود في كلّ لحظة يعيشها السجين، وهذا واضح من طريقة تعبير علاء عن «استلابه» الحالي، وبالتالي لا يحتاج الأمر إلى التعذيب أو سواه من الوسائل التقليدية المتّبعة لكي يفهم المرء أنّ لا شيء فعلياً قد تغيّر، وأنّ الثورة بحاجة إلى وقت طويل حتى تصل إلى أبواب السجون والمعتقلات. صحيح أنها عدّلت في الوقائع وأجبرت السلطة بكلّ تمثّلاتها (أجهزة الأمن، الشرطة، الجيش، أصحاب الرساميل، الاحتكارات التجارية... إلخ) على التراجع خطوات عديدة إلى الخلف، لكنها ساومت أيضاً على أمور كثيرة، من بينها قضية المعتقلين السياسيين، وكذا الموقوفون احتياطياً على ذمّة قضايا سياسية. لهذا السبب يصبح الشعور بالإحباط المؤقّت أو الجزئي لدى المعتقل أمراً طبيعياً، ويغدو بالإمكان فهم الانقطاع الذي يحدث له عن محيطه، فهو واقع تحت قبضة سلطوية لا تسهّل عليه التفكير خارج حدود السجن، ولعبور هذه الحدود عليه أوّلاً أن يتحرّر من القيود البيروقراطية التي تقعده عن تلبية أبسط حاجاته. عن هذا الأمر تحديداً يقول علاء: «وأنا بلبس كل هدومي فوق بعض، وبرص بطاطين فوق بعض فكرت أن فيه ناس في عشش أو في الشارع معاها هدوم أقل وبطاطين أقل... بس بعد أبرد ليلة لما قررت أن لازم أسد شبابيك الزنزانة ثاني يوم أدركت أن حتى المشردين يقدروا يقوموا في أي وقت يختاروه يدوروا على حل للبرد... يمكن يلاقوا ويمكن لأ، لكن إحساس إن سلطة ما هي اللي بتقرر ببيروقراطية عشوائية امتى هيتفتح عليا، وامتى هلاقي كرتونة أسد بيها الشباك، وامتى النبطشي هياخد اذن يجيب سلم ويطلع يسد الشباك يقهر...».
هذه ليست مجرّد تفاصيل يعيشها الرجل داخل سجنه، وإن بدت كذلك ظاهرياً، فسردها على هذا النحو يوحي بأنّ ثمة تراكماً للقهر والشعور بالعجز يحدث هناك، وهو قد يكون في هذه اللحظة بالذات صفرياً، بمعنى انعدام القدرة على الإتيان بفعل ما تجاه السلطة المسؤولة عن حدوثه، إلا أنّ الأمر سيبدو مختلفاً حين تحين لحظة الخروج من السجن، وهي على ما يقول علاء ليست مؤكّدة. يرد في الرسالة طبعاً تقدير لمسألة الخروج من عدمه، ولكنه لا يشغل الرجل إلا من زاوية افتقاده لعائلته وابنه، فاعتقاله هذه المرّة على ما يقول لا يستحقّ كلّ هذا العناء. في هذا المقطع من كلامه تحديداً تكمن كلّ المسألة، فهو هنا لا يشكك بالسلطة وبمسارها العبثي فحسب، بل بكلّ المسارات الأخرى التي يقترحها معارضوها، ومن بينهم رفاق وزملاء له: «... بصراحة اللي مكمل على قهري إني حاسس إن الحبسة دي ما لهاش أي قيمة، لا ده نضال ولا فيه ثورة، والعالم اللي مقضياها تفاوض رغم أنهم مش محبوسين دول ما يستاهلوش إني اتحرم من ساعة واخد فيها خالد في حضني، الحبسات اللي فاتت كان في معنى لأني اتحبس واتماسك، كنت حاسس إني داخل السجن بمزاجي وطالع منه كسبان، دلوقتي حاسس إني مش طايق الناس والبلد، وان مفيش أي معنى لحبسى غير بس أنه يحررني من الإحساس بالذنب لعجزي قدام كم الفجر في الظلم والفجر في تبريره...». في كلّ المقاطع التي سبقت، سواء كانت ذاتية محضة أو موضوعية محضة، أو خليطاً من الاثنتين يرد ذكر السلطة بمرارة، وبتواتر يكاد يكون مقصوداً، وهذا ليس بجديد على ما يكتبه أو يفعله علاء عبد الفتاح. لنتذكّر أنّ نشاطه متمحور بالأساس حول فكرة تفكيك السلطة وإيجاد بدائل طبقية عنها تكون معبّرة أكثر عن احتياجات الجماهير والقطاعات الشعبية التي خرجت ثائرة عليها في يناير ويونيو، إلا أنّ الأمر هنا يختلف قليلاً. فعندما يصل شخص بصلابة علاء وتمرّسه الذهني المديد إلى الحائط، و«يتحدّث عن الاحتجاج كما لو كان مساوياً لنقيضه»، يصبح من الواجب على السلطة أن تفكّر ألف مرّة قبل أن تجرّف الأرض، وتكتفي بالحديث الصوري عن شرعية الاستفتاء وخريطة الطريق.
هي احتجزت علاء، ومن ثمّ اعتقلته تمهيداً لمحاكمته بغرض كسره، وبالتالي إيصال فحوى هذا «الفجر في الظلم» (بحسب تعبير رفيقنا) إلى القطاعات التي تقدّر احتجاجه المستمرّ، وتتأثّر بما يفعله على أكثر من صعيد. وهؤلاء الآن ليسوا أكثرية، لكنهم مؤثّرون في الشارع وقادرون على قيادته وتنظيم احتجاجه، وإذا مضت السلطة في كسرهم فلن يتحقّق لها ما تريد، لأنّ إخراجهم من المشهد سيترك المجال أكثر لليأس والقنوط، وهذا بالتحديد ما يريده اليمين الديني الفاشي، وعلى رأسه الإخوان والتكفيريون الوهابيون. الأرجح كذلك أنّ علاء كان يفكّر في هذه الخلفية عندما ختم رسالته قائلاً: «الفكرة مرعبة، قدامي جنايتين وواضح أنهم قرروا أنه لازم ناخد أحكام، وواضح أن حال الثورة بائس لدرجة أنه ينفع ناخد أحكام، يعني الزمن يمكن يفضل واقف عندي، وبيتحرك عندكم لسنين، يعني خالد هيكبر من غيري، يعني قدامه أدوار برد كتير حينام من غير حضني... أو يمكن لأ، يمكن هخرج بعد شهر أو شهرين، أو يمكن هخرج بعد ما يخلصوا خريطة الطريق الملعونة بتاعتهم. المسألة بمزاجهم والزمن والوقت تحت تحكمهم».
* كاتب سوري